مقدمات عامة
(١) الإسلام بين «الفهم العلمي» والاستخدام النفعي١
نختتم اليوم نشر المقالات حول واحدة من أبرز القضايا الفكرية التي شغلت اهتمام الرأي العام الجامعي والثقافي — منذ وقت — وأثقلت الضمير القومي. كان جوهر القضية — وسيظل — هو سؤال: هل من حق أحدٍ تكفير أحدٍ آخَر، لمجرَّد الاختلاف معه في الفكر أو الرأي أو السياسة؟ وهل يجوز لأحد — في مجال البحث العلمي — التفتيش في عقيدة الباحث ومحاكمة ضميره وشق صدره لردع اجتهاده العلمي، أو إطلاق الرصاص؟ وهي القضية التي طرحها «الحوار القومي» تحت عنوان «حرية الفكر وجامعة القاهرة في قصة أبو زيد وشاهين». وذلك غيرة على الجامعة كَوْنها مركز إشعاع للمجتمع والأمة، وعلى البحث العلمي كونه مصدر نهوض لهما.
والتزامًا بقواعد وتقاليد «الحوار القومي» وجَّهنا الدعوة أربع مرَّات — أمام الرأي العام — إلى الأطراف الثلاثة المباشرة: الدكتور مأمون سلامة رئيس جامعة القاهرة، والدكتور عبد الصبور شاهين، والدكتور نصر حامد أبو زيد لكتابة رأيهم حول القضية وما نشر في صددها لتنوير القارئ الذي اطَّلَع على آراء واتجاهات التيارات المختلفة، ومع ذلك لم يستجب لدعوة تنوير القارئ برأيه … إلا الدكتور أبو زيد الذي ننشر مقاله اليوم مع مقال محرِّر «الحوار القومي» لاختتام النشر.
ويوجِّه «الحوار القومي» الشكر لكتَّاب المقالات التي نشرناها، والشكر والاعتذار لكتَّاب المقالات التي ضاقت المساحة عن نشرها.
أحبُّ في البداية أن أتوجَّه بالشكر لصفحة «الحوار القومي» لإصرارها على مواصلة النقاش واستطلاع الآراء حول «قضية أبو زيد – شاهين»؛ لأنها تؤكِّد بهذا الإصرار إدراك محرِّرها أن القضية ليست عدم ترقية أستاذ مساعد إلى درجة أستاذ، وأن قضية عدم الترقية ليست إلا علامة كاشفة عن خلل عام يتعيَّن تلمُّس مظاهره واكتشاف أسبابه سعيًا لمحاولة تجاوزه بالإصلاح إنْ أمكن، أو بالتغيير الشامل إنْ لم يكُن من ذلك بد.
والقضية من وجهة نظري هي في جوهرها قضية صراع بين نمطَين من التفكير، يعبِّر كل نمط منهما عن موقف من الواقع الراهن السياسي الاجتماعي الاقتصادي من جهة، وعن موقف من التراث الديني الإسلامي بصفة خاصة من جهة أخرى. هذان النمطان من التفكير يمثلان نهجين مختلفين عاشا فترة طويلة من الزمن حالة من السكينة الزائفة تتخلَّلُها بين الحين والآخَر بعضُ المعارك الساخنة التي ما تلبث أن تهدأ دون أن تترك وراءها إلا القليل من الأثر من حيث التأثير في الوعي العام المصري بجوهر الخلاف ودلالته ومغزاه.
… النمط الأول من نمطَي التفكير هذين يمثِّل نمط «الثبات» و«التثبيت» والدفاع عن الماضي والتشبُّث بقِيَمه وأعرافه مهما كانت النتائج التي يُفضي إليها ذلك من تزييف الحاضر وسد طريقنا أمام المستقبل. والثبات قيمة تعني مقاومة التغيير والنفور من التطوُّر، والتشبُّث بهذه القيمة يعكس بشكل لافت الدفاع عن مصالح قائمة في بنية الحاضر، مصالح يهدِّدها التغيير ويقضي عليها التطوُّر. ويقدِّم أصحاب هذا النمط من التفكير لتبرير مواقفهم، تأويلًا للتراث الإسلامي وفهمًا له يجعله ناطقًا بهذه القِيم. وبعبارة أخرى يقومون باستخدام التراث الإسلامي، بل والإسلام نفسه، استخدامًا نفعيًّا ذا طابع سياسي براجماتي بالدرجة الأولى. من هنا وجدنا الإسلام في الستينيات — في مرحلة المد الاشتراكي والقومي — ينطق بقيم الاشتراكية والعدالة الاجتماعية على لسان مفكِّري هذا الاتجاه، كما وجدناه كذلك ينطق بقيم الجهاد ضد الاستعمار والصهيونية. ومع التحوُّل الدراماتيكي في مرحلة السبعينيات تحول الإسلام على لسان أصحاب المصالح ليكون دين السلام، وليكون دين الحفاظ على الملكية الشخصية الخاصة من أي انتهاك.
وتطوَّر هذا الاتجاه تطوُّرًا ملموسًا، وتعقَّدَت المصالح التي يُدافع عنها ممثِّلوه وتشابكت في الداخل والخارج، بحيث صارت له قاعدته الاقتصادية وجناحه السياسي بل والعسكري. وتطوَّرَت كذلك قدرته على الحشد والتعبئة. وكان من الطبيعي في ظِل ذلك المناخ أن يتحوَّل الإسلام في تفكير هؤلاء إلى مجرد «وقود» للعراك السياسي، وقود يحترق لكي يخوضوا معاركهم السياسية والاجتماعية ضد خصومهم. لم يعُد الإسلام هو منظومة القيم الروحية والأخلاقية التي تتخلَّل كيان الفرد والمجتمع، بل صار مجرَّد يافطة سياسية لحشد الجماهير، واستغلال البسطاء، وابتزاز أنصاف المتعلِّمين، وتحريك عواطف كثير من المهنيين. وحين يتحوَّل الدين هذا التحوُّل الخطير، يسهل أن يتولى القيادة الدينية، بين الشباب خاصة، أقلهم علمًا ووعيًا وأكثرهم في الوقت نفسه قدرةً على الفعالية الحركية السياسية، لأن العبرة لم تعُد «فهم» الدين بل «استخدامه».
… النمط الثاني من نمطَي التفكير هو نمط التركيز على «الفهم» واستنباط الجوهري والدفاع عن التطوُّر لمعانقة المستقبل. وممثلو هذا الاتجاه لا يستبعدون الدين ولا يعادونه، كما يحب أصحاب الاتجاه الأول أن يُقنعوا الناس تزييفًا لوعيهم، بل هم يحرصون على الفهم، فهم التراث والدين معًا، فهمًا يتباعد بهم عن آلية الاستخدام البراجماتي. من هنا يسيطر على خطابهم اتجاه نقدي لا يرى للتراث قداسة بما هو فكر بشري حول الدين، لذلك يدرسون التاريخ دراسة نقدية كما فعل ابن خلدون، ويدرسون تاريخ الفِرَق الإسلامية والاتجاهات الفقهية والكلامية والفلسفية من المنظور النقدي نفسه. وسلاح النقد هذا ينفر منه أصحاب الاتجاه الأول نفورًا يصل إلى حد التحريم ولا يقف عند حدود الكراهة، ذلك أن «النقد يسحب البساط من تحت أقدامهم ويجعلهم مكشوفين في العراء. وهذا هو الذي حدث مؤخَّرًا فيما سُمِّي بقضية «أبو زيد – شاهين» حين تحوَّلَت إلى قضية رأي عام — وهي كذلك بالفعل — وقضية صراع أعمق، لا مجرد مشكلة ترقية.»
ينتمي أبو زيد إلى ممثِّلي النمط الثاني، النمط النقدي العقلاني الذي يتمسَّك بأنبل ما في التراث من قِيم معرفية ودينية، ويسعى في الوقت نفسه بسلاح النقد للاقتراب من حدود وعي علمي بدلالة النصوص الدينية. إن كتابات أبو زيد بدءًا من الاتجاه العقلي في التفسير وصولًا إلى نقد الخطاب الديني وبينهما مفهوم النص والإمام الشافعي — إلى جانب كتب أخرى — هي في حقيقتها وجوهرها دفاع عن التراث وعن الإسلام ضد محاولات «الاستخدام» النفعية التزييفية. وكما يقف أبو زيد ضد التزييف النفعي للتراث وللإسلام، يناهض وبشدة ثقافة التكرار والترديد، وهي الثقافة السائدة لا إعلاميًّا فقط، بل داخل المؤسسات التعليمية كذلك. لهذا يتحرَّك إنتاج أبو زيد العلمي على ثلاثة محاور: دراسة التراث دراسة نقدية، ونقد خطاب «الإسلام السياسي» لأنه يحوِّل الدين إلى مجرَّد «وقود» في المعارك السياسية، والمحور الثالث هو محاولة تأصيل وعي علمي بدلالة النصوص الدينية. إنه يشارك آخَرِين في معركة الدفاع عن الوطن وتأمين المستقبل، لكنه يمارس معركته على أرض «المعرفة» بإنتاج الوعي، وعلى أرض «التعليم» بزرع هذا الوعي في عقول الطلاب.
ولننظر الآن كيف يمارس أصحاب الاتجاه الأول معاركهم الفكرية، وحالة معركتهم ضد أبو زيد مجرَّد نموذج، لكنها لحُسن الحظ نموذج كاشف جدًّا من جهة، وتؤكد كل تحليلات أبو زيد في نقد الخطاب الديني خاصة من جهة أخرى. الوثيقة الأولى — تقرير عبد الصبور شاهين — وثيقة اتهام تتضمَّن اتهامات خطيرة على حد تعبير الدكتور مأمون سلامة، الاتهام بالكفر والإلحاد والزندقة، هذا إلى جانب النفور الغريب من النزعة النقدية في إنتاج أبو زيد.
لم يكتفِ عبد الصبور شاهين بذلك، بل حمل الأمر على خطبته بمسجد عمرو بن العاص إلى عامة المسلمين يوم ٢ / ٤ / ١٩٩٣م. ومن هناك تردَّدَت على منابر المساجد في أنحاء مصر اتهامات التكفير والإلحاد.
تورَّط كثيرون من رموز الخطاب الديني وأقطابه في الدخول في لعبة التكفير دون بيِّنة أو تثبُّت؛ اعتمادًا على «النقل» و«الترديد»، ووصل الأمر بأحد الأساتذة المساعدين إلى نشر كُتيِّب في الرد على ما سمَّاه «مطاعن أبو زيد في القرآن والسنة والصحابة وأئمة المسلمين» وهي اتهامات لا دليل عليها إلا في مخيلة الكاتب ومخيلة مَن نقل عنهم. وهذا الكُتيِّب اتخذه بعضُهم وثيقة لرفع دعوى قضائية للتفريق بين أبو زيد وزوجه على أساس أنه «مرتد». إذا تجاوزنا الاتهامات — رغم خطورتها — نجد كاتبًا منهم يصرُّ في مقالاته الأخيرة على خلق مناطق في المعرفة غير قابلة للنقاش أو الحوار، ويكرِّر دائمًا حديث «الثوابت» كأنه «بابا» العصور الوسطى الذي يحدِّد بشكل قاطع ونهائي ما يجوز التفكير فيه وما لا يجوز! ومن المؤكَّد أن تحديد «الثوابت» وتحديد مناطق «الأمان» أمر من اختصاص ممثِّلي اتجاه «الإسلام السياسي»؛ إنهم يُنكرون نظريًّا وجود مفهوم «الكهنوت» لكنهم في الوقت نفسه يُمارسونه عمليًّا وواقعيًّا.
هكذا يخوض أصحاب منحى «الثبات» معركتهم ضد أبو زيد وأمثاله بوصفها حربًا، غايتها إسكات الخطاب النقدي إسكاتًا أبديًّا، إنْ لم يكُن بالحرمان من الترقية فبإعلانه كافرًا مرتدًّا، بما يترتَّب على ذلك من نتائج نعلمها جميعًا. والسؤال الآن: أين منطق الحوار الذي يُبشِّرون به؟ وأين الديمقراطية التي يتشدَّقون بها؟ أسئلة كثيرة لا جواب عنها، هكذا تم استخدام سلاح التكفير — وهو سلاح ديني — في معركة فكرية، وهذا أحد أوجُه «الاستخدام» النفعي للدين، والذي يُحوِّله إلى «وقود» — مجرَّد وقود — سياسي يَحرِم الفرد والمجتمع من الطاقات الأخلاقية والروحية للدين عقيدة وسلوكًا. في مواجهة ذلك يقف «الدين» — الإسلام الحقيقي — الذي يدافع عنه أبو زيد وسيُواصل الدفاع عنه بالمعرفة والوعي والتعليم مهما كان الثمن.
(٢) الجامعة بين الحفاظ على الثوابت وتحقيق الإبداع٢
لا سبيل أمامنا جميعًا لتجاوز أزمتنا الراهنة، على جميع المستويات والأصعدة إلا بمحاولة الوصول إلى نظام تعليمي قادر على تنمية قدرات الفرد الذهنية والعقلية، والعضلية، بل والخيالية أيضًا، بالإضافة إلى تنمية حواسه التذوُّقية للآداب والفنون. ولا شك في أن إشاعة مناخ الحرية في الثقافة والمجتمع شرط مهم جدًّا لوضع أساس هذا النظام التعليمي المرجو. ولا نقصد بمناخ الحرية الدلالة السياسية التي تقصرها على حرية التصويت وإنشاء الأحزاب وإصدار الصحف … إلخ. إن ما نقصده بالحرية المطلوبة في المجتمع تتجاوز تلك الدلالات رغم أهميتها التي لا يمكن إنكارها. إنها حرية التفكير والنقاش والبحث والحوار دون كوابح أو شروط مُسبَقة، ودون أهداف بعينها يسعى المفكِّر أو الباحث للوصول إليها.
في مجتمعنا المصري ونحن على أبواب القرن الحادي والعشرين مؤشرات واضحة تدلُّ على أننا بصَدَد الوصول إلى المفهوم الحقيقي للتعدُّدية السياسية، وتُناضل كل القوى السياسية على الساحة المصرية للانتقال من مجرَّد «التعدُّدية» إلى ترسيخ مبدأ «تداوُل السُّلطة» وإنْ كان المشوار لا يزال طويلًا. لكن هذه «التعدُّدية» وما يمكن أن تُفضي إليه من إقرار «التداولية» تظلُّ مهدَّدة دائمًا بخطر الانقضاض عليها والتراجُع عنها والعودة إلى الدكتاتورية من جديد. ذلك أن البنية الدكتاتورية البيروقراطية هي البنية المسيطرة على الأحزاب والتنظيمات السياسية والنقابية والمهنية، سواء في ذلك الحكومية أو المعارضة. المطلوب إذَن هو إشاعة مناخ حقيقي للحرية، وليس مجرَّد الديمقراطية بمدلولها السياسي الضيِّق.
نظامنا التعليمي الحالي بكل مستوياته من الحضانة حتى الجامعة لا يقف فقط ضد هذه الغاية المطلوبة، بل هو نظام يُرسِّخ بكل قوةٍ وإصرارٍ القِيَم النقيضة للحرية المطلوبة. ولا يحتاج الأمر إلى كثير من العناء لندرك أن تعديل المقرَّرات وتغيير المناهج، بل إصلاح المباني وتزويد المدارس بالكمبيوتر، لن يغيِّر من الأمر شيئًا طالما أن «المعلم» المنوط به تحقيق هذه البرامج لا يقر بقيمة الحرية ولا يعترف بمبدأ النقاش الحر غير المشروط. وعلينا أن نبدأ من نقطةٍ ما في حلقة التعليم للنفاذ إلى خارج تلك الدائرة المُغلَقة من الكبت الذهني والقمع العقلي، والحلقة المناسبة لتحقيق هذه الغاية دون غيرها هي حلقة «التعليم الجامعي».
لكن الغريب والعجيب أن مناخ الحرية داخل دائرة التعليم الجامعي تتناسب تناسُبًا عكسيًّا مع مناخ الحرية المتاح خارج الجامعة بشكل خاص، وخارج التعليم بشكل عام. ومن الطبيعي أن تُحكِم «الدولة» قبضتها الاجتماعية والسياسية والفكرية على مراحل التعليم الأساسية من الحضانة وحتى المرحلة الثانوية. والسبب في ذلك أن هذه المراحل تمثِّل مراحل «التكوين» المطلوبة للمواطن كما تتمثَّله الدولة من خلال أجهزتها الرسمية، لكن ليس من الطبيعي من منظور مصلحة الدولة أيضًا أن يظلَّ التعليم الجامعي دائرًا في حدود «التكوين» دون أن يتجاوز ذلك إلى «التنوير» الذي لا مجال لتحقيق الإبداع بدونه. ومن مصلحة الدولة لدوام الاستقرار والنمو، التنمية بكل مستوياتها، أن تسمح بنظام تعليمي جامعي حُر يتَّسع للنقاش والحوار والبحث دون كوابح أو ضوابط إلا الوصول إلى أقصى ما يمكن الوصول إليه من الإبداع الحُر.
الكوابح والضوابط مطلوبة في «التربية» وليست في «التعليم»، وعلينا أن ندرك أن ولوج الطالب أبواب الجامعة معناه أهليته الذهنية والعقلية لتقبُّل الآراء والاتجاهات ومناهشتها دون مصادرة المطلوب. وإذا كان من المضحك أن تتدخَّل أي سلطة، ولو كانت جامعية، في منع هذه النظرية أو تلك من النظريات الاقتصادية أو العلمية من أن تُدرَّس في الجامعة، فإنه من المُحزِن أن تتدخَّل تلك السلطات لمصادرة نص أدبي على أُسُس دينية أو أخلاقية. ذلك أن معناه أن تتحوَّل الجامعة إلى مدرسة، وأن يتحوَّل الطالب الجامعي إلى متلقِّن بليد خامل. وليت المأساة تقف عند هذا الحد، بل تُفضي هذه السلطوية إلى خنق الأستاذ المبدع المفكِّر، وتستبدل به الأستاذ الملقِّن مُوزِّع المذكرات، أو مؤلف الكتب المُقرَّرة. ويتم ذلك كله بدعوى «المحافظة» على القيم والأسس الاجتماعية، وهي دعوى تنتهي إلى التثبيت العقلي لمجموعة من الأصول التي تتحوَّل إلى أصول مقدَّسة. وتصبح المعرفة تردادًا وتكرارًا لِمَا سبق قوله، أو شرحًا لمُلخَّصات أو تلخيصًا لشروح.
لكنَّ الأخطرَ من ذلك — والأدهى والأمَرَّ — أن الجامعة تُمثِّل بهذه البنية العقيمة المزوِّد الأساس للمجتمع بالزاد الثقافي والفكري … وهذا يفسِّر شيوع اللجوء إلى السلطة السياسية لحسم الخلافات الفكرية ومحاصرة التعدُّدية العقلية. لجأ بعضهم مثلًا إلى رئيس الجمهورية لمنع «الشيوعيين» من السيطرة على المجلات الثقافية، وليس مهمًّا أن يكون الوصف صحيحًا أو باطلًا لأن المقصود اللجوء إلى السُّلطة وتجنُّب الحوار والنقاش، وهو المطلوب لإشاعة مناخ الحرية والتحرُّر. بل وصل الأمر إلى محاولة وضع ضوابط جامعية للمباح والممنوع، لا في نشاط الطلاب فقط، بل في اجتهادات الباحثين والأساتذة أيضًا. ونتساءل بعد ذلك كله عن منابع الإرهاب ووسائل محاربته!
إن الجامعة هي نقطة البدء والختام في العقلانية والحرية والتنوير، يشيع ذلك في جنباتها، وداخل قاعاتها فتعكسه في مرآة المجتمع، في حياته الاقتصادية والسياسية والعقلية، ثم ينعكس وقد زاد نوره ولمع داخلها مرَّة أخرى، فيتحقَّق التقدُّم وتستقرُّ أمور الحياة وتنمو كل إمكانياتها. ولن يكون لتحرير الاقتصاد بالقانون وحده من نتيجة سوى الفوضى. إن الاقتصاد الحُر جزء من سياق الفكر الحُر الذي لا يقدر على تحمُّل مسئوليته إلا المواطن الحُر. ولا سبيل لهذا المواطن إلا بالتعليم الحُر. وليس التعليم بالمصروفات.
والذين يخشون من الحرية يتسترون وراء قناع «الحفاظ على الاستقرار». كما يتسترون أحيانًا وراء «عدم الاستعداد» الذهني والعقلي، استنادًا إلى مستوى الطلاب الهابط. لكن المؤسف أن هذه كلها مبرِّرات لا تُفضي إلى تجاوُز الحالة، ولكي نتجاوز الحالة لا بدَّ من بعض التضحيات. وكما تحملنا ونتحمل بعض مفاسد «الانفتاح الاقتصادي» حرصًا على تجاوُز الأزمة الاقتصادية، علينا أن نتحمَّل بعض «الفوضى» سعيًا لتكريس الحرية، بل إن فوضى الحرية أسهل احتمالًا من مفاسد الانفتاح. ولهؤلاء الخائفين أعلن: سعيًا لتكريس الحرية، بل إن فوضى الحرية أسهل احتمالًا من مفاسد الانفتاح. ولهؤلاء الخائفين أعلن: كفوا عن الوصاية على الطلاب والجماهير وكفوا عن الوصاية على العقول المفكرة والأذهان المبدعة، ودعوا كل الزهور تتفتح. إن النور لا يضرُّ العيون السليمة، بل يُصيب ضعاف البصر والبصيرة بالعمى الكُلِّي، هؤلاء هم أعداء النور والحرية والأوصياء على العقول والإبداع.
(٣) الاستقطاب الفكري بين «الإسلام العصري» و«أسلمة العصر» في مصر٣
هناك حالة استقطاب فكري حاد مشهودة في الحياة الثقافية المصرية الراهنة. وهناك اختلاف — يعكس حالة الاستقطاب ويؤكدها — في توصيف هذه الحالة، فمُمثِّلو الخطاب الإسلامي، مثلًا يصفون الاستقطاب بأنه استقطاب بين «الإسلاميين» و«العلمانيين»، لكن خصومهم — الموصوفين بالعلمانيين — يتجنَّبون هذا الوصف، ويتحدَّثون بدلًا من ذلك عن الصراع بين «ثقافتين»: الثقافة التقليدية المحافظة من جانب، والثقافة الليبرالية — أو ثقافة التنوير — من جانب آخَر. وهناك فريق ثالث يحاول أن يمثِّل «الوسط» المعتدل، فيتحدث عن أضرار الاستقطاب، وما يمكن أن يؤدي إليه من انشقاق سياسي وفكري، يهدِّد وحدة المجتمع، ويمزق النسيج الاجتماعي للأمة المصرية. يمثل الفريقَ الأول — فريق الإسلاميين — كُتَّابٌ مثل محمد عمارة وفهمي هويدي ومحمد الغزالي، وتُعبر عنه منابر حزبية هي: «الإخوان المسلمون» و«حزب العمل الإسلامي». أما الفريق الثاني فيعبِّر عنه كثيرٌ كذلك، لعل من أبرز مَن كتبوا منهم حول عملية الاستقطاب تلك: فؤاد زكريا وسيد ياسين. وقد عَبَّر عن فريق أهل الوسيط عبد المنعم سعيد من مركز الدراسات الاستراتيجية بجريدة «الأهرام».
من الضروري الإشارة إلى أن ممثِّلي الاتجاهات الثلاثة المشار إليها، يتجاوز عددهم الأسماء المُشار إليها، ولكننا اكتفينا بهذه الأسماء؛ لأن أصحابها هم الذين تعرَّضوا لظاهرة الاستقطاب تلك وناقشوها، كلٌّ من وجهة نظره الفكرية الخاصة. والذي نتناوله هنا بالعرض والتحليل، لا علاقة له بأسانيد كل فريق من تلك الفرق الثلاثة، فالظاهرة أبرز وأوضح من أن تحتاج إلى دليل أو برهان. بل إن الظاهرة تجاوزت حدود أن تكون ظاهرة فكرية ثقافية، وقاربت تخوم «الحرب الأهلية» بين الفريقَين المتصارعين، وتعبير «الحرب الأهلية» ليس من عندي. إنه التعبير الذي استخدمه الكاتب فهمي هويدي (الأهرام ٢٣/ ٣/ ١٩٩٣م) وهو بصدد مناقشة الدعوة إلى «الجبهة الوطنية» وعبَّر عن خشيته من أن تكون تلك الدعوة ترتيبًا لإقامة تحالُف علماني في مواجهة المد الإسلامي الراهن، وذهب إلى أن ذلك سيكون «خطوة باتجاه إذكاء وتكريس الحرب الأهلية الدائرة بين العلمانيين والإسلاميين، التي تهدِّد المجتمع بالانشطار». وتعميقًا لمفهوم «الحرب الأهلية»، كان ثمَّة اقتراح تقدَّمَ به هويدي أيضًا لخَلق مناطق فكرية آمِنة لا يتناولها البحث والنقاش، وهو اقتراح ثنَّى عليه مؤيدًا عبد المنعم سعيد في «الأهرام» كذلك.
والحقيقة أن ثمَّة «حربًا» بالمعنى الحقيقي لا المجازي، حربًا يخوضها الإسلاميون بأسلحة «التكفير والوصف ﺑ «الردة» و«العلمانية» — التي جعلوها مساوية لمفهوم «الإلحاد» — لأي اجتهاد يتناقض مع أطروحاتهم. ويلي الاتهام بالكُفر ومشتقاته إطلاق الرصاص من جانب الجناح العسكري للاتجاه الإسلامي — أو الاتجاهات الإسلامية. ويصعب هنا الحديث عن «اعتدال» و«تطرُّف»، فالحروب جميعًا لا ينفصل فيها «الإعلام» — بما يبثُّه من أيديولوجيا الحشد والتجييش — عن العمليات العسكرية في ميادين القتال. من هنا تصبح المطالبة بمناطق فكرية آمِنة، في حقيقتها، دعوة للكفِّ عن التفكير والبحث والنقاش، لأن المطالبين هنا هم الذين يميل التوازُن العسكري لصالحهم.
ليس لخصوم الإسلاميين من الليبراليين ودعاة التنوير — بكل اتجاهاتهم وفصائلهم — أي أجنحة عسكرية مماثلة للأجنحة العسكرية الإسلامية. لهذا يميل الإسلاميون عادةً إلى جعل الجناح العسكري للسلطة السياسية الحاكمة — أجهزة الأمن — هو المقابل للجناح العسكري الإسلامي. ويعزِّز هذا التفسير من جانب الإسلاميين — ويعطيه بعض المشروعية — نموذج المثقف الليبرالي التنويري المبرِّر دائمًا لفكر السلطة، والمدافع دائمًا عن مواقفها السياسية والفكرية. لكن يظل هذا التفسير من جانب الإسلاميين، تفسيرًا يُراد به الحفاظ على حالة «التوتر» المولِّدة للحرب الأهلية، التي يملكون مقاليد إدارتها من الوجهة العسكرية. ويصبح الحديث عن «مناطق فكرية آمِنة» حديثًا مماثلًا تمامًا لمطالبة إسرائيل بالحدود الآمِنة، وهي المتفوِّقة عسكريًّا، ناهيك أنها الممثل الأساسي للعدوان.
إذا كانت «الحرب» واقعًا قائمًا ماثلًا، له ضحايا سالت دماؤهم وتقطَّعَت أشلاؤهم في الشارع المصري بالسلاح الإسلامي، كما سالت وتقطعت دماء وأشلاء ضحايا آخَرين داخل السجون، وفي مخافر الشرطة وفي الشوارع والطرقات، ضحايا ينتسبون، أو تنسبهم أجهزة الأمن، لجماعات الإرهاب الديني، إذا كان الأمر كذلك، فهل هذه الحرب واقعة حقيقة بين «الإسلاميين» و«العلمانيين»، كما يحاول خطاب الإسلاميين أن يؤكد؟! هذا هو السؤال الذي نطرحه هنا. وواضح من العنوان الذي وضعناه لمقالتنا، أو جوابنا عن هذا السؤال يتعارض مع قول الإسلاميين. إن الصراع يدور في جوهره على أرض «الإسلام»، وليس خارج حدوده، بين مَن يريدون «إسلامًا عصريًّا»، وبين مَن يريدون «أسلمة العصر» وهذا هو جوهر ما كتبه فؤاد زكريا في «الأهرام» في ردِّه على ممثِّلي اتجاه «الوسط» الذي عبَّر عنه عبد المنعم سعيد. إن القائلين بمقولة «الوسط» المعتدل، ينطلقون أساسًا من مقولة الإسلاميين بأن الصراع القائم هو صراع قائم بين «العلمانية» و«الإسلام»، وهي أطروحة خاطئة في أساسها، ويتم توظيفها توظيفًا أيديولوجيًّا إعلاميًّا في الحرب المشار إليها.
«العلمانية» مصطلح يتجنَّب كل المفكرين المصريين — إلا قليلًا — استخدامه، ويفضل الجميع استخدام مصطلحات مثل «التنوير» و«الليبرالية» و«الدفاع عن المجتمع المدني» … إلخ. وليس من المقبول إلصاق الفكر باتجاه لا يعلنه صراحةً، إلا بتحليل الخطاب الفكري تحليلًا عميقًا، يكشف عن مستوى «الإضمار» و«التضمين» و«المسكوت عنه»، وهو تحليل لم يتحقَّق حتى الآن من جانب أيٍّ من الإسلاميين لفكر خصومهم. يحاول محمد عمارة جاهدًا أن يلصق وصف «العلمانية» بكتاب الإسلام وأصول الحكم لعلي عبد الرازق، في سلسلة مقالات نُشرت في جريدة «الحياة» اللندنية، ثم أُعيد نشرها في جريدة الشعب القاهرية، لسان حال حزب العمل الإسلامي، لكن منهج التحليل الذي استخدمه عمارة، كشفَ فقط عن إنكار الكتاب لمسألة أن الرسول كان رئيس دولة بالمعنى السياسي. ودفاع عمارة عن مفهوم «الدولة» التي أقامها الرسول في المدينة، يجعل فهم عمارة للعلمانية فهمًا عامِّيًّا مُبتذَلًا يتلخَّص في مسألة «الدولة الدينية». وهذا الفهم — من جهة أخرى — يكشف جوهر الخلاف بين الإسلاميين وخصومهم.
إنه ليس خلافًا حول «الإسلام» كما أن «العلمانية» من نشأتها التاريخية لم تكُن مناهضة للمسيحية، بل هو خلاف حول فهم الإسلام، وحول علاقة الدين بالدولة، كما أن العلمانية في نشأتها، كانت حركة فكرية ضد التفسيرات الكنسية الحرفية المغلقة للمسيحية، وضد سيطرتها وهيمنتها على شئون الدولة والمجتمع. وإنكار العلاقة التاريخية بين «الإسلام» و«الدولة»، مسألة فكرية خلافية وليست مسألة دينية. إن المصادفة التاريخية هي التي وحَّدت، لفترة قصيرة، بين القيادة الروحية والقيادة السياسية في شخص الرسول، ثم استردَّت «قريش» هيمنتها على العرب بادعاءات انتساب الرسول إليهم، رغم أن الأنبياء — حسب رواية منسوبة للرسول ذاته — «لا يُورَّثون». وظلَّ نظام الحُكم في الدولة يعتمد على واحدة من آليتين: الإنابة وأخذ البيعة للشخص الذي يقترحه الخليفة القائم. وكانت الإنابة وأخذ البيعة معًا تتمان وفقًا للميراث، فيما عدا استثناءات قليلة لا يُعتد بها. هذا هو التاريخ الإسلامي: حُكم وراثي أوتوقراطي وليس ثيوقراطيًّا. واستخدام الحكام لسلطة الفقهاء وفتاويهم لتكريس سلطتهم، لا يعني «إسلامية» نظام الحكم.
وحين يفشل عمارة في إلصاق تهمة «العلمانية» بكتاب علي عبد الرازق من هذه الزاوية، يلجأ إلى الابتذال الرخيص في محاولة إثبات أن مؤلف الكتاب ليس علي عبد الرازق، وينتهي بعد فجاجة مُمِلَّة — يسمِّيها التحليل الأسلوبي — إلى أن طه حسين، شاركه في تأليف الكتاب. ولكنه قبل ذلك يطرح إمكانيات ركيكة، عن احتمال أن يكون الكتاب من تأليف واحد من المستشرقين. هذا كله يُبرِزُ أن المسألة كلها هي أن عمارة مسكون بهاجس «تلويث» الكتاب وصاحبه، رغم أن عمارة الستينيَّات وأوائل السبعينيات كان من أكبر المتحمِّسين للكتاب ونشره، بل إنه قام بطبعه والتقديم له عدة طبعات في مصر وبيروت. ولم يكُن محمد عمارة قطُّ — حتى في حقبته الأولى — مفكِّرًا علمانيًّا، بل كان إسلاميًّا مستنيرًا سقطت عنه استنارته في عصر سقوط الأقنعة كلها.
إذا كان علي عبد الرازق مفكِّرًا، مارس فكره داخل نطاق ما يُسمَّى بالفكر الإسلامي، القائم على التعدُّدية والتسليم باختلاف الرؤى، فكذلك كان طه حسين وزكي نجيب محمود. وكذلك فؤاد زكريا ومحمود أمين العالم والمستشار العشماوي وخليل عبد الكريم ونصر أبو زيد. وهذا يُفضي بنا إلى الفارق بين الاتجاهين: إنه الفارق بين محاولة الفهم العصري المتحرِّر المستنير للإسلام، والفهم الحرفي الضيِّق المغلق. إنه الفارق بين الذين يُدركون الإسلام بوصفه صيرورة تاريخية اجتماعية، استمرَّت وما زالت مستمرَّة، بفضل انفتاح الدلالة والمعنى للنصوص الأصلية وما تحمله من مضامين، ومَن يتصوَّرون أن الإسلام هو الواقعة التاريخية الأولى للوحي، ويتصوَّرون أن تحوُّلاتها وانفتاحها محض ضلال وانحراف وتزييف يجب الخلاص منه. وإذا كان الموقف الأخير هو موقف «المتطرِّفين» من أتباع سيد قطب وأبو الأعلى المودودي اللذين وَصَما التاريخ الإنساني كله، حاشا العقود الأولى من تاريخ الإسلام، بالجاهلية والضلال، فإن «المعتدلين» الإسلاميين يمتدون بالتاريخ الحقيقي للدولة الإسلامية، إلى العام الذي ألغى فيه كمال أتاتورك الخلافة في هذا القرن العشرين. لكن الجميع، من متطرفين ومعتدلين، متفقون على أن للإسلام معنًى ثابتًا مكتملًا صاغه الفقهاء والمتكلِّمون المسلمون قبل عصر الانحطاط؛ أي في القرن الرابع الهجري، وهم يستثنون من صياغة المعنى الإسلامي كثيرًا من الاتجاهات الفلسفية والسياسية والكلامية.
هذا الصراع يتجلى في مظاهر عديدة: تقديس التاريخ ودراسته بمنهج الاحتفال والتوقير وذلك في مقابل منهج التحليل والتفسير والنقد. منهج الاحتفال والتوقير يتعامل مع التاريخ الإسلامي من منظور التدوين الرسمي، ويكاد يتجاهل الصراعات والحروب التي حدثت بين الصحابة مثلًا، بين نظام الدولة وخصومه، مكتفيًا بالقول إنها خلافات المجتهدين المخلصين المتروك أمر الحكم عليهم لله سبحانه. لكن الصحابة كلهم أجلَّاء مكرَّمون يجب عدم المساس بهم أو نقد سلوكهم وتصرفاتهم، لأنهم «خير القرون» ولأنهم «كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم»، ولأن القرآن وصفهم بصفات إيجابية. بل ويثور الأزهر ورجاله لو تجرَّأ أحد، وتحدث عن إمكانية ظهور ممثِّل في عمل درامي مسرحي أو تليفزيوني ليقوم بدور صحابي. هذا الامتناع عن قبول فكرة «التمثيل» الرمزي للشخصية، يؤكد مفهوم «القداسة» الذي ينكره علماء الأزهر والإسلاميون، حين يواجههم أحد بأنهم يقدِّسون البشر.
المظهر الثاني لهذا الصراع يتجلى في تقديس «الأئمة»، واعتبار اجتهاداتهم نهائية وصائبة، ومحاربة أي محاولة لتحليل هذه الاجتهادات بوصفها اجتهادات بشر، تعبِّر عن مواقف فكرية اجتماعية تنبع من مصالح وتوجهات أيديولوجية.
المظهر الثالث، الأخطر والجديد في الوقت نفسه هو «أسلمة المعرفة»، وهو المظهر الكاشف عن جوهر الأطروحة «الإسلامية»، والمتمثل في إلغاء العصر والتاريخ والعلم والمعرفة، وذلك بتصور أن ذلك كله كامن ومضمر ومُضَمَّن في النصوص الأصلية.
وهذ المظهر الأخير كاشف بدوره عن معنى «التقدُّم» في الخطاب الإسلامي، إنه التقدم بالحركة إلى الخلف، وبالقراءة التراجعية للنصوص، أي القراءة التي تبدو عصرية، لكنها في الواقع ترتهن الواقع كله و«العصر» في أسر الماضي، الذي يستمد سلطته من كونه كذلك. هنا تبدو أهمية القيمة الرمزية للحجاب واللحية وتقصير الثياب وبناء المساجد، وشرائط الكاسيت والفيديو، والشيخ عاري الرأس، لابس الثياب الغربية، المعطر بأرقى أنواع العطور، والذي يتحرَّك بسيارة «بودرة»، أي لا يقدر على امتلاكها إلا تجار السموم البيضاء. لقد صار كل شيء في الحاضر والعصر «إسلاميًّا».
هذه القراءة بكل ما يحيط بها من إعادة ترميز للعلامات، تستهدف في الحقيقة السيطرة على الحاضر اقتصاديًّا وسياسيًّا وفكريًّا. ولأن المقاومة الفكرية هي المانع الوحيد المتبقي، وهي خندق الحاضر والعصر والتراث، فإن الحرب شرِسة ضدها بكل الأسلحة من التلويث حتى القتل. وهذه المقاومة صارت هي المانع الوحيد أمام «المشروع الإسلامي» لسقوط كل الموانع الأخرى، وعلى رأسها الدولة، التي لم تعُد تملك إلا سلاحها القمعي للسيطرة، وهو سلاح تستخدمه ضد الجميع، ولا ينجو منه إلا مَن ينخرط في مشروعها الذي صار تابعًا على كل المستويات والأصعدة. ولأن بعض المثقفين قد اختاروا الانخراط في مشروع الدولة، إيمانًا منهم بأنه المشروع المناهض للظلامية والتخلُّف، فقد أعطى ذلك للإسلاميين مبرِّرًا بأن يشوِّهوا كل المفكرين وساعدهم على ذلك حالة انحطاط فكري، وتفشٍّ للأمية والجهل والفقر، فضلًا عن الفساد الذي صار سِمةً للواقع العربي كله.
إنه مشروع سياسي بالأساس إذَن، ذلك المشروع «الإسلامي». وهو مشروع يناهض مشروع الدولة لا كمشروعٍ نقيض، بل بوصفه مشروعًا يستمدُّ مشروعيته من سُلطة مقدَّسة، في مقابل مشروع الدولة الذي يستمد مشروعيته من القمع والاضطهاد والفساد. إنه صراع المشروعية الذي يبدو كأنه صراع حول مشروعَين مختلفين، لكن القراءة الفاحصة للأطروحات تكشف عن أن الصراع هو صراع على السُّلطة السياسية التي تنفِّذ المشروع نفسه. وأصحاب نظرية «الوسط»، يحاولون في الحقيقة حل إشكالية الصراع بين السلطتين بإغلاق نافذة المقاومة الفكرية، النافذة التي يُطلق الجميع عليها اسم «العلمانية»، وذلك لأنها ببساطة نافذة الفكر الذي يناهض الشمولية بكل صورها، ويقف ضد ارتهان الحاضر في أسر الماضي من جهة، وضد تبعيته المطلقة للعدو من جهة أخرى. إنه مشروع «التحرير» الذي صار مجرَّد خندق «مقاومة». هذا المشروع فكري في الأساس، معرفي في الجوهر، سياسي في دلالته ومغزاه. وهو مشروع لا يقف خارج الإسلام، لكنه لا يقف أيضًا خارج «العلمانية» التي يتبرَّأ منها كثير من ممثِّليه. وقد آنَ الأوان للعب على المكشوف لحسم القضايا على أرض الفكر. آنَ الأوان لكي نناقش مفهوم العلمانية ومفهوم الإسلام معًا، وربما نجد أن الإسلام دين علماني لو أحسنَّا الفهم والتدبُّر: تدبر النصوص والتاريخ والواقع في الوقت نفسه.