لا تطفئ الشمس
كان حسين شاكر (شيء في صدري) تجسيدًا بشعًا للرأسمالية المصرية التي أفرزتها سلبيات ثورة ١٩١٩م، وكانت الوريث للسيطرة الأجنبية على الاقتصاد المصري فيما قبل الثورة، وبعدها بأعوام.
وإذا كان طلعت حرب قد حاول تكوين المؤسسات الاقتصادية المصرية بواسطة الأسهم التي اقتناها الآلاف من أبناء الشعب المصري، ربما انتهى القسم الأكبر منهم إلى الأرستقراطية الزراعية — التي حوَّلت جانبًا كبيرًا من نشاطها، فيما بعد، إلى الشركات الاقتصادية والصناعية — وكبار الملاك، فإن قسمًا لا بأس به من حملة الأسهم كانوا ينتمون إلى الطبقتين البرجوازية الكبرى والبرجوازية الصغيرة.
كان حسين شاكر تعبيرًا عن المحاولات الفردية، تلك المحاولات التي كان يحركها الطموح الشخصي وحده، والتي وضعت همَّها في أن ترِث السيطرة الأجنبية على الاقتصاد المصري، بعد أن صاحبت وجود الاحتلال إلى ما بعد توقيع معاهدة ١٩٣٦م، وكان الإطار الذي تحركت في داخله تلك «الفئة» هو الرأسمالية التي تشغلها مصلحة صاحب العمل دون العمال والمستهلكين.
كان الاشتغال بالسياسة هو حرص أفراد تلك «الفئة»، توصلًا إلى السيطرة على الحياة السياسية، والحياة الاقتصادية بالتالي، بواسطة الرشاوى وشراء الذمم. وكان حسين شاكر — رمزًا للفئة التي ينتمي إليها، والنظام الذي يمثِّله — هو هدف كل الحركات السياسية المتطرفة، وبخاصة تلك التي اختارت اليسار سبيلًا لتحقيق أهدافها. وبتعبيرٍ آخر، فقد كان حسين شاكر هو التعبير عن الإفساد السياسي بشراء الذمم والضمائر، والتهرب من دفع ضرائب الدولة، وتغليب مصلحة المنتِج على مصلحة المستهلك، ومصادرة حقوق العاملين، وحرمانهم من الرعاية المادية والاجتماعية، ومحاربة التنظيمات النقابية، والوقوف — عمومًا — ضد كل محاولة لتطوير واقع «الموطن» الفرد، باعتباره إسهامًا في تطوير المجتمع ككل.
ولما طالت حيرة ممدوح بين التنظيمات السياسية، فقد اتجه إلى محاولة إسقاط كل الدلالات التي يرمز لها، ويعبِّر عنها، حسين شاكر.
الأمر نفسه بالنسبة لبكر (حديقة زهران) وأحمد شوكت (السكرية) وسوزان (السكرية) وحمزة (قصة حب)؛ وجد هؤلاء المخرَج في انتمائهم إلى تنظيمات يسارية، حتى فوزي عبد المجيد (قصر على النيل) كان لجوءه إلى الشيوعية — رغم وصوليته — محاولة للفرار من الظروف المادية القاسية التي كان يحيا أسيرًا لها.
بالإضافة إلى ذلك، فقد كانت الشيوعية هي الميل البديهي — في توهم القيادات الحاكمة — لكل من يتصدى للمسائل السياسية من وجهة نظر وطنية راديكالية.
وعلى سبيل المثال، فإن عادل (شيء في صدري) لم يكن شيوعيًّا، ولم يكن منتميًا إلى أي من التنظيمات السياسية، لكنه واجه التهمة بالشيوعية، حين شغله واقع العمال، وبدا حريصًا على أن يعي العمال حقوقهم، وأن يدافعوا عنها بواسطة التشكيلات النقابية والتعاونية.
يقول عبد العظيم بيه: «ده شيوعي، ده شيوعي خطير، ده طول الليل والنهار قاعد على قهوة في شبرا وحواليه شوية عمال بيدرِّس لهم الشيوعية.
يقول حسين شاكر: يا شيخ حرام عليك.
لم يكن نشاطًا شيوعيًّا إذن ذلك الذي كان يمارسه عادل. مع ذلك، فقد واجه الاتهام بالشيوعية، لأن الشيوعية كانت التهمة التي يواجهها كل من يتصدى للعمل السياسي دفاعًا عن حقوق الشعب. وإذا كان ذلك السيف الإرهابي، المصلت دومًا على كل من يتصدى للعمل السياسي، قد أقنع الكثيرين بإيثار السلامة، والفرار من المعركة، فإنه قد دفع أعدادًا هائلة — من الشباب بخاصة — إلى محاولة تفهُّم الماركسية، بل واعتناقها، إما بدافع التحدي، أو بدافع التعرف إلى سر الغرفة الواحدة والأربعين المغلقة.
على سبيل المثال، فقد كان يوسف السويفي (الرجل الذي فقد ظله) مثل الكثيرين من أبناء جيله يخلط بين النازية والاشتراكية والشيوعية والفاشية، ويظن — في أحيان كثيرة — أن كل تلك المذاهب شيء واحد، وكان سعد عبد الجواد هو أول من شرح له الاشتراكية، حدَّثه عن كارل ماركس ولينين وسوريل وإنجلز وأوين، وعرف منه الفرق بين المذاهب المختلفة.
كذلك كانت حيرة حلمي (لا شيء يهم) بين التنظيمات السياسية المختلفة، تعبيرًا عن حيرة الشباب المصري في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية (يذكِّرنا بعلي طه — الماركسي — الذي طالت حيرته بين الأحزاب، فلم يكن ثمة حزب واحد له مبادئ اجتماعية محددة، وفضَّل أن ينتظر قليلًا حتى تنشأ الأحزاب الاجتماعية، ثم يشترك فيها).
ويومًا، همس أحد زملائه في أذنه: «استناني بعد المدرسة، نروح سوا المركز.»
وتغيَّرت حياته تمامًا؛ لم يعُد يخالط الشبان الحزبيين، ولم يعُد يذهب إلى السينما، ولا يستمع إلى الأغاني، واقتصرت رحلاته على الجبل، يرتدي ثيابًا عسكرية، ويتمرن هناك على تفجير القنابل وإطلاق الرصاص. وكان قبل أن يسلِم عينيه للنوم، يجيب عن أسئلة من نوع: هل نظرت اليوم إلى أنثى؟ هل ذهبت إلى السينما؟ هل فاتتك فريضة من فرائض الصلاة؟ هل؟ هل؟ ثم يقدِّم الكشف مشفوعًا بإجاباتٍ صريحة إلى رئيس الشعبة في اليوم التالي.
وصدرت إليه التعليمات بالمشاركة في واحدة من مظاهرات الاحتجاج ضد الحكومة، وهتف المتظاهرون، وحطموا، وأشعلوا النيران، وقلبوا عربات الترام، وخلعوا فوانيس الشوارع، ونزعوا الأشجار، وجاءت الشرطة لتدور معركة دامية بين الجانبين، ويناوله رئيس الشعبة قنبلة يدوية وهو يصيح: خد! ارمي دي!
ويقذف بالقنبلة بعد أن ينزع صمامها، ولا يستطيع — لأيام طويلة — أن يمنع نفسه من تذكُّر صورة جثة العسكري الذي صرعته القنبلة.
ثم أصدرت الحكومة أمرًا بحل جماعة الإخوان المسلمين، وكان عجبه حين صدرت التعليمات إلى أعضاء الجماعة بالاختباء، وأن يتصرفوا كبقية المواطنين، فيترددون على دور السينما والملاهي، ويبتعدون عن المساجد.
وذات يوم، صحب صديق له إلى مقر الحزب الاشتراكي، واستمع إلى زعيم الحزب وهو يخطب، كان يتحدث عن حق الناس في الحياة، وعن الحقوق الاجتماعية، وعن الفساد، والحكومة الدستورية.
لكن حلمي لم يقتنع تمامًا، وبدأ يقرأ، قرأ ماركس وإنجلز ولينين وستالين، ثم التقى بصديقٍ له راح يحدِّثه عن السلطة الرجعية في المجتمع، والصحف أحذية الرأسمالية، والبرامج الدراسية التي أعدت للعبيد، والدين أفيون الشعوب، والفن الذي يعبِّر عن البرجوازية، ومستقبل البروليتاريا والثورة.
وضمَّه الصديق إلى منظمة شيوعية، تعقد اجتماعاتٍ سرية في بيتٍ بالقلعة (ونتذكر جماعة «مليم الأكبر») يدير أعضاؤها أحاديث عن مبادئ الشيوعية الدولية التي يجب أن تنتصر، ويطبعون المنشورات لتوزيعها على المناطق العُمَّالية، وأصبح يعطي للجماعة وقته كله، ويعيش بين أعضائها دائمًا، لكنه يزيح — شيئًا فشيئًا — غلالات الزيف عن الجماعة: الكلمات المضيئة تلفظها الشفاه، وتعبِّر المشاعر والتصرفات عن نقيضها، والعلاقات الجنسية هدف الجميع، والفتيات الإسرائيليات يؤدين دورًا خطيرًا، ومحسوبًا، لتدمير النفوس الشابة.