العالم والكلمات والمعنى
تفسر مفاهيم علم الاقتصاد الصعبة أفضل تفسير باستخدام كلمات بسيطة ومعبِّرة.
-
يكونون على علم بما يحدث، لكنهم لا يستطيعون إقناعنا.
-
أو لا يعلمون، لكنهم يحاولون إقناعنا على أي حال.
-
أو يعلمون أن حقيقة الأمور تختلف عمَّا يحاولون إقناعنا به.
في الحالة الأولى، لا يسعنا إلا أن نحاول مساعدتهم في توصيل الرسالة. ورغم ظاهر الأمر، ليست تلك بالمهمة السهلة، فالجهود في هذا الاتجاه بحاجة إلى دعم المؤلفات، والبرامج المعرفية، والتعليم، ووسائل الإعلام المستقلة، والمنظمات التقدمية غير الحكومية، والأشخاص ذوي النوايا الحسنة، وهؤلاء ليسوا قلة على الإطلاق، لكنهم بحاجة لأن يعلموا كيف تجري الأمور أولًا.
وفي الحالة الثانية، عندما لا يعلم هؤلاء الأشخاص كيف تجري الأمور فعليًّا ومع ذلك يحاولون إقناعنا بمفهومهم، يكونون على خطأ بين. ومن الضروري عندئذ أن نناقشهم بهدوء، وأن نعير اهتمامنا للرأي الآخر، لأن كل شخص من الممكن أن يكون على خطأ؛ بما في ذلك نحن. ويمكننا أن نعرف أن الأشخاص الذين يطرحون وجهات نظر خاطئة يكونون أحيانًا حسني النية. فمن وجهة نظرهم، هم يحاولون الوصول إلى الحقيقة ومشاطرتها مع الآخرين. ومن ثم، هم حلفاء في الكفاح من أجل الوصول للحقيقة، وكل ما يتطلبه الأمر لوضعهم (أو وضع أنفسنا) على المسار الصحيح، أن نجعلهم يدركون أخطاءهم، ويتوصلون إلى رؤية مشتركة معنا.
من السهل جدًّا مواربة الحقيقة في مجال الاقتصاد، والتساهل حيال ذلك — على الرغم من ضرره البيِّن — أكثر بكثير في الاقتصاد من غيره من الفروع المعرفية الأخرى. وهناك سبب آخر لذلك هو أنه في مجال الاقتصاد يسهل خداع الناس، وإقناعهم بوجود علاقات ليست موجودة فعليًّا ضمن العمليات الاقتصادية مثل: الادخار والتراكم والاستثمار والإنتاج والتجارة والتمويل. وعندما يدلي علماء الاقتصاد بتصريحات يتبين عاجلًا أو آجلًا أنها غير صحيحة، نُترك نحن أمام إشكالية: هل كانوا على خطأ، أم كانوا يكذبون؟ ولا توجد احتمالات أخرى؛ ربما باستثناء أنهم كانوا مخطئين إلى حد ما، وكاذبين إلى حد ما. هذه الحجج والأمثلة — التي لا يصعب أن نجد الكثير منها بالرجوع إلى تجارب كثير من الدول في فترات عدة — ينبغي أن تساعد في فهم أسباب ظهور أمور سيئة وكأنها جيدة، وينبغي أيضًا أن تمدنا بالمعرفة اللازمة لتجنب الأخطاء.
ومن الضروري، خلال النضال من أجل الوصول للحقيقة في العلم الحقيقي، وأعني بذلك العلم الرفيع، أن نشجع مسلكًا نقديًّا. وكثيرًا ما يتطلب الوصول للحقيقة أيضًا مناظرة علنية نزيهة، على الرغم مما يصاحب ذلك من مجازفة معتادة تتمثل في استحالة التمييز بين الحقيقة والزيف أحيانًا في نقاش عادي عام. ومع ذلك فهذه طريقةٌ لكسب حلفاء للحقيقة. وفي العلوم الاجتماعية، بما فيها الاقتصاد، هذا مهم للغاية، نظرًا لأن نشر نتائج البحوث وتبسيطها عاملان مهمان يساعدان على تطبيقها. لقد حدث أن كان هناك أشخاص يشد وثاقهم إلى الخازوق ثم يُعدمون حرقًا على رءوس الأشهاد، عقابًا على دفاعهم عن الحقيقة العلمية على الملأ، لأن محاكم تفتيش متعصبة وغاشمة حكمت بذلك. أما اليوم، فهناك قطاعات من وسائل الإعلام على استعداد للتصدي بهمَّة لهذا الإرهاب الجسدي والنفسي والسياسي، الذي ينبغي أن نذكر أنفسنا بأنه كان قاسيًا على المدى القصير، لكنه لم يكن فعالًا على المدى الطويل.
إن النقاش العلني وأداته — أي وسائل الإعلام — سلاح ذو حدين. فمن ناحية، يستحيل من دونهما تمرير شعلة المعرفة إلى جمهور أوسع من الناس، ومن ناحية أخرى، يمكِّنان الكذابين والدهماء من الوصول إلى ذلك الجمهور نفسه. وما من خيار إذن سوى حمل الهراوات والتلويح بالسيف — الكلمة — لتسديد الضربات بأقل قدر ممكن من المعاناة. وهذا ليس أمرًا سهلًا على الإطلاق.
من البديهي أن الخيارات البديلة لتحقيق التنمية لم تنفد، حتى حينما كانت الثاتشرية الليبرالية الجديدة في أوج ازدهارها ورفضت أن تلحظ أو تتقبل أي خيارات بديلة عن حلمها بالهيمنة. كما لم تنفد البدائل الآن أيضًا، في الوقت الذي تتجه فيه الليبرالية الجديدة نحو الأفول. وبالنسبة للتاريخ؛ فهو يمضي قدمًا، كحال البشرية مع كل المشاكل التي تظل جمة حتى على المستوى التاريخي.
ومن الأمثلة الأخرى على تلك الترهات شعار «إما أن تبتكر أو تتوقف عن العمل!» الذي ظهر مؤخرًا، فقد كان هذا مذهبًا شائعًا في كليات الإدارة. ومع أنه ما من شخص عاقل يمكن أن ينكر أهمية الابتكار البالغة في تحقيق مزيد من الإنتاجية والتقدم الاقتصادي بوجه عام، فإننا نعلم أيضًا أن التطور كان ممكنًا لقرون كاملة من دون وجود أي قدرات ابتكارية بارزة. وحتى في يومنا هذا، لا تتوقف أغلبية الدول (الاقتصادات الوطنية) والغالبية العظمى من الشركات عن العمل نتيجة لغياب موهبة الابتكار، بل تجري أمورها على ما يرام، وتحقق عيشًا كريمًا بفضل الاعتماد على التقليد.
وللأسف تسببت هذه الأمثلة وغيرها من الترهات والأكاذيب في ضرر لا حد له، على المستويين المادي والفكري على حد سواء. فعلى أي حال، نحن لا نعيش في عالم من الكلمات فحسب، بل من الأفعال أيضًا، بما فيها الأفعال الخاطئة والضارة. والكثير من تلك الأفعال لا يمكن إصلاح عواقبه. لقد عانينا الخسائر والأضرار بالفعل، وباتت إمكانية تحقيق أي مكسب شيئًا من الماضي. وللزمن دومًا دور في هذا. فحتى عندما تسفر التضحيات التي بُذلت والأعباء التي أثقلت كاهل البعض في النهاية عن بعض النفع، يمضي تعاقب الأجيال بحيث يكون أولئك الذين دفعوا الثمن قد أمسوا في العالم الآخر.
تحاول إيران حاليًّا تنفيذ برنامج يسمى «أسهم العدالة»، وهو برنامج لتوزيع جزء من أصول الدولة مجانًا على أفقر شريحة من السكان. ومن الأفضل بكثير بيع هذه الأصول بأعلى سعر ممكن في أسواق رأس المال، ثم استغلال الدخل الناتج عن إلغاء التأميم (الخصخصة) في تنفيذ برامج اجتماعية هادفة للحد من أسباب الفقر ومظاهره. لقد كانت لدى الإيرانيين فرصة تجنب خطأ التوزيع المجاني العقيمة اقتصاديًّا والقائمة على دوافع أيديولوجية؛ وهو نفس الخطأ الذي لم تتجنبه بعض دول ما بعد الاشتراكية.
وفي بولندا أيضًا، كانت لنا تجربة مع التُّرَّهات تمثلت فيما كان يطلق عليه اسم «برنامج الخصخصة الشامل»، الذي تَصدَّر الصفحات الأولى للجرائد، لا سيما صفحة أولى في صحيفة بعينها. وعندما بات واضحًا للجميع في وقت لاحق أن المردود الاقتصادي من وراء هذا النظام لم يكن يستحق الجهد الأيديولوجي، كنا قد بدأنا بالفعل مرحلة مواجهة العواقب: فلا تحقق هدف التحول إلى الاقتصاد الجزئي، ولا الهدف الاجتماعي الرامي إلى سرعة تكوين طبقة وسطى. هذه العواقب لبت طموحات أولئك الذين دعوا إلى هذا البرنامج والبرامج المماثلة، وخدمت مصالح ليست هينة على الإطلاق للوسطاء الماليين والقانونيين الذين استفادوا استفادة عظيمة.
وفي بولندا أمامنا الآن فرصة لتجنب فكرة سيئة أخرى هي: الضريبة الثابتة. فقد وضعت بعض جاراتنا من الدول هذه الفكرة موضع التنفيذ، حيث تغلبت الترهات الاقتصادية على المنطق السليم. لكن سيكون على هذه الدول في مرحلة معينة أن تعالج الوضع، وإن لم يوجد سبب آخر سوى حقيقة أنها لن تتمكن من إعالة كبار السن في المجتمع من دون اللجوء للضرائب التصاعدية. ومع نسبة متقاعدين متزايدة ستضطر الفئة العاملة في المجتمع إلى دفع ضرائب أعلى من تلك التي يدفعها المتقاعدون ومتلقو الإعانة من المعاقين، وإلا ستختل منظومة الدعم الاجتماعي. إذن على الأشخاص الأكثر ثراء أن يدفعوا ضرائب أعلى، وإلا ستختل منظومة الدعم الاجتماعي. إن الضريبة الثابتة ليست بالبساطة التي يدَّعيها المدافعون عنها (وكل مَن يمكنهم الاستفادة من ورائها). لكنها تُبسط تبسيطًا مفرطًا يجعلها تستهوي أعدادًا كبيرة من الناس. يمكن ترويج الهراء التقليدي بناء على وصفة تقليدية تصوره وكأنه: علاج شامل ناجع، بسيط ومبالغ في قدراته الشفائية، لمشكلة يبدو أنها تزعج الكثير من الناس، فمن ذا الذي يحب دفع الضرائب؟! وفي الحقيقة تمثل الضريبة الثابتة مجاملة لأقلية في المجتمع. إلا أن بعض الأشخاص خُدعوا بالفعل، ووثقوا بسذاجة في مفهوم يضرهم على نحو فادح. وهذا هو الغرض من وراء هذا النوع من الهراء الاقتصادي؛ خداع بعض الأشخاص لمصلحة أشخاص آخرين.
يشبه الاقتصاد طريقًا وسط الغابة، حيث من السهل جدًّا أن تضِل الطريق، فعندما تستدير كي تعود أدراجك يبدو الطريق وكأنه نفس الطريق الذي سلكه، لكنه لا يكون كذلك. وعملية التغيُّر في العلاقات الاقتصادية أمر طبيعي وواضحٌ تمامًا، على الأقل بعد مرحلة معينة من مراحل تطور الحضارة. والتغيُّر لونٌ اقتصادي قائمٌ بذاته، قد يكون بالغ العمق، ويمتد إلى جوهر الظواهر أو العمليات التي يجري بحثها. أحيانًا يحدث التغير بسرعة بالغة من الناحية التاريخية، إلى حد أنه يحدث بوتيرة أسرع من وتيرة التغير بين ظهور جيل من علماء الاقتصاد وآخر يليه. وهذا أحد الأسباب الكامنة وراء عدم قدرة العلماء في بعض الأحيان على مواكبة التغير. فهم لا يستطيعون الحصول على رؤية نظرية دقيقة للحاضر لأنهم ينظرون إليه بعيون الأمس. والأسوأ أنهم أحيانًا يركزون اهتمامهم على تصور يعود لأزمنة مضت، ويتناقض مع المكان والزمان الحاليين. وعندما يتشبثون بأفكارهم البالية يبدءون في فهم الأمور فهمًا خاطئًا. فهم لا يعرفون ما الحقيقة، ومن ثم كيف ينشرون الحقيقة إذا كانوا لا يعرفونها؟ لقد تلاشت مع الأزمنة التي كانت ملائمة لها. إن الزمن يتغير. ولا بد أن تتغير الرؤى أيضًا.
ومع الأسف، بدلًا من التكيف مع التغيير، غالبًا يتطلع الاقتصاديون إلى دول أكثر تقدمًا وذات ثقافات مختلفة، وتكنولوجيات أكثر تفوقًا ومؤسسات أكثر نضجًا، ويستعيرون منها تفسيرات، وعناصر نظرية، وحتى مذاهب فكرية كاملة، حتى إنهم يواجهون فيما بعد مشكلة في التكيف مع الظروف المحلية، وهذا يجعلهم كمن ينتعل فردتي حذاء للقدم اليسرى. وقد أصبح هذا الأمر شائعًا في السنوات الأخيرة في ظل التأثر بهيمنة اتجاه فكري واحد، هو الليبرالية الجديدة، التي فرضتها على الآخرين أكثر مجموعات أصحاب المصالح قوة، بمساندة رأس مال دولي ضخم. لقد دفع أكثر من بلد ثمنًا باهظًا جرَّاء تجاهل الاختلافات الإقليمية والقومية في ظل شعار الليبرالية الجديدة الشهير الساذج الذي يدَّعي أن «مقاسًا واحدًا يناسب الجميع»، وهذا يعد دعوة لتجاهل الاختلافات المحلية عند تطبيق السياسة الاقتصادية. لكن حتى عندما تدفع البلدان ثمنًا باهظًا يشكل ذلك دائمًا تجارة مربحة لشخص ما.
والتركيز على أكثر الاقتصادات تقدمًا يؤدي إلى استيراد عشوائي للأيديولوجيات التي تحظى بشعبية وتوصف بأنها العلوم الاجتماعية السائدة في بلادها. وفي الاقتصاد يشكل هذا وباءً. وعندما يتألق المحللون والمعلقون المحليون — بالاعتماد على نظريات الخارج — يتألقون بنور مستعار. وما من أحد يطالب هؤلاء بأن يتألقوا كالشمس، لكن ليكن لهم على الأقل مصباح جيد يخصهم هم، أو حتى شمعة.
إن نقل ما يكتب باللغة العالمية المشتركة للعلوم المعاصرة — الإنجليزية — إلى اللغة المحلية، أيًّا كانت تلك اللغة، إجراء شائع ومنتشر على نطاق واسع. وهذا أمرٌ مفهوم في ضوء تفوق الاقتصاد تفوقًا هائلًا في الدول الناطقة بالإنجليزية، وخصوصًا في الولايات المتحدة وبريطانيا العظمى. والمشكلة هي أن الأشياء التي تكون ملائمة هناك قد تكون كذلك هنا أيضًا، لكن ليس بالضرورة، وهذا لسبب بسيط هو أن جزءًا كبيرًا من علم الاقتصاد يشير إلى الظروف المتغيرة التي في ظلها يصنع الناس حياة لأنفسهم، ويشتركون في تعاملات جماعية. ونظرًا لكون الاقتصاد عِلمًا يجب أن يتواءم هذا العلم مع الواقع، وهذا الواقع يختلف باختلاف الزمان والمكان؛ فقد يحلُّ الغد في مكانٍ ما، في حين لا يزال اليوم هنا، وفي مكانٍ آخر لا يزالُ الأمس موجودًا.
في رأيي أن علم الاقتصاد لا يفسر فقط طريقة عمل الآليات التي تتحكم في العمليات الاقتصادية — أي الإنتاج والاستهلاك، والادخار والاستثمار، والبيع والشراء، وتدفق الموارد والمصادر — والمعاملات الاجتماعية التي تجري ضمن سياق هذه العمليات، لكنه يُشكِّل أيضًا أساسًا لصياغة استراتيجيات فعالة للتنمية طويلة المدى وتحقيقها. وعلم الاقتصاد الجيد يجمع بين كونه علمًا وصفيًّا يصوِّر الأشياء كما هي، وعلمًا معياريًّا يضع المؤشرات، ويرشد إلى النمط الصحيح الذي ينبغي أن تكون عليه الأمور. أي إن علم الاقتصاد ينبغي ألا يكتفي بصياغة توقعات مجردة وسلبية للمستقبل، بل ينبغي أيضًا أن يشكل أساسًا للتوصل إلى برنامج تنموي فعال ولكيفية تنفيذه.
المشكلة هي أن علم الاقتصاد — على عكس الفيزياء أو الطب أو الهندسة الإنشائية أو الهندسة الزراعية — ليس علمًا تجريبيًّا في الأساس. فلا توجد مختبرات يمكنك أن تجري فيها بعض التجارب لتتأكد من صحة فرضية اقتصادية ما، بل عادة تعلن الفرضية أولًا، ثم لا تتبين مواءمتها للكائنات الحية في الاقتصاد والمجتمع إلا فيما بعد. ولقد تبين — في أكثر من مناسبة تاريخية — أن اتباع هذه الطريقة للوصول للحقيقة مكلف للغاية. وفي الجزء الخاص بنا من العالم تحديدًا، مررنا بهذا عندما تحققنا على مدى سنوات من مدى صحة الفرضيات التي وُضعت حول فعالية التخطيط المركزي، الذي ساهم في حل الكثير من المشكلات في المرحلة الأولى من الاشتراكية، لكنه انتهى إلى نظام يشكل عبئًا على الاقتصاد ويضعف قدرته على التكيف. وكأن هذا لم يكن كافيًا؛ فقد تلت هذا مباشرة — في كثير من دول ما بعد الاشتراكية — الآثار الضارة لسياسة التحوُّل الشامل في الليبرالية الجديدة.
إذا أردنا تطبيق الاقتصاد البراجماتي — القائم على تأكيد الفرضية العلمية عمليًّا من خلال العمليات الاقتصادية الواقعية — فمن الضروري أن نتحرَّى المهارة في تنفيذه؛ لأن الناس ليسوا فئران تجارب.
من الأفضل تجنب البلهاء، وعدم الاكتراث للبلاهة. لكن نحن بحاجة أولًا إلى معرفة كيفية تمييز البلاهة عن المفاهيم المفهومة والمنطقية. وهذا ليس سهلًا على الإطلاق، سواء في علم الاقتصاد أو في العلوم الاجتماعية الأخرى. فعند الرأي العام يُعتبر اسم «الاقتصادي المرموق» مرادفًا لاسم «الاقتصادي المشهور». لكن الاقتصاديين المشهورين ليسوا أولئك الذين يكتشفون الظواهر والعمليات المهمة، بل إنهم أولئك الذين يظهرون على شاشات التليفزيون ويكتبون مقالات في الصحف. وما يكتبونه هذا لا يهم كثيرًا، بل الشهرة هي كل شيء لهم، فقد تحول المحللون المصرفيون ذوو الآراء المضللة، والذين يحصلون على عمولات من الرعاة الإعلانيين، إلى اقتصاديين «مستقلين» يشكلون الرأي العام. وهكذا نرى الصحف التي تحوي قصاصات من الهراء تصدُر بالمئات والآلاف وأحيانًا بالملايين من النسخ، لكن الكتب العلمية التي تحوي حقائق تفصيلية تصدر في نسخ بالمئات فقط. وكثيرًا ما يسعى الأساتذة سعيًا حثيثًا وراء الصحف، ويندر أن تسعى الصحف وراء الأساتذة. إن كلًّا منهما يتغذى على الآخر، وكلاهما يغذي آخرين أيضًا. هكذا تجري الأمور، كما يحدث إذا طُحن القمح، فالحبوب تُطحن، وتبقى القشور، وتضيع السنابل!
على الرغم من أن القليل من الخيال والإبداع لا يضر، فلا مكان للشعر في مجال العلم. وهذا يوجب التركيز على مشكلة جوهرية فعلية، من المستغرب جدًّا أننا كثيرًا ما نتغافل عنها وهي: الحقيقة والكذب في الاقتصاد، وفي السياسة الاقتصادية. وهذه أكثر من مجرد إشكالية معرفة من منا على صواب ومن على خطأ. فمن الممكن أن نرتكب أخطاء إذا استندنا إلى افتراضات زائفة، أو استعنا بقاعدة معلومات خاطئة، أو طبقنا الإحصاءات تطبيقًا تعوزه الدقة، أو توصلنا إلى استنتاجات خاطئة. وقد تسيطر أيديولوجيات مشبوهة على الناس أيضًا، ثم يكتشفون لاحقًا وجود أيديولوجيات أخرى لم تكن أسوأ، بل ربما كانت أفضل بكثير. وكل هذا ممكن غفرانه من الناحية الأخلاقية؛ فالبشر جميعًا، بمن فيهم علماء الاقتصاد، يخطئون.
إن الفكر السياسي والاقتصادي يسلك دروبًا شتى. والاكتشافات التي يتوصل إليها العلماء قد تستدعي التقدير والاستحسان، أو في أحيان أخرى تبعث على النفور والإنكار. ودائمًا يكون هناك سياق سياسي، ومن المهم دومًا معرفة من الذي يصدر الأحكام، ومن الذي يُحكم عليه، وفي أي زمن. ويمكن التمييز بين موقفَين متضادَّين، ينشأ كلٌّ منهما من دوافع مختلفة ويُفسَّران على أساس عوامل نفسية مختلفة. فمن ناحية نواجه رؤى محافظة، يؤمن بها أصحابها بعناد زائد يفوق ما تستحقه هذه الرؤى، وتظهر في صورة ولاء غير عقلاني للأحكام المنزلة، وهذا موقف مذهبي يمكننا أيضًا أن نطلق عليه موقفًا عقائديًّا. ومن ناحية أخرى، نرى نقيضًا سلسًا على الجانب الآخر، يتحول جذريًّا من رؤى إلى رؤى جديدة، تحولًا يقفز من موقف دفاعي إلى موقف نقدي للرؤى السابقة. ويعيد النظر في الأفكار ووجهات النظر السابقة.
ولا ينبغي أن يُعَد هذا النوع من التحوُّل في الرأي غير لائق أو مذموم، مثل التحول الجذري والرفض الحاد لقناعات المرء السابقة، التي ربما كانت ملائمة، في جزء منها، لسياق تاريخي وسياسي آخر. إن الجبناء فقط هم الذين لا يغيرون قناعاتهم، أما الذين يغيرونها فهم من أساتذة الاقتصاد المستنيرين، ما داموا لا يبالغون في شجب قناعاتهم السابقة من حيث المبدأ، مثلما يفعل المتحولون من ديانة لأخرى.
ويمكن أن نفترض، بدرجة تقارب اليقين، أن بقاء الاتحاد السوفييتي لو كان استمر لعقد إضافي — وهذا ليس شيئًا يصعب تخيله — لتحول كل القادة السوفييت البارزين والساسة النافذين خلال مرحلة التسعينيات إلى حزب قوي أو إلى مسئولين حكوميين في هيكل الدولة الشيوعية، ولتبنَّى كل رموز العلوم الاجتماعية آراءً مختلفة تمام الاختلاف في تصريحاتهم ومحاضراتهم عمَّا بدءوا يصرحون به بحماس — مفرط أحيانًا — في عام ١٩٩١. وكان الشيء نفسه سيحدث في رومانيا وبلغاريا أو تشيكوسلوفاكيا السابقة، لكن لم يكن هذا ليحدث في بولندا أو المجر أو يوغوسلافيا السابقة، لأن الدول الثلاثة الأخيرة طبقت إصلاحات شبه ديمقراطية وموجهة نحو السوق خلال السبعينيات والثمانينيات. تلك الإصلاحات الرامية إلى تحرُّر اقتصادي وسياسي جزئي أحدثت إبداعًا فكريًّا غير تقليدي وخلقت فكرًا جديدًا في ظل نظام اشتراكي. هذه ليست سوى أمثلة، ويمكن العثور على المزيد منها في جميع أنحاء العالم.
وعلى عكس التحول التدريجي السلس من التنقيحية الماركسية إلى نظريات تؤيد اقتصاد السوق الاجتماعي، أو من أصولية السوق إلى توجُّهات أكثر عملية وتوجهًا نحو التنمية، قفز البعض من نقيض إلى آخر. فأحدثوا تأثيرًا بالغًا، سواء بالتأثير في تشكيل الرأي العام عن طريق وسائل الإعلام أو المناورات شبه العلمية، أو عن طريق إلحاق الضرر الجسيم بالعمل الاقتصادي. لقد استعارت الكتب التي تناولت موضوع التكيُّف مع مرحلة ما بعد الاشتراكية تصاميم أغلفتها أحيانًا من مؤلفات تختلف تمام الاختلاف وتنتمي لحقبة ماضية، عند إبراز العنوان الشائع جدًّا في فترة التحول: «المشكلات الاقتصادية في فترة التحول» بحروف من ذهب على خلفية حمراء، ولقد وصف شخص ما الاشتراكية ساخرًا بأنها الفترة العصيبة للتحول من النظام الرأسمالي إلى النظام الرأسمالي!
إن العدوانية النمطية للمتحولين حديثًا من دين لآخر (تجاه المعتقد السابق) ليست ظاهرة نادرة في العلوم الاجتماعية أو في المجال السياسي، خاصةً إذا كان الوضع الاجتماعي أو المادي عرضة للخطر، فقد تحول كثير من الماركسيين إلى مدافعين عن الرأسمالية الجديدة، وانتهز بعضهم أول فرصة للقفز من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين (في الماضي كان الناس يقفزون في الاتجاه المعاكس تمامًا)، أمسى مؤيدو السوق الحرة مدافعين عن تدخل الدولة، وصار الليبراليون مفتونين بالشعوبية، وتحوَّل الشعوبيون إلى ليبراليين، وتحوَّل أعضاء حزب العمل إلى محافظين، والعسكريون إلى دعاة سلام، ومؤيدو المهمة الحضارية للاستعمار إلى مناضلين في صفوف الحركات الاجتماعية السياسية القومية، وولد المفكرون المتشككون والعلمانيون من جديد وصاروا مفكرين دينيين! أصبح الأبيض أسود، وصار الأسود أبيض، وكأن قوس قزح لا يحوي أي ألوان أخرى! ومن الناحية النفسية يمكن تفسير هذا النوع من التطرف على أنه الرغبة، التي أحيانًا قد تكون في اللاوعي، في التكفير عن الخطايا السابقة، بما فيها خطايا لم تُقترف أصلًا. وبما أنه ما من شيء نستطيع فعله لتغيير الماضي إلى الأفضل، فنحن نلجأ إلى التحول إلى قديسين في المستقبل. وفي الحقيقة، غالبًا يكون هذا كافيًا لأن ننكمش خوفًا، دون أن يلاحظ المتحولون أو أولئك الذين يهللون لهم هذا على الإطلاق.
أهم شيء في علم الاقتصاد — ربما مثل كل العلوم الاجتماعية — هو أن دور الحقيقة والزيف (على المستويات المعرفية) أو الصدق والكذب (على المستويات الأخلاقية) دورٌ شديد الدقة. ولا نزال، للأسف، لا ندرك سوى القليل عن هذا الموضوع. إننا نجد أنفسنا مرارًا في خضمِّ ما يبدو لنا أنه نقاشٌ علمي، ونحن في واقع الأمر غارقون حتى الأذنين في جدل أيديولوجي حول قيم مختلفة، أو في نقاش سياسي يدور في حقيقة الأمر حول مصالح متضاربة، إلا أن مقاصده الحقيقية تكمن خَفِية خلف كلمات براقة عن الأهداف المعلنة المزعومة.
من المفهوم أن العلماء لديهم قناعات، بما فيها قناعات سياسية؛ فهم أولًا وأخيرًا مواطنون. لكن هذا ليس جيدًا عندما يستخدمون العلم كسلاح سياسي انطلاقًا من دوافع أيديولوجية، وما هو أسوأ؛ عندما يستخدمهم آخرون لأداء مهمة الانحياز نظير أجر. وأسوأ الأمور على الإطلاق هو أن يسمح العلماء لأنفسهم أن يُستدرجوا إلى دوامة الصراعات السياسية غير المنتهية، ويسمحون لعلمهم أن يعبر عن بنية المصالح السياسية. ولو كانت الاتجاهات ستختزل في اليمين واليسار فقط، فينبغي إذن تصنيف علماء الاقتصاد وعلماء البيئة إلى الجناح اليميني أو الجناح اليساري. لكن المشهد السياسي أكثر تعقيدًا بكثير من هذا الانقسام الثنائي القاصر، وتتضح هذه الحقيقة في العلم عندما يُسخَّر لخدمة غايات سياسية. فحتى عندما يتراءى للناس أنهم يناضلون من أجل الحقيقة وأنهم يتَّبعون إجراءات علمية موضوعية، يكونون في الواقع قد استدرجوا إلى الصراع السياسي. وهذا الصراع يهدف إلى المصالح، لا إلى الوصول للحقيقة.
ويمكن أن يحدث الضغط في الاتجاه العكسي، فباستخدام وسائل الإعلام العامة، التي بات من غير الممكن أن يتحقق أي شيء من دونها في الوقت الحاضر، تتمكن السياسة من زعزعة العملية العلمية عن طريق الهجوم على العلماء غير المتحيزين والساعين فقط وراء الوصول للحقيقة. فعندما يتبين أن اكتشافات هؤلاء العلماء ونظرياتهم قد تضر بجماعات المصالح، تهاجمهم تلك الجماعات وتتهمهم بالخطأ. وتصبح الأوضاع محرجةً حين يسمح علماء آخرون لأنفسهم بالتورط في هذا الأمر. ويبدأ هذا بتحريض خارجي — دون أن يكون هؤلاء العلماء حتى على وعي بالحقيقة — ثم يتحولون لاحقًا إلى السعي وراء دوافعهم الخاصة، فيناضلون كالمقاتلين الباسلين، أو كالفئران. وهذا هو السبب في أن كثيرًا من المناظرات والمجادلات المتعلقة بأهم المسائل النظرية لا تُنشر في المجلات العلمية المتخصصة، بل في الجرائد ذات الجماهيرية العريضة ومن خلال وسائل الإعلام الإلكترونية.
وهكذا يتحول علم الاقتصاد إلى سياسة لأن بعض علماء الاقتصاد يكذبون، مدفوعين بدوافع متعددة تتعلق في أكثر الأحيان بتعصب أيديولوجي أو مذهبي. أو قد يكذبون مدفوعين بميولهم السياسية، أو حتى لسبب أتفه من ذلك هو أنهم يتكسبون من وراء هذا الكذب. وعلاوة على ذلك يلعب الجمود دورًا عند مرحلة معينة، فالإصرار على الزيف وسط غابة من الكذب أسهل كثيرًا من الاعتراف بالخطأ، وكأن الإصرار على الخطأ يمكن أن يحوله إلى صواب.
عندما يخطئ علماء الاقتصاد العارفون فيما يقولون ويكتبون، يمكننا أن نواصل النقاش على أُسُس موضوعية. لكننا نواجه معضلة كبرى عندما يكون هؤلاء على علم بالحقيقة لكنهم مع ذلك يقولون ويكتبون شيئًا آخر، لأن ذلك يخدم أفكارًا معينة تخص نخبة محدودة، أو لأنهم يُدفع لهم من قبل جماعات المصالح نظير صياغة نظريات مكسوة بزخارف شبه علمية، يعلمون أنها زائفة. إذن فالمشكلة مشكلة أخلاقية أيضًا.
ومن الصعب أن نعثر على مثال على ذلك أفضل وأقرب من الجدل العلمي الزائف حول الضريبة الثابتة، التي أشرنا لها من قبل، والتي تهدف إلى اقتطاع الضرائب لمصلحة فئة ضيقة من المستفيدين ووضع عبء كلفة هذه العملية على عاتق دافعي الضرائب محدودي الدخل (وهذا هو الهدف الحقيقي)، في حين يزعم مؤيدوها — أو بالأحرى يكذبون، إلا إذا كان هناك فعلًا أشخاص يخطئون باستمرار لأنهم عاجزون عن فهم ما يجري — أن هذا برمته يهدف إلى خلق ظروف أفضل لتكوين رأس المال والاستثمار (وهذا هو الهدف المُعلن).
هذه الحالة تفسر استحالة إقناع بعض الخصوم، الذين يبدون في مواقف أخرى علماء اقتصاد مستنيرين، وذوي آراء سديدة، وأحيانًا واضحة. إنهم يدركون أن هذه الآراء معقولة، لكنهم يعربون عن آراء مختلفة. فما الذي يمكن عمله؟ لنعمل على الأقل على إقناع الآخرين — المستمعين والمشاهدين، وقبلهم القُراء — بأنهم مخطئون. هذا سيترك عند الجمهور انطباعًا بأن الخصم على خطأ، وهذا ليس بالإنجاز الهين. وبعبارة أخرى، عندما يستحيل إثبات تعمد شخص ما تضليل الآخرين، فمن المفيد أن نحاول على الأقل إعلان خطئه على الملأ.
هناك مناظرات علمية زائفة يستحيل فيها الوصول إلى توافق فكري؛ لأن الاختلافات الحقيقية لا يعرب عنها رسميًّا، بل تكون خافية في النوايا. وهذا كثيرًا ما يحدث في مجال السياسة أكثر منه في مجال العلم، على الرغم من أننا ينبغي ألَّا ننساق وراء أي أوهام في مجال العلم. ولأسباب مفهومة (تتمثل في ضغط المصالح المتضاربة) يتعرض علم الاقتصاد بوجه خاص لهذا الأمر، لكن هذا الخطر ماثل في فروع أخرى أيضًا، مثل الصيدلة والطب وعلم البيئة. فالخلافات حول فعالية عقار ما أو الجدل الدائر حاليًّا حول أسباب الاحترار العالمي تشكل أفضل أمثلة على ذلك. فمن أجل المال — الكثير من المال أحيانًا، وبثمن بخس أحيانًا أخرى — يمكن شراء معاهد علمية أو مراكز بحثية تثبت أي نظرية يرغبها الزبون. فلم لا يكون الأمر كذلك في مجال الاقتصاد؟ في بعض الأحيان يحدث ذلك في الاقتصاد أيضًا.
لا شك أن استخدام المفكرين — الكبار غالبًا — المستعدين للجدال في النقاشات العلمية الزائفة لمصلحة وجهات النظر التي يرغبها الرُّعاة الممولون يكلف مالًا. وإلى جانب استخدام رجال السياسة، يعد هذا نوعًا مربحًا من الاستثمار في شكل فريد من «رأس المال البشري». ومن الممكن أيضًا استخدام الأشخاص الذين يجيدون التفكير، والذين رغم كل نواياهم الطيبة، وتمشيًا مع معتقداتهم الخاصة، يقولون أشياء غير صحيحة لكنها تعود بالنفع على جماعات مصالح معينة. هؤلاء الأشخاص سيجدون رعاة حريصين على دعم أبحاث مفيدة كهذه، وعلى نشر نتائجها.
ولا ينبغي أن نستغرب من النشاط الاستثنائي لمراكز بحوث الليبرالية الجديدة، ومنظماتها التحليلية ومعاهدها التي تدعم المصالح الخاصة لرءوس الأموال الكبرى، وأصحابها أصحاب النفوذ، في ضوء التمويل الهائل المتاح لها، ففي الولايات المتحدة، حيث تعبر «الليبرالية» عن توجه اجتماعي تقدمي، يطلق على مؤيديها أحيانًا «المحافظون الجدد». وهؤلاء يدعون إلى إعلاء مفهومي السوق الحرة والملكية الخاصة، ويعارضون تدخل الدولة ويطالبون بالحد من تدخلها في الاقتصاد، والحد من إعادة توزيع الميزانية، وتقليص الدعم الاجتماعي. ويستخدمون مفاهيم مثل: الحرية وروح المبادرة التجارية، أو حرية الاختيار والقانون، حتى وهم يتلاعبون بمعاني تلك المصطلحات ويسخرون العمليات المرتبطة بها لخدمة مصالح خاصة. ولا علاقة لليبرالية الجديدة — على عكس الليبرالية الحقيقية الأصيلة التي تعلي هذه المفاهيم إعلاءً حقيقيًّا — بالسياسة الديمقراطية الحقيقية، ولا بالفعالية الاقتصادية، أو بالعقلانية الاجتماعية، إلا بمقدار تسخير هذه المفاهيم الرائعة لتحقيق أغراض نخبة محدودة على حساب بقية الشعب. ومع الأسف، لا بد من الاعتراف بأن الليبرالية الجديدة تفعل ذلك ببراعة وإتقان.
وفي جميع أنحاء العالم، لا سيما في الدول الأنجلوساكسونية، هناك الكثير من مراكز البحوث التحليلية التي تشكل شبكة متطورة تدعم اتجاه الليبرالية الجديدة. وضمن هذا السياق تصدر هذه المراكز العديد من المطبوعات القيمة. لقد كان من الضروري أن تتمتع هذه المراكز بأسماء جذابة. ففي واشنطن، إلى جانب معهد كاتو (الذي تأسس في عام ١٩٧٧، وتبلغ ميزانيته السنوية ٢٠ مليون دولار)، يمكننا أن نجد أيضًا معهد أمريكان إنتربرايز العريق ومؤسسة التراث، التابعة لفكر المحافظين الجدد بالأساس. وفي لندن يوجد معهد الشئون الاقتصادية، وفي السويد مركز الدراسات التجارية السياسية، وفي إيطاليا معهد برونو ليوني، وفي موسكو يلعب معهد «الاقتصاد في مرحلة التحول» دورًا جيدًا جدًّا، إلى جانب العديد من فروع المراكز البحثية البريطانية والأمريكية. وهناك القليل منها في وارسو، حيث يشتهر مركز آدم سميث تحديدًا. إن إطلاق اسم رمز عظيم كآدم سميث، المعروف عالميًّا بأنه مؤسس الاقتصاد الليبرالي الكلاسيكي، نوع من الظلم وسوء الاستغلال الثقافي.
بمرور الوقت يقع الملتزمون من خبراء الاقتصاد وغيرهم من الباحثين فريسة لحماسهم الشخصي، ويصبح عملهم نظريًّا متشددًا وروتينيًّا، ويبدءون في تصديق ما يقولون، وتعمل وسائل الإعلام المرتبطة بنفس الأيديولوجيات وجماعات المصالح على تحريضهم تحريضًا عدائيًّا. وهنا تتحول المسألة إلى مسألة إيمان وأيديولوجية أكثر من كونها مسألة علم ومعرفة. وعندئذ قد يميل البعض للقتال دون مقابل، في سبيل الوهم. لكن من المستغرب أن يُظهروا نفس التفاني باسم الفقراء المستبعدين اجتماعيًّا، أو العاطلين أو المشردين أو نقابات العمال المناضلة، أو حتى باسم أغلبية السكان وفي سبيل التنمية، فما من عمولات يمكن الحصول عليها من مصادر كهذه. إن مثل هذه البحوث، إذا أجريت أساسًا، فلا بد أنها ستكون «منحة علمية خاصة»، أو بحوثًا ممولة من الدولة، التي هي العدو الأول لليبرالية الجديدة.
ووسط حماسة المناظرة العلنية اللانهائية، تحتاج رءوس الأموال واللوبي الخاص بها إلى أصوات مجلجلة محترفة ومقنعة كي تقنع عددًا أكبر من الجماهير بالتفوق المزعوم لبعض الحلول (التي تفيد الأقليات وتخدم المصالح الخاصة) على غيرها (التي تفيد الأغلبية وتخدم الصالح العام). ومثل هذه الأصوات لها أهميةٌ خاصة في المجتمعات الديمقراطية، لأنها يجب أن تطغى على أي من وسائل الإعلام المستقلة استقلالًا حقيقيًّا، التي ترفض أن تتخذ مسلكًا خاضعًا للمصالح الأنانية لرأس المال الضخم ومتسامحًا إزاء أخطائه؛ بالرغم من صعوبة مقاومة إغراءات الربح التي ستجنيها من وراء ذلك. وفي التحليل النهائي لهذا أرى أن رأس المال الضخم لا يرعى السوق فحسب، بل يغمره أيضًا بوابل من الدعاية مدفوعة الأجر بسخاء. فالمساحة الإعلانية إما أن تباع أو لا تباع، والكل بحاجة إلى كسب عيشه، ولا يجب بالضرورة أن يكون هذا العيش في مستوى الفقر.
إن وسائل الإعلام تتمتع بوضع مريح للغاية، لأنها قادرةٌ على أن تظل مسموعة وطاغية على أي صوت آخر. ومن المفارقات أن وسائل الإعلام تنعم بنوع من إخفاء الهوية، على الرغم من أن الجميع يعرفونها. فعندما تُنتقد وسائل الإعلام أو يُنتقد الصحفيون عمومًا لا يتضح أبدًا من المُدان تحديدًا. وهذا يشبه الوضع في حالة الشكاوى من السياسة ورجالها. ووسائل الإعلام، على عكس السياسيين، يمكنها اللجوء إلى التكتيك الفعال الذي يستخدمه اللصوص عندما يصيحون: «أمسكوا اللص!» لا شك أن لدى الجميع تقريبًا انتقادات لوسائل الإعلام، لأن النقد الذاتي هو الشيء الوحيد الذي لا تفعله وسائل الإعلام. ويوجد شبه قانون متعارف عليه يقضي بعدم انتقاد أي وسيلة إعلام لأخرى مطلقًا. إن وسائل الإعلام تنتقد الساسة، لكن ليس كلهم، وليس طوال الوقت. فهي تفعل ذلك على نحو انتقائي. وغالبًا لا تنتقد من يستحقون ذلك تحديدًا، وتنتقد أولئك الذين دُفِع لها لتنتقدهم. وقد يكون النقد أيديولوجيًّا أو شخصيًّا، لكن يكون القصد من ورائه خفيًّا دائمًا.
إن مجال السياسة يخشى وسائل الإعلام، ويحاول استغلالها (تلك هي السياسة)، لكنه غالبًا يجد نفسه في موقف الكلب الذي يهز ذيله لتسلية الآخرين. ووسائل الإعلام بدورها تستغل السياسة استغلالًا فعالًا، وقويًّا بالتأكيد، وهذا لا يكون عن طريق التعبير عن الرأي العام، الذي يجب أن يضعه السياسيون في الحسبان، بقدر ما هو عن طريق تشكيل الرأي العام. والخوف من وسائل الإعلام كبير حتى إن الاتهامات الموجهة ضدها غالبًا يعبر عنها بكلمات تحتمل التعميم. ومن النادر أن تُجري وسائل الإعلام بحوثًا علمية هامة وتنشر نتائجها، وعندما تجري جهات أخرى أي أبحاث، يتعين استخدام وسائل الإعلام نفسها لإعلان تلك النتائج كي تصل إلى جمهور أعرض. ونظرًا لأنها دومًا تعلم أكثر، وتعلم «كيف هي الأمور في الحقيقة»؛ فهي تستمتع بتقويض النتائج المشكوك في صحتها.
ومن اللافت للنظر أيضًا أن الباحثين اكتشفوا خطأ الرأي الذي يذهب إلى أن نشر الأخبار السيئة يرفع مبيعات الصحف، على الأقل عندما تتعلق هذه الأخبار بالاقتصاد تحديدًا. لكن التعميم أمر مستحيل، ففي أمريكا تسفر الأخبار الجيدة عن مزيد من تقارير المتابعة الصحفية حول نفس الموضوع، وهذه التقارير تكون مكتوبة على نحو أفضل بكثير، فهي تقدم تغطية أشمل وأعمق. وبالطبع يتهم الديمقراطيون هؤلاء الباحثين بالخضوع لاستغلال جماعات المصالح من الجمهوريين، وباضطهاد وسائل الإعلام التي تغطي نجاحات الديمقراطيين تغطية موضوعية.
وتعتمد درجة التضليل والتزييف والانحياز على طبيعة الحدث الذي تجري تغطيته. وقد رأيت هذا عن كثب ومن الداخل خلال الفترتين اللتَين كنتُ فيهما مسئولًا عن الاقتصاد البولندي (من ١٩٩٤ إلى ١٩٩٧ ومن ٢٠٠٢ إلى ٢٠٠٣)، وكنت قبل ذلك أراهُ دومًا من الخارج. فعندما انهار نمو الإنتاج في ظل حكومات الليبرالية الجديدة أعلنت صحف وإذاعات وتليفزيونات الليبرالية الجديدة أن الموقف يتحسَّن. وعندما ازداد معدل النمو في ظل إدارة اليسار الوسطي البراجماتية أعلنت نفس وسائل الإعلام أنه يزداد، لكنه ازدياد شديد البطء، أو شديد السرعة، على اختلاف بينها، بينما تذمرت الصحافة الشعبية طوال الوقت من أن النمو بطيء جدًّا، ومن أنه — بطبيعة الحال — لا يُوزع توزيعًا عادلًا.
•••
لنلخص الأمر؛ فهذا التلخيص ربما يعين جمهوري — المتفرجين والمستمعين، والقراء تحديدًا — كدليل منهجي للتوغُّل بمهارة في أدغال النقاش الاقتصادي اللانهائي، لا سيما المناظرات العلنية التي تَجري وقائعها في وسائل الإعلام وفي دهاليز السياسة، فعندما يعرب شخصٌ ما — أو تشكيلٌ أيديولوجي، أو حزب، أو معهدٌ بحثي، أو صحيفة، أو أي فرد — عن رأي؛ على سبيل المثال: إن تقليص دور الدولة (أي الحكومة) وإضعاف مكانتها كلاعب اقتصادي في العملية الاقتصادية يشجع النمو الاقتصادي، ماذا يجب أن نفعل؟ أنوافق على هذا الرأي أم لا؟ هل نُصدِّقه أم لا؟ أنا لا أتحدَّث عن الحالة التي لا يفهم الناس فيها أي شيء، ولا يُصدِّقون أي شخص، ويكونون سعداءَ بذلك. هذا شيء يُحسدون عليه! إن تقييم هذا الرأي — لنقبله أو نرفضه — يتطلب معرفة الكثير عن الموضوع. فأولئك الذين لا يعرفون إلا القليل ليس أمامهم سوى خيارين: أن يصدقوا أو لا يصدقوا. ولا شك أنك إذا عرفت فذلك أفضل من أن تصدق.
-
يصدقون ما يقولون ويعتبرونه الحقيقة.
-
يعتبرون ما يقولونه الحقيقة ويشعرون أنه يعبر عن واقع الأمور.
-
أو يعلمون أن ما يقولونه ليس الحقيقة.
في الحالة الأولى — حين يصدقون ما يقولون ويرونه الحقيقة — نكون أمام نوع من الإيمان، وأيديولوجية لا علم، وعقيدة لا رغبة في الموضوعية. في هذه الحالة لا تفيد النقاشات المنطقية كثيرًا. وقد يكون اللجوء إليها عديم الجدوى، لا سيما عند إجراء المناظرات الجدلية مع الدهماء الذين تعجُّ بهم صفحات التاريخ، خاصة في الأوقات العصيبة أو خلال فترات التحول الجذري. والمواقف المذهبية من هذا النوع ليست نادرة على الإطلاق في مجالي الاقتصاد والسياسة الاقتصادية. وهذا قد يشكل خطرًا بالغًا في العمليات الاقتصادية الواقعية وعند تطبيق أي سياسة اقتصادية. والمواقف الشديدة الخطورة هي التي يتواجه فيها مذهبان باطلان ويتواجه أنصار كلٍّ منهما، مثلما هو الحال في الوقت الحاضر؛ حيث نرى الليبرالية الجديدة في مواجهة الشعوبية.
-
أن يكونوا على صواب.
-
أو أن يكونوا على خطأ.
إذا كانوا على صواب فكل ما علينا فعله هو أن نفهم الأمور فهمًا جيدًا قدر الإمكان، وأن نتشاطر هذا الفهم والدروس المستفادة منه مع الآخرين. وإذا كان أصحاب الرأي على خطأ فينبغي لنا عندئذ أن نجري مناظرة موضوعية نقدم فيها تصوُّرًا مختلفًا مدعومًا بحجج منطقية. ويجب أن أضيف أن إقامة مناظرة موضوعية هادئة وصريحة في مواجهة وجهة نظر مضادة أمر بإمكان أي شخص لا يتسم بالتشدد أو الكذب. ويمكننا تمييز الكذابين — في بعض الأحيان — من خلال إعراضهم عن الدخول في مناظرات صريحة، أو رفضهم ذلك تمامًا. فهم يفضلون التحدث على الاستماع. وعلى الجانب الآخر، جانب أولئك المقتنعين بأن ما يقولونه هو الحقيقة، ويفهمون جوهر المسألة، لا يظهرون تعصب المتشددين ولا استخفاف الكذابين، فهم مستعدون للمناظرات، ويحاولون إقناع الآخرين ويستمعون لحجج الطرف الآخر في الوقت نفسه. إنهم ينصتون بقدر ما يتحدثون.
-
أنهم يتعمدون نشر وجهات نظر باطلة لأن ذلك يجعلهم يتربحون من وراء جماعات المصالح الشخصية.
-
أنهم يطرحون نظريات ومفاهيم خاطئة لأغراض أيديولوجية. وهذا لا يشبه موقف المتشددين في الحالة الأولى، لأننا لا نتحدث هنا عن إيمان عميق، بل عن استخفاف. وهم يعلمون أن الأيديولوجية التي يقدمونها لا تخدم الغايات المعلَنَة رسميًّا. فعلى سبيل المثال: الليبرالية الجديدة لا تهدف إلى تحقيق العدالة الاجتماعية، والشعوبية لا تؤيد الفعالية الاقتصادية.
-
قد يكونون على خطأ في بادئ الأمر فقط، لكنهم يتمسكون بأفكارهم تمسكًا عنيدًا — في ظل عدائية سائدة في النقاشات الاقتصادية ومفهوم مغلوط للمكانة المهنية — إلى حد أنهم يبدءون الدفاع عمدًا عن رؤى باطلة فيتورطون في خطيئة الانتهازية الفكرية. إن الناس — وخاصة الاقتصاديين — يكرهون أن يكونوا على خطأ، ويمقتون الاعتراف بذلك، لا سيما على الملأ. وبدفاعهم عن حجج باطلة؛ لا يكونون مخطئين بل يشرعون في استدراج الآخرين عمدًا نحو الخطأ.
ينبغي أن نضيف أن ثمة أبعادًا أخلاقية متباينة لتضليل الناس عمدًا، فالحالة الأخيرة تحديدًا أقل تورطًا في الشبهة الأخلاقية من الحالتين الأوليين. ومع ذلك تسفر أي ممارسة من الثلاث عن نفس القدر من الضرر، بصرف النظر عن الدوافع.
يعتمد التضليل المتعمَّد غالبًا على أساليب تُنظَّم وتُموَّل بطرق في غاية التطوُّر، ويمارسه مهنيون مهرة. وفي بعض الأحيان لا يدرك ذلك أحد طوال سنوات، سوى الرعاة الممولين فقط، نظرًا لأن المخادعين أنفسهم قد لا يعرفون على وجه التحديد لحساب من يعملون. فهم ليسوا سوى مستشارين مأجورين. أما الجمهور فيجهل ذلك تمامًا. لكن في أفضل الأحوال قد يشك الناس في الأمر، لكن سرية أساليب الخداع لا تمكنهم من إثبات أي شيء. لقد انتهت الحرب الباردة، لكن الحرب النفسية لم تنته بعد. وصراعات المصالح مستمرة، إلى جانب ما يصاحبها من صراعات أخرى. ونحن عاجزون وحدنا عن معرفة الوقت الذي نكون فيه تحت مرمى النيران على خط المواجهة. الآن، الأسلحة هي الكلمات. وبحلول الوقت الذي نكتشف فيه ذلك — هذا إن اكتشفناه من الأساس — سيكون قد بات شيئًا من الماضي.
إن قمة السذاجة أن نعتقد أن تقديم المادة الإعلامية المعدة بمهارة في وسائل الإعلام أمرٌ لا يُمارس في اللعبة السياسية والاقتصادية العالمية الخاصة بالسعي الدائب لهيمنة أفكار ومصالح سياسية واقتصادية معينة. وأجهزة المخابرات حريصة على اختراق أي إقليم أو بلد، بالمقالات والكتب وبرامج الإذاعة والتليفزيون. ولا يكون الغرض من وراء ذلك التأثير على الرأي العام فحسب؛ بل ممارسة ضغط على قادة الرأي والنخبة الحاكمة أيضًا. وهذا الأسلوب ينجح في بعض الأحيان. وتتواصل اللعبة طوال الوقت. لا شك أن المستقبل في خطر أو — كما يحلو للبعض أن يردد — العوالم الجديدة في خطر. وكذلك هذا العالم الواحد الذي تقل فيه المساحة شيئًا فشيئًا، ويزداد الظلم أكثر فأكثر.
عندما نحاول تعقب المواضيع الرئيسية للنقاش ومواضع التوكيد فيها، من المستحيل ألَّا نلاحظ تأثير النشاط الاستثنائي لوسائل إعلام عالمية معينة «غربية»، ولمراكز بحثية متخصصة تصر على تشويه صورة الصين منذ القرن الماضي وحتى القرن الحالي، وتشويه صورة روسيا خلال السنوات الأخيرة. في حالة الصين، ساعد نجاحها الاقتصادي الساحق (الذي لم يتمنَّه لها الجميع، لكنهم يحاولون الآن الاستفادة منه) على تغيير هذا الوضع، لكن روسيا لا تزال تواجه هجومًا؛ ولو كان ذلك فقط لمنع تلك الأرض الشاسعة من تكرار النجاح الصيني. لكن سرعان ما تصدى هذان البلدان للتشويه من خلال استغلال قنواتهما الخاصة لتقديم مادة إعلامية مضادة في وسائل الإعلام؛ بما فيها وسائل الإعلام الغربية. ولا تزال الدول الإسلامية وبعض الدول اللاتينية في النصف الغربي من الكوكب تتعرض للتشويه بدرجة كبيرة؛ والأمثلة على ذلك كثيرة.
كل ذلك مهمٌّ أيضًا في إدراك ما نقرأ ونسمع، وبالغ الأهمية في المناظرات. ومن الضروري أن نواصل النقاش بأسلوب واحد مع الذين يتمتعون بالأمانة العلمية ممن نخالفهم الرأي، أو الذين لا نفهم موقفهم تمامًا لأننا قد نكون عاجزين عن مواكبة فكرهم السابق لعصره. لكن عند النقاش مع كاذب متشدد، أو مع مرتزق مأجور من الإعلاميين أو العلماء، فيجب أن نجادل بأسلوب مختلف تمامًا. والقاعدة أن مثل هذه المشكلات لا وجود لها في العلم الحقيقي، حيث لا هدف سوى الرغبة الصادقة في الوصول للحقيقة، وفهم القوانين التي تحكم العمليات التي تهمنا. في الحياة العامة — بما فيها العلم الزائف — وفي أثناء المناظرات السياسية، كثيرًا ما نجد أنفسنا في مواجهة الاحتمالات الثلاثة الأخرى: إما شخصٌ متعصب، أو مخطئ، أو كاذب.
لا يزال من الممكن أن تكتب بأسلوب سهل عن معضلات اقتصادية بالغة التعقيد، وما يصاحبها بالضرورة من المسائل الفلسفية والثقافية والاجتماعية والسياسية. ربما من الضروري أن تفعل ذلك؛ لأن هذه هي الطريقة المثلى لإصابة الهدف، والوصول لجمهور أوسع. وهذا لا يعني على الإطلاق أن تساير الفكر الزائف والمراوغ، وأن تروج التفاهات والتعميمات عن ضرورة خصخصة كل شيء تقريبًا، وضرورة خفض الضرائب والإنفاق الاجتماعي، وتقليص دور الدولة في الاقتصاد، فالليبرالية الجديدة الساذجة أحدثت بالفعل ما يكفي من الضرر.
عند الكتابة بأسلوب سلس علينا أن نراعي متطلبات الدقة العلمية، ونتجنب النقيض، فالنقاش الذي ينزع إلى التشدُّق لكي «يبدو علميًّا» شائع جدًّا، لكنه علميٌّ في الظاهر فحسب. والمفردات الطنانة المعقدة، والبراهين ذات الصياغة المستعصية، والكتابة المنمقة المسهبة — حيث يمكن لبضع كلمات قليلة واضحة أن تفي بالغرض — كلها تعجز عن إضافة ثقل فكري أو حجة ثقافية للنقاش، بل يمكن أن تجعله غامضًا بلا داع. وبالتالي من الضروري أن نتجنب السوقية الأكاديمية والتكلف.
نصحني أحد الأصدقاء بقوله: ألَّف كتابًا ضخمًا، أكاديميًّا بحتًا، يحوي الكثير من المعادلات، بحيث لا يفهم أي شخص أي شيء. فحفظت هذه النصيحة القيمة، وقررت أن أفعل العكس؛ بألَّا أضمن كتابي معادلة واحدة، وأن أكتب بحيث يفهم الجميع — أو الجميع تقريبًا — كل شيء. ولا أدري أي الأمرين أصعب.
يمكن استخدام الرياضيات في الاقتصاد، لكن استخدامها ليس حتميًّا، مثلما هي الحال في الفيزياء. ويمكن استخدامها في البحث، بل ينبغي ذلك. لكن لا حاجة لفرضها على القراء، الذين نُقدم لهم نتائج تلك الأبحاث، كي يتمكنوا من استيعاب الأشياء بسهولة. الأمر المهم هو ألا تكون الرسالة المراد توصيلها علمية فحسب، بل في نفس الوقت تكون مفهومة للجميع. فمن الضروري في مجال العلوم — بما فيها الاقتصاد — أن نفكر في الأمور الصعبة بطريقة معقدة، لكن ينبغي علينا عند الكتابة عنها والحديث بشأنها أن نفعل ذلك بسهولة قدر الإمكان، وليس العكس. ونحن الاقتصاديين محظوظون لأننا نستطيع فعل ذلك على الرغم من أنه ليس أمرًا سهلًا، أما الآخرون فليسوا محظوظين بالقدر نفسه، إلا أن ذلك لم يمنع العظماء منهم من تحقيق الشهرة.
في مناسبة أخرى قال أينشتاين نفسه: «ينبغي أن تكون الفيزياء بسيطة قدر الإمكان، لكن ليس أبسط من ذلك.» ويمكن اقتباس هذا القول وتطبيقه على علم الاقتصاد، الذي يراه الكثيرون أكثر تشويقًا وقابلية للفهم من الفيزياء.
ينبغي أن يكون الاقتصاد بسيطًا قدر الإمكان، لكن ليس أبسط من ذلك.