مقدمة

حين تصدى عبد الصبور شاهين بهراوة جهله الغليظة مدبِّجًا تقريره التكفيري المشبوه عن الإنتاج العلمي للباحث، لم يرُقه أن يعترض المعترضون على تقريره الذي لا علاقة به بأبجديات التقرير العلمي الأكاديمي. ولم يكُن كافيًا له المساندة التي لقيها من عميد كليته، والذي سارع بكتابة تقرير عن كتاب واحد من الإنتاج العلمي — هو كتاب: الإمام الشافعي وتأسيس الأيديولوجية الوسيطية — معزِّزًا فيه اتهامات التكفير. ولم يقنع بتأثير الضغوط التي مارسها هو وأعضاء مدرسته في الحرم الجامعي، والتي أفضت إلى حرمان الباحث من حقه في الترقية إلى درجة «أستاذ». كل ذلك لم يكُن كافيًا، فحمل فضيلته (!) الأمر — التكفير — إلى مسجد عمرو بن العاص في خطبته يوم الجمعة ٢ / ٤ / ١٩٩٤م سعيًا إلى ما هو أبشَع من العقاب الوظيفي.

هذا الرجل الذي يشعُّ نورًا وتقوى، وتدمع عيناه وهو يصف سوء أحوال المسلمين وتخلُّفهم الفكري والحضاري، لا يحتمل الاختلاف، ولا يقوى على مناهضة الفكر بالفكر، فيلجأ إلى سلاح العَجَزة من الجُهَّال والصبية، سلاح «التكفير». ولأن شاهين ليس فردًا، بل هو مؤسسة، فقد تداعى إلى نداء «التكفير» كل صبيانه، من عميد كليته محمد بلتاجي إلى آخر أتباعه إسماعيل سالم. وفي حين اكتفى الأول بتقرير عن كتاب واحد — قانعًا بما سمَّاه «التخصُّص» — فإن التابع الصغير أصدر كتابًا، وُزِّعَت منه طبعتان مجانًا (!) على الطلاب في الجامعة. وأخيرًا أصدر الشيخ شاهين كتابًا عن قصة أبو زيد وانحسار العلمانية في الجامعة.

وليس مهمًّا أن يبحث الإنسان عن سرِّ هذا «التداعي» من قبيلة «دار العلوم» على الباحث، ولا أقول على كلية الآداب — وإنْ كان كتاب التابع ينطق بذلك نطقًا لا يحتاج لإثبات — كما أنه ليس من الضروري التساؤل عن مصدر هذا «الدعم المالي» الذي يُمَكِّن مؤلفًا — للأسف ليس هناك لفظ آخَر لوصف الفعل — من توزيع ما «ألَّفَه» مجانًا. هذه تساؤلات لا مجال لها هنا، لأن الغاية من هذا «التداعي» واضحة بيِّنة في خطبة الجمعة أيضًا التي تفضَّلَ بإلقائها فضيلة الشيخ التابع في مسجد «نور الإسلام» بالهرم، وطالب فيها باعترافه في كتابه بإقامة دعوى مباشرة ضد الباحث بهدف إثبات «الرِّدَّة».

لكن الأخطَر من ذلك ليس ما قاله الشيخ في موعظته، ولا ما طالب به التابع في خطبته، بل المباركة التي أضفاها شيوخ «دار العلوم» — العقلاء — على هذا السلوك دون أن يقولوا لصبيِّهم: «ما هكذا يا سعدُ تُورَد الإبل». لقد فضحهم صبيُّهم حين كشف عن «المستور»، وهو حرصهم على ألَّا يبدو الأمر عداوةً بين قسم اللغة العربية بكلية الآداب، وكلية دار العلوم. يقول الصبيُّ التابع: «وأثبتُ هنا ما قاله لي أستاذنا الدكتور أحمد هيكل، وزير الثقافة السابق، وكذلك الدكتور محمد بلتاجي، عميد كلية دار العلوم، حين عَلِمَا برفع الدعوى بأن أحرص على ألَّا يكون هناك أحدٌ من أبناء «دار العلوم» حتى لا تبدو عداوة بين قسم اللغة العربية بكلية «الآداب» وكلية «دار العلوم»» (ص٩ من الطبعة الثانية).

ومكمن الخطورة هنا أن يبارك أساتذة جامعيون ممارسة الاختلاف الفكري في قاعة «المحكمة» بدلًا من «منابر» الفكر. ومما يصل بالخطورة إلى مستوى الفزع أن يكون أحد هؤلاء الأساتذة وزير ثقافة سابق! وليسمح لي الدكتور هيكل هنا أن أذكِّره بعبارات الإطراء والمديح والثناء المنهجي التي أضفاها على مشاركة الباحث في الندوة الدولية التي أقامتها مؤسسة «دار الهلال» في عيدها المئوي (في الفترة من ١٣ إلى ١٧ سبتمبر ١٩٩٢م) بعنوان: «مائة عام من التنوير والتحديث» إذا كان الأستاذ — وزير الثقافة السابق! — قد نسي، فربما تُنعِشُ ذاكرته التسجيلات الصوتية للندوة، والتي من الضروري أن تكون محفوظة في أرشيف مؤسسة «دار الهلال».

هل يمكن تفسير هذا «التداعي» لنُصرة عبد الصبور شاهين ضد الباحث بمجرد مشاعر القبيلة التي تحتكم لمبدأ: «انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا»؟! وكيف فات رجال «دار العلوم» أن المبدأ الجاهلي قد ملأه الإسلام بمضمون إنساني باهر، حين أجاب الرسول الكريم عن سؤال المتسائلين — وهم يخرجون من ظلام جاهليتهم إلى نور الإسلام «عرفنا أن ننصره مظلومًا، فكيف ننصره ظالمًا»، فقال عليه السلام: «بأن تكُفَّه عن ظلمه»؟ إن للعداء جذورًا لم يستطع أن يُخفيها الصبي الجاهل حين قال في مقدمة الطبعة الأولى لهذيانه: «لكن أكثر البلاء والطعن في الإسلام والشريعة خرج من هذين القسمين — يقصد قسم اللغة العربية وقسم الفلسفة بكلية الآداب — بكل أسف، وكأنها حلقات متصلة لا تنقطع. هذا طه حسين يخرج علينا (١٩٢٦-١٩٢٧م) بكتاب «في الشعر الجاهلي» … ويأخذ الحلقة منه أمين الخولي. ويتلقَّف الحلقة محمد أحمد خلف الله … ثم يتلقَّف الحلقة أخيرًا مَن سُمِّي بنصر أبو زيد.»

لكن كيف يُرجى ممَّن دأبهم «الإعادة» و«التكرار» و«التلخيص» الذي هو قرين «التشويه» منذ زمن طويل أن يكونوا قادرين على الاختلاف والنقاش الحُر. هذا دأب مدرسة «دار العلوم» منذ ثلاثة أرباع قرن، كما وصفها طه حسين، فأصبح ملعونًا ملعونًا، وامتدَّت اللعنة لتشمل كل مفكِّري قسم اللغة العربية وأعلام الثقافة العربية ممَّن ينتسبون — منهجيًّا — إلى طه حسين الذي أعلن يأسه من هذه المدرسة أن تتغيَّر منهجية الدرس فيها:

«وكيف يُرجى أن يتغيَّر هذا المنهج وقد أُغلقت أبواب هذه المدارس ونوافذها إغلاقًا مُحكَمًا. فحِيلَ بينها وبين الهواء الطَّلق، وحِيلَ بينها وبين الضوء الذي يَبعث القوة والحركة والحياة. وظلَّت كما هي تُعيد ما تبدأ وتبدأ ما تُعيد، وتكرِّر في كل سنة ما كانت تكرِّر في السنة الماضية. والأساتذة مطمئنون إلى هذا البدء والإعادة، والطلاب مطمئنون إلى هذه المذكرات، يستظهرونها استظهارًا وينقشونها نقشًا على أوراق الامتحان، و«يكرُّونها كرًّا» أمام لجان الامتحان، حتى إذا فرغوا من الامتحان أصبحوا أساتذة ومعلمين، واختصروا لتلاميذهم مذكرات أساتذتهم، وحفظ هؤلاء التلاميذ ونقشوا و«كرُّوا» وظفروا آخِر الأمر بالشهادات.» (في الأدب الجاهلي، ص١٠، دار المعارف، ط١٥.)

هكذا ينكشف المستور، ويتبدَّى سِرُّ هذا «التداعي»؛ إنه العداء التاريخي الذي بدأ اختلافًا منهجيًّا، لكنه تحوَّل في عصر الانحطاط من نطاق الاختلاف إلى نطاق «المحاكمة» والدعوة المستترة للقتل، تحت ستار «إسلاميين» و«علمانيين».

وهذا بالضبط ما يعبِّر عنه الشيخ الأكبر في عنوان تأليفه «انحسار العلمانية في الجامعة» ولم يدرِ الأستاذ الجامعي أنه بهذا التعبير يتخلَّى عن جامعيته، لأنه خلط بين «الجامعة» و«الجامع»، وبين مكان العلم والمعرفة والاختلاف وصراع الأفكار ومكان العبادة. ولأنهم قد تحوَّلوا جميعًا إلى وعَّاظ ينفخون في نار «الإسلام السياسي»، فما أسهَلَ أن يتنكروا للجامعة ولكلِّ قيمها النبيلة! والتي على رأسها «تعدُّد» الرؤى والاجتهادات والمناهج.

ومن المُخجِل أن يُوصَف بالكفر مَن يحاول ممارسة الفكر، وأن يكون «التكفير» هو عقاب «التفكير». هو مُخجِل في أيِّ مجتمع وفي أي لحظة تاريخية، وهو كارثة في «جامعة القاهرة» في العقد الأخير من القرن العشرين. لكن لأنه لا يصحُّ إلا الصحيح، فقد خذل القضاء مَكْر الماكرين، وكشفت الأوراق أن الأمر ليس أمر دفاع عن الإسلام بقَدْر ما هو دفاع عن «الكراسي المزوَّرة» والمصالح الدنيوية.

ولأن الأفكار لا تموت — وإنْ طالت يدُ الغدر حياةَ أصحابها وسُمعتهم وحاولت مَسَّ كرامتهم — فإن «الفكر» أعظَم ما كرَّم الله به الإنسان على مخلوقاته كافة — يواصل رحلته، متصدِّيًا للتكفير كاشفًا القناع عن وجهه القبيح؛ الجهل والخرافة والتزييف. إنه التفكير في زمن التكفير، عصا موسى التي تلقف ما خيَّلَ السحرةُ للناس من سحرهم وإفكهم، ولا يُفْلح الساحر حيث أتى. والله غالبٌ على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

في هذا الكتاب نقدِّم للقارئ تحليلًا مفصَّلًا لكل الاتهامات التي قِيلت هجومًا على منهج الباحث وعلى شخصه. وفي هذا التحليل التزم الباحث بالرد المنهجي الذي يجمع — قدر الإمكان — بين بساطة اللغة ودقة التحليل ونقول «قدر الإمكان» لأن البساطة تهدِّد التحليل أحيانًا بالسطحية، وقد تشده إلى «الخطابية»، خاصة وأن لغة الهجوم والاتهام كانت كلها لغة خطابية سطحية، بل ومُبتذَلة في أكثر الأحيان. في هذا الكتاب يمثِّل الفصلان الأول والثاني البؤرة والمحور؛ حيث تناول الفصل الأول بالتفصيل تقرير عبد الصبور شاهين المشبوه وتوابعه، في حين تناول الفصل الثاني قضية قراءة التراث عامة، وقراءة خطاب الإمام الشافعي بصفة خاصة. وكان الفصل الثالث مُخصَّصًا لمفهوم التاريخية الذي تناوله بعضهم بالهجوم والتقريع في خِفَّة الجهلاء وطيشهم. ويبقى الفصل الرابع مجرَّد ردود سريعة ذات طابع سِجَالي في الغالب، وهذا الفصل يلتقي مع مدخل «المقدمات العامة» من هذه الزاوية، وكان لزامًا علينا لوضع الحقائق كلها أمام عين القارئ أن نُزوِّد الكتاب بالمُلحَق الوثائقي بدءًا من صحيفة دعوى «التكفير» و«الرِّدَّة» حتى صدور حُكم المحكمة برفض الدعوى.

ولا يسع الباحث في النهاية إلا أن يتقدَّم بعميق الشكر والامتنان والتقدير لمجلس قسم اللغة العربية، ولمجلس كلية الآداب، اللذين تصدَّيَا للافتراءات والأكاذيب التي كادت تُشوِّه نضارة الوجه الأكاديمي لا لجامعة القاهرة وحدها، بل للثقافة العربية كلها. لقد سدَّدَا بموقفَيهما — للحقيقة والتاريخ — في قلب العتمة الجاثمة سهامًا من ضياء ونور. وتحية لكل أساتذة جامعة القاهرة — في مختلف الكليات — والذين حاولوا التصدي لهذا الزحف الظلامي الذي يسعى لخنق الجامعة ولوَأْد أهم دعائمها، وتحية لشباب الجامعة من مدرسين مساعدين ومعيدين وطلاب، الذين هبُّوا دفاعًا عن مستقبلهم الذي يتهدَّدُه خطر «الانغلاق» و«التكفير».

وتحية لكل مثقفي مصر والعالَم العربي، ولكثير من الجامعات العربية والأجنبية، وللمواطنين الذين تكبَّدوا مشقة الاتصال تعبيرًا عن المساندة والوقوف إلى جانب الحق والخير والحرية. الأسماء كثيرة تندُّ عن الحصر، ويطول بنا الحديث ولو أوردنا بعضها.

ولا أجد من الكلمات ما يعبِّر عن عُمق المشاعر الودودة الشاكرة لهذه الكوكبة من المحامين الذين يطالع القارئ أسماءهم في الملحق الوثائقي لهذا الكتاب، والذين يمثِّلون بحق خط الدفاع الأول عن هذا الوطن وتاريخه وتراثه. وليسمحوا لي أن أخص بالذكر منهم «مايسترو» الدفاع، الشيخ الجليل الأستاذ خليل عبد الكريم، المتواضع دائمًا، والذي يُعلِّمك ويبدو كأنه — من فرط تواضُعه – يتعلَّم منك.

وأخيرًا أتوجَّه بالشكر العميق للمنظَّمة المصرية لحقوق الإنسان، للأستاذة تهاني الجبالي، وللأصدقاء أحمد سيف الإسلام، وليلى سويف، وأحمد الأهواني، ولكل مَن تجشَّم عناء حضوره جلسات المحكمة متدخِّلًا في الدعوى لمصلحة الحق والحرية والخير.

نصر أبو زيد
مدينة ٦ أكتوبر
سبتمبر سنة ١٩٩٤م

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٥