الفوضوية
نشرت جريدة «التيمس» في أوائل يوليو سنة ١٩٢٠ رسالةً بتوقيع كروبتكن الروسي أنكر فيها أعمال البلشفية التي دعاها «ديكتاتورية حزبية» جازمًا بفَشَلها؛ فسارعت الصحف العالمية المندِّدة بالبلشفية إلى تناقل هذه الرسالة مستعمِلةً إياها كوسيلة لبث الدعوة ضد السوفييتية، ومعلقة عليها بما يعني أن كروبتكن الذي قضى عمره مضطهَدًا منفيًّا لخروجه على حكومة القيصر انفضَّ عن شيوعية وطنه، وأخذ يناهضها بعد أن كان نازعًا منزعها مواطئًا لها. وفي هذا التلميح من أرباب تلك الصحف أحد اثنين: فإمَّا تضليلٌ لمن لا يعرف وجوه الاختلاف بين المتمرِّدين السياسيين، وإمَّا جهلٌ محضٌ توحَّدت عنده الاشتراكية والفوضوية.
لأنه على مقربة من الثوروية الاشتراكية ثوروية فوضوية هي أقلُّ من تلك شيوعًا ولكنها أشدُّ حرارةً وأقوى وحشيةً. وكلاهما انبثق من الديمقراطية شاعرًا بألم العمَّال ومُرجِعًا أصل الشقاء إلى استبداد صاحب رأس المال بالمأجور؛ ذلك الاستبداد الذي هو — على قولهما — مبعث افتقار المجاميع في سبيل تنعُّم أقلية ظالمة جائرة. وكلاهما يجاهر بتعذُّر إصلاح هذا المجتمع القائم على الملكية الفردية، ويقول بوجوب تقويضه وقلب النظام الحالي رأسًا على عقب. إلى هنا يتفقان ثُم يظهر بينهما الخلاف في أساليب التقويض وفي كيفية تنظيم المجتمع المقبل. الاشتراكية تريد تسخير الحكومة وإرهاب رأس المال لتقليل ساعات العمل وتحسين حالة العامل ريثما يتمُّ لها القبض على زمام الحكم، والفوضوية تريد الفتك بذوي المناصب لا لسبب آخر سوى أنهم ينفِّذون قانونًا يكرهه الفوضويون. الاشتراكية تعظِّم المجموع وكأنَّها لا تهتمُّ بالفرد إلا لأنه جزءٌ من مجموعٍ هو كل شيء في تقديرها، والفوضوية تقول باستقلال الفرد استقلالًا تامًّا يكاد يتلاشى المجموع حياله. الاشتراكية تريد قلب النظام الرأسمالي لتُوطد مكانه نظامها الاشتراكي، والفوضوية تريد قلب النظام الرأسمالي وكل نظام سواه، تريد إلغاء كل قانون على الإطلاق أخلاقيًّا كان أم سياسيًّا أم اجتماعيًّا. هي الفوضى؛ أي التفويض إلى الفرد إدارة شئونه دون مراقبة أو سيطرة. وتنظر إلى الاشتراكية كنوع جديد من الثُّكَن والأديرة ودور الحكومات فتنازلها مثلما تنازل الأرستقراطية والديمقراطية، ولعلها في نظرها أشدُّ الأنظمة خطرًا واستئثارًا. فلئن كانت الاشتراكية نقدًا للمجتمع الحاضر فالفوضوية نقد النقد وهدم الهدم وزلزال الزلزال. فهل من عجب بعد هذا إذا ما استنكر كروبتكن تلك «الديكتاتورية الحزبية» وهو الفوضوي المقاتل كلَّ سلطةٍ شيوعيةً كانت أم قيصرية؟
•••
تُرى أيُّ المفكرين نصدِّق، أروسو الهاتف بالعودة إلى الطبيعة لأن الإنسان خيِّرٌ بطبيعته ولكنَّ المجتمع أفسده بأنظمته، أم هوبس المصرِّح بأن الإنسان ذئب للإنسان وأنه طُوِيَ على الفوضوية لا يقمعها ويحسن ضبطها فيه سوى الحكم المطلق: الحسن دون سواه؟
وظل الاضطراب الديماغوجي يُقلق هاتيك البلاد بدافع التنازع الاجتماعي بين الأغنياء والفقراء، حتى وضع لهُ الفتح اللاتيني حدًّا بتأييد المموِّلين؛ لأن نظام البلديات الذي قامت به الإدارة الرومانية كان نظامًا تيمقراطيًّا؛ أي إنه كان يرتِّب الناس وفقًا لثروتهم، وبديهيٌّ أنْ يَخُصَّ الفاتح ذوي اليسار بالحكم والمسئولية. غير أن الأمة الغالبة لم تَسلم من هجمات الديماغوجيا لأنها دُهمت هي أيضًا بتنافس الطبقات؛ فتعدَّدت في سجلاتها أسماء الطغاة، حتى إن المؤرخين يعتبرون إصلاحات الأخوين الطاغيَين طيبيريوس وكابوس جراكس استهلالًا للدور الثوروي الذي تخطَّى بالجمهورية الرومانية إلى الإمبراطورية أو القيصرية.
ولكن صاحب الوجه النظري من هذا المذهب هو الذي يدعوهُ كروبتكن «أبا الفوضوية الخالد»، هو برودون الفرنسوي الذي أنكر الملكية الفردية والملكية الشيوعية جميعًا، قائلًا إن الأُولى هي استبداد الأقوياء بالضعفاء، وإن الثانية هي استبداد الضعفاء بالأقوياء، وإن حكومةً تقرُّ الملكية أيًّا كانت وتحافظ عليها لَحكومة لا يُطلبُ إصلاحها بل يجبُ قلبُها. برودون يرمي إلى هدم السلطة في جميع دوائرها وأشكالها زمنيةً كانت أم روحية؛ فلا جيوش ولا محاكم ولا إدارة ولا كنيسة، يريد إبدال التقوى بالعدل والتدين بحسن الأخلاق. ومتى أُلغيت السلطة حلَّ محلها التعاقد الحر الاختياري فينظِّم المجتمع نفسه هيئات مركزية لأصحاب الحِرف والفنون والصنائع، ويرتبط بروابط معرَّضة أبدًا للحلِّ والتبديل دون الخضوع لقوة غربية. وهو يستحسن الفقر لأنه يحثُّ على العمل. وليس ليرى الرُّقي في الهناء والرخاء المفسد بل فيما يكتسبه المرء من صفات الرجولة وما يُعززها من استقلال ذاتي وإدراك حصيف لمعاني العدل والمساواة؛ فيعيش الفرد عندئذٍ حرًّا مستقلًّا فينتج حسب استعداده ويستهلك حسب احتياجه، وكذا تسير الإنسانية في سبيل التقدم لا تُقيِّدها شريعة ولا يُذلُّها أمر ولا نهي.
أمَّا نظرية «قيمة العمل» فواحدة عند برودون وماركس جميعًا، إلا أن هذا سخر بذاك؛ لأن الماركسية وإن خُيلت منادية بالمساواة، فهي في الجوهر نظام ديكتاتوري له صرامة القضاء والقدر وقسوة التطور المحتوم الذي تقوم عليه، فتبدو إزاءها الآراء البرودونية في الحرية والمساواة والعدل خواطر شعرية روائية شفافة تذوب كالضباب عند شروق الشمس.
ماركس يقول بالثورة الصريحة بلا مداورة، أما برودون فتختلط عنده الثورة بالإصلاح ويتغلَّب هذا أحيانًا، ولا سيما عندما ينصح للعمال أن يتصافوا وأصحاب رأس المال. إلا أن هذا لا ينفي أن برودون ذا المواهب النادرة والنفس المتلظية هو الذي شوَّش العقول وألهب القلوب وأطلق مسموم السهام، وأن من فوضويته النظرية العلمية تولَّدت الفوضوية العملية المحسوسة؛ فوضوية سار باكونين الروسي في سبيلها فاندفع وراءه المندفعون. كان شعار برودون: «لا إله ولا سيد.» فأضاف إليه باكونين: «ولا عقيدة ولا شريعة.»
•••
كروبتكن كجميع الفوضويين يقول بالتحرير من النير الاقتصادي والحكومي والديني، وليس ذلك التحرير عنده حلمًا من أحلام الغواية بل هو نتيجة سيُفضي إليها اتجاه الاجتماع الحالي. أما وسيلة التحرير فهي الثورة — الثورة الجديدة المختلفة عن كل ثورة سبقتها. تلك لم تتعدَّ بلادًا شبَّت فيها، أمَّا الثورة الجديدة فإذا شبَّت في بلد امتدَّت بسرعة إلى ما يحيط به وألهبت أنحاء العمران. وهو يؤْثِر الثورة على الإصلاح لأن في الإصلاح قبولًا مضمرًا للماضي الذي يتعدَّل بالإصلاح قليلًا أو كثيرًا؛ بينا الثورة تسير إلى الأمام سابقةً لتَنْصِبَ على محجة المستقبل أعلامًا. ولمَّا كانت الجرائم لا تُقترف إلا ضد الملك ورأس المال (؟) فبإلغاء العلة تُلغى النتيجة. والأخلاق الفوضوية تجعل الناس أذكياء أحرارًا صالحين عادلين (؟) وإذا بقيَ هناك أشرار يميلون إلى الأذى، فالطِّب يصدقك الخبر وهو القائل إنهم مرضى ومجانين. فبدلًا من العقوبة والسجن عالِجْهم بالمؤاساة والإخاء، ودَعِ الجميع في راحة واستقلال يرتفعون إلى آفاق معنوية مجهولة.
وهكذا تطوَّر ذلك التمرُّد الذي كان عند روسو حنقًا على الشرائع، وعند ماركس سخطًا على رأس المال لا على أهله، فانقلب عند باكونين هتافًا بالحرية الطليقة مع كرهٍ للفتك، وبدَا عند كروبتين إدراكًا لطبيعة الثأر دون أن يحكم له أو عليه، إلى أن قرَّر المؤتمر الفوضوي المنعقد في لندن سنة ٨١ شرعية كل وسيلة لإبادة النظام الحالي واغتيال أئمَّته. ويقال إن صحيفة «الحرية» في أمريكا كانت تُرشد الخدم إلى كيفية تسميم مواليهم حتى عن طريق الأحذية!
على أن الفوضوية كجميع الميول البشرية تصطبغ بصبغة الشعب الذي يقبلها؛ فبينا هي حادَّة لجوجة في تشيكوسلافيا — مثلًا — وإيطاليا وإسبانيا، إذا بها هادئة مسالمة في أسوج ونروج والدانمارك. ومع أن في لندن جماعة فوضوية صغيرة كانت تصدر منذ أعوام صحيفة «الفوضوي» الأسبوعية، ومع أن إنجلترا وسويسرا ما فتئتا كعبة الفوضويين الأجانب ينشئون فيهما الأندية، وينشرون الصحف بلغات متعددة لبثِّ الدعوة في أوطانهم؛ فإنهما لم تُقاسيا من هذا المذهب ما قاسته الدول الأخرى؛ ذلك لأن طباع أهليهما باردة عملية تنزع خصوصًا إلى الإصلاح الاقتصادي. وليس الشيوعيون في إنجلترا بالفوضويين. والمظاهرات التي جرت هناك منذ شهور ناتجة عن كثرة العمال العاطلين الذين وفر عددهم وتفاقم خطرهم في أكثر الممالك الكبرى. أمَّا الفتن والاعتصابات فمتعلقة بالمسائل الاشتراكية، أو راجعة إلى أسباب محلية خاصة. غير أن الفوضوية تتَّفق وطبيعة العامل الأمريكي؛ لذلك شاعت بين أولئك القوم، واشترك أعضاؤها في عقد المؤتمرات وتهيئة الاعتصابات الفرعية تمهيدًا للإضراب العام الشامل.
•••
ولعلَّها مزاج أكثر منها مذهبًا، تلك الفردية المضخمة المثبتة نفسها بالخروج على كل شريعة، الجاحدة حتى مجالس النواب؛ لأن الشعب بالإنابة والتمثيل إنما يقيم عليه موالي. «وهل يكون الثور حرًّا إذا هو اختار جزَّاره؟» فجمعياتها بلا رؤساء وبلا هيئة تنفيذية، ولا يجمع بين الأعضاء سوى وحدة المشرب والمطلب والرغبة في تداول الصحف الفوضوية، والاحتفال حينًا بعد حين بأعياد «شهدائهم».
ولقد فحص لمبروزو كثيرين من فوضويِّي شيكاغو وسواهم، فرأى أن حالة الفوضوي المجاهد حالة عجز وسقام، وما ظهوره بمظهر الجسارة والمفاداة سوى من «وثبات» الضعفاء المتهورين؛ فمنهم المبتلون بالأمراض المزمنة، ومنهم ذوو العريكة الخشنة الوعرة التي يعتاص عليها التطبع بطبائع الوسط، ومنهم ذوو الجمود الأخلاقي غير الشاعرين بهمس الضمير ودبيب الوجدان، ومنهم الجاني حبًّا بالجناية كالفوضوي الألماني موست الذي يرى فيه لمبروزو المذكور أحطَّ أنواع الجناية، ومنهم أهل الباطنية والروحانية، وأهل الوحي والرفعة مثل باكونين وكروبتكن، ومنهم الفدائي المقتنع بأنه إنما يُضحِّي بنفسه خدمةً لبني الإنسان.
وليفسحوا مجال الدخول إلى الفردوس الموعود تراهم يكردسون الجثث على الجثث، ويجندلون الصريع فوق الصريع!
إن الفوضوية مذهب محزن مروِّع، وهو على حداثة نشأته ذو تاريخ مضرَّج بالدماء.