ملحق وثائقي

١

بسم الله الرحمن الرحيم

إنه في يوم … الموافق …/…/١٩٩٣م الساعة …

بناءً على طلب كلٍّ من:

  • (١)

    محمد صميدة عبد الصمد

  • (٢)

    عبد الفتاح عبد السلام الشاهد

  • (٣)

    أحمد عبد الفتاح أحمد

  • (٤)

    هشام مصطفى حمزة

  • (٥)

    أسامة السيد بيومي علي

  • (٦)

    عبد المطلب محمد أحمد حسن

  • (٧)

    المرسي المرسي الحمدي

ومحلهم المختار جميعًا مكتب الأستاذ/محمد صميدة عبد الصمد المحامي الكائن رقم ٣٣ جامعة الدول العربية بالمهندسين، قسم العجوزة، محافظة الجيزة.

أنا … مُحضر محكمة … الجزئية

قد انتقلتُ إلى حيث محل إقامة كلٍّ من

  • (١)

    السيد الدكتور/نصر حامد أبو زيد

مخاطبًا مع:

  • (٢)

    السيدة/إبتهال يونس

وأعلنتُهما بالآتي:

المُعلَن إليه الأول ولد في ١٠/ ٧/ ١٩٤٣م في أسرة مسلمة، وتخرَّج في قسم اللغة العربية بكلية الآداب بجامعة القاهرة، ويشغل الآن أستاذ مساعد الدراسات الإسلامية والبلاغة بالقسم بالكلية المشار إليها، وهو متزوج من السيدة المُعلَن إليها الثانية، وقد قام بنشر عدة كتب وأبحاث ومقالات تضمَّنَت، طبقًا لما رآه علماء عدول، كفرًا يُخرجه عن الإسلام، الأمر الذي يُعتبَر معه مرتدًّا ويحتم أن تطبق في شأنه أحكام الردة حسبما استقرَّ عليه القضاء، وذلك كله على التفصيل الآتي:

أولًا

نشر المُعلَن إليه الأول كتابًا بعنوان: الإمام الشافعي وتأسيس الأيديولوجية الوسطية، وقد نشرته دار سينا للنشر سنة ١٩٩٢م.

وقد أعدَّ الأستاذ الدكتور محمد بلتاجي حسن أستاذ الفقه وأصوله وعميد كلية دار العلوم بجامعة القاهرة تقريرًا عن هذا الكتاب ذكر في مستهله أنه يمكن تلخيص محتواه في أمرَين:

  • الأول: العداوة الشديدة لنصوص القرآن والسنة، والدعوة إلى رفضها وتجاهل ما أتت به.
  • والثاني: الجهالات المتراكبة بموضوع الكتاب الفقهي والأصولي.

واستطرد الأستاذ الدكتور العميد في تقريره فأوضح أن صفحات الكتاب تنطق بكراهية شديدة لنصوص القرآن والسنة، إلى حد تحميل الالتزام بهذه النصوص كل أوزار الأمة الإسلامية وأوضاعها المتخلفة، ومن الأدلة على ذلك:

  • (أ)

    قول المُعلَن إليه في آخر الكتاب في صفحة ١١٠ إنه «قد آن أوان المراجعة والانتقال إلى مرحلة التحرر لا من سلطة النصوص وحدها بل من كل سلطة تعوق مسيرة الإنسان في عالمنا، علينا أن نقوم بهذا الآن قبل أن يجرفنا الطوفان».

    والنصوص المقصودة في قوله هذا في القرآن والسنة، بدليل قوله مثلًا في صفحة ١٥: «إن تثبيت قراءة النص الذي نزل متعددًا إلى قراءة قريش، كان جزءًا من التوجيه الأيديولوجي للإسلام لتحقيق السيادة القرشية»، وقوله في صفحة «٢٨» إن النص الثانوي هو السنة النبوية، والنص الأساسي هو القرآن. وأمثلة ذلك كثيرة في صفحات الكتاب.

    ولا معنى للتحرر من سلطة نصوص القرآن والسنة إلا بالكفر بما فيهما من أحكام وتكليفات.

  • (ب)

    قول المُعلَن إليه في صفحتي ١٠٣-١٠٤ من الكتاب ذاته عن موقف الإمام الشافعي من القياس إن «هذا الموقف يعكس رؤية للعالم والإنسان تجعل الإنسان مغلولًا دائمًا بمجموعة من الثوابت التي إذا فارقها حكم على نفسه بالخروج من الإنسانية. وليست هذه الرؤية للإنسان والعالم معزولة تمامًا عن مفهوم «الحاكمية» في الخطاب الديني السلفي المعاصر، حيث ينظر لعلاقة الله بالإنسان والعالم من منظور علاقة السيد بالعبد الذي لا يتوقع منه سوى الإذعان. وكما كانت رؤية الشافعي تلك للعالم كرَّسَت في واقعها التاريخي سلطة النظام السياسي المسيطر والمهيمن. فإنها تفعل الشيء ذاته في الواقع المعاصر.»

    ويقول الأستاذ الدكتور العميد تعليقًا على ذلك إنه «بدهي أن العقيدة الإسلامية، بل كل عقيدة دينية لا ترضى من الإنسان إلا الطاعة المُطلَقة التي هي المفهوم الحرفي لمعنى «العبادة» و«الإسلام» والذي لا يرتضي الانصياع لمطلق النصوص المقدسة، فهو خارج عن حد الإيمان بآيات من القرآن كثيرة جدًّا. منها قوله تعالى: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (الأحزاب: ٣٦)، وقوله إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (النور: ٥١)، وقوله فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (النساء: ٦٠).»

    وقد أقام المؤلف نفسه عدوًّا للشافعي (الذي يسعى دائمًا لتكريس سلطة النصوص كما يقول في صفحتَي ١٠٠، و١٠٧ مثلًا).

    كذلك لم يترك مناسبة في كتابه الصغير للغض من النصوص وتحقيرها وتجاهل ما أتت به إلا انتهزها.

  • (جـ)

    قول المُعلَن إليه الأول في صفحتي ٢٠/ ٢١ ما نصه:

    و«يبدأ الشافعي حديثه عن الدلالة بتقرير مبدأ على درجة عالية من الخطورة فحواه أن الكتاب يدل بطرق مختلفة على حلول لكل المشكلات أو النوازل التي وقعت أو يمكن أن تقع في الحاضر أو في المستقبل على السواء. وتكمن خطورة هذا المبدأ في أنه المبدأ الذي ساد تاريخنا العقلي والفكري، وما زال يتردد حتى الآن في الخطاب الديني بكل اتجاهاته وتياراته وفصائله. وهو المبدأ الذي حول العقل العربي إلى عقل تابع، يقتصر دوره على تأويل النص واشتقاق الدلالات منه.»

    هذا الذي أنكره المعلن إليه على الإمام الشافعي إنما هو المعنى الحرفي لقوله تعالى وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (النحل ٨٩)، وهو أيضًا (إكمال الدين) في قوله تعالى الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا (المائدة: ٣).
  • (د)

    قول المعلن إليه في صفحة ٢٢ ما نصه «الشافعي حين يؤسس المبدأ — مبدأ تضمن النص حلولًا لكل المشكلات — تأسيسًا عقلانيًّا يبدو وكأنه يؤسس بالعقل «إلغاء العقل».»

    و«مفهوم كلامه أن إبقاء العقل لا بد معه من رفض النص فهو لا يرى أنه يمكن الجمع بين الأمرين ومفهومه بداهة أن الذين يستسلمون للنصوص الشرعية — على أن فيها حلولًا لكل المشكلات فقد ألغوا عقولهم.»

ثانيًا

طبع المعلن إليه كتابًا عنوانه مفهوم النص — دراسة في علوم القرآن ويقوم بتدريسه لطلبة الفرقة الثانية بقسم اللغة العربية بكلية الآداب.

وقد انطوى هذا الكتاب على كثير مما رآه العلماء كفرًا يخرج صاحبه عن الإسلام، وقد أعد الأستاذ الدكتور إسماعيل سالم عبد العال أستاذ الفقه المقارن المساعد بكلية دار العلوم بحثًا أوضحَ فيه بعض هذا الكفر، ومن ذلك ما يأتي:

  • (أ)

    أن المعلن إليه ذكر في صفحة «٢١» من هذا الكتاب أن «الإسلام دين عربي وأن الفصل بين العروبة والإسلام ينطلق من مجموعة من الافتراضات المثالية الذهنية، أولها عالمية الإسلام وشموليته من دعوى أنه دين للناس كافة لا للعرب وحدهم».

    وهذا القول يعارض معارضة صريحة ويناقض آيات كثيرة في القرآن الكريم منها قوله تعالى تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (أول سورة الفرقان)، وقوله سبحانه إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ * لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا (يس: ٦٩-٧٠)، وقوله عز وجل وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (سورة سبأ: ٢٨).
  • (ب)

    كما ذكر في صفحة «٢٣» من الكتاب ذاته أن النص القرآني «في حقيقته وجوهره منتج ثقافي، والمقصود بذلك أنه تشكل في الواقع والثقافة خلال فترة تزيد على العشرين عامًا. وإذا كانت هذه الحقيقة تبدو بدهية ومتفقًا عليها، فإن الإيمان بوجود ميتافيزيقي سابق للنص يعود لكي يطمس هذه الحقيقة البديهية ويعكر من ثم إمكانية الفهم العلمي لظاهرة النص».

    وقد أكد المعلن إليه هذا القول في بحث له بعنوان «إهدار السياق في تأويلات الخطاب الديني»، حيث ذكر ما نصه «يتم في تأويلات الخطاب الديني للنصوص الدينية إغفال مستوى أو أكثر من مستويات السياق التي ناقشناها في القسم الأول، وفي كثير من الأحيان يتم إغفال كل المستويات لحساب الحديث عن نص يفارق النصوص الإنسانية من كل وجه. إن التصورات الأسطورية المرتبطة بوجود أزلي قديم للنص القرآني في اللوح المحفوظ باللغة العربية لا تزال تصورات حية في ثقافتنا».

    وأقوال المعلن إليه قاطعة في اعتقاده أن القرآن منذ نزل على محمد أصبح وجودًا بشريًّا منفصلًا عن الوجود الإلهي، وأن الإيمان بوجود أزلي قديم للقرآن في اللوح المحفوظ هو مجرد أسطورة، وكما قال الأستاذ الدكتور عبد الصبور شاهين تعليقًا على ذلك أن المعلن إليه يرى أن «إعجاز القرآن بهذا المعنى أسطورة وكونه كلام الله أسطورة وانتماؤه إلى المصدر الغيبي أسطورة، فهو يتحدث بحسم عن «أسطورة» وجود القرآن في عالم الغيب إنكارًا لما لا يقع تحت الحس، وعالم الغيب لا يصلح موضوعًا للفكر بل هو موضوع للاعتقاد فقط. فضلًا عن استخدام كلمة «أسطورة» في وصف وجود القرآن وهو تعبير لا يليق، إنْ لم يكُن تجاوزًا قبيحًا.»

ثالثًا

ومن واقع كتب وأبحاث المعلن إليه وصفه كثير من الدارسين والكُتَّاب بالكفر الصريح. ومن ذلك على سبيل المثال ما ورد في جريدة الأهرام بأعدادها الصادرة في ٨/ ١٢/  ١٩٩٢م، ٢٦/ ١ / ١٩٩٣م، ١٠ / ٤ / ١٩٩٣م، ١٢ / ٤ / ١٩٩٣م، ١٩ / ٤ / ١٩٩٣م، ٢٠ / ٤ / ١٩٩٣م، وما ورد في جريدة الأخبار الصادرة في ٢٣ / ٤ / ١٩٩٣م، وفي جريدة الشعب في ٤ / ٥ / ١٩٩٣م وجريدة الحقيقة في ٨ / ٥ / ١٩٩٣م.

ولم ينفِ المعلن إليه شيئًا من تكفيره — على كثرته — بل لعله رضي به واستراح إليه، بحسبانه معبرًا عن عقيدته وجوهر فكره، الأمر الذي يرقى إلى الإقرار منه بما وُصم به.

رابعًا

المعلن إليه قد ارتدَّ عن الإسلام طبقًا لما استقر عليه القضاء وأجمع عليه الفقهاء:

ومن المعلوم أن الردة شرعًا هي إتيان المرء بما يخرج به عن الإسلام، إما نطقًا، وإما اعتقادًا وإما شكًّا ينقل عن الإسلام، ومن أمثلة ذلك، فيما ذكره العلماء، جَحدُ شيء من القرآن، أو القول بأن محمدًا بُعث إلى العرب خاصة، أو أنكر كونه مبعوثًا إلى العالمين، أو القول بأن الشريعة لا تصلح للتطبيق في هذا العصر، أو أن تطبيقها كان سبب تأخر المسلمين، أو أنه لا يُصلِح المسلمين إلا التخلُّص من أحكام الشريعة.

كما قضى بأن «مَن استخفَّ بشرع النبي فقد ارتد بإجماع المسلمين» يراجع في ذلك على سبيل المثال:

  • المغني، طبعة دار الفكر، الجزء العاشر، ص٩٤.

  • الشرح الكبير، طبعة دار الفكر، الجزء العاشر، ص٩١.

  • التشريع الجنائي الإسلامي، للأستاذ عبد القادر عودة، طبعة سنة ١٩٨٤م، الجزء الثاني، ص٧٠٦، وما بعدها.

  • مبادئ القضاء في الأحوال الشخصية، للمستشار أحمد نصر الجندي، الطبعة الثالثة، سنة ١٩٨٦م، ص٦٤٩، المبدأ رقم «٦».

وبناءً على أقوال المعلن إليه الثابتة في كتبه وأبحاثه المنشورة على الملأ، والتي أوردنا بعضًا منها فيما سبق، وطبقًا لما أفتى به العلماء المتخصصون بعد دراستهم لهذه الأقوال فإن المُعلَن إليه، وقد نشأ مسلمًا، يعتبر بذلك مرتدًّا عن الإسلام، ويكفي لاعتباره كذلك جزئية واحدة مما كتبه ونشره، ناهيك بتعدُّد أقواله التي تُخرج عن الإسلام بإجماع العلماء.

خامسًا

ومن آثار الردة المُجمَع عليها فقهًا وقضاءً:

إن الردة سبب من أسباب الفرقة بين الزوجين، ومن أحكامها أنه ليس لمرتد أن يتزوج أصلًا لا بمسلم ولا بغير مسلم؛ إذ الردة في معنى الموت وبمنزلته، والميت لا يمكن محلًّا للزواج، والردة لو اعترضت على الزواج رفعته وإذا قارنته تمنعه من الوجود. وفقه الحنفية أن المرأة المتزوجة إذا ارتدت انفسخ عقد زواجها ووجبت الفرقة بين الزوجين بمجرد تحقق سببها، وبالردة نفسها وبغير توقف على قضاء القاضي، وأما ردة الرجل فهي عند أبي حنيفة وأبي يوسف فرقة بغير طلاق (فسخ) وعند محمد فرقة بطلاق، وهي بالإجماع تحصل بالردة نفسها فتثبت في الحال وتقع بغير قضاء القاضي، سواء كانت الزوجة مسلمة أو غير مسلمة.

(يراجع على سبيل المثال):

  • حكم محكمة النقض الصادر بجلسة ٣٠/ ٢/ ١٩٦٦م في الطعن رقم ٢٠ لسنة ٣٤ ق، مجموعة السنة ١٧، ص٧٨٣.

  • وحكمها الصادر بجلسة ٢٩/ ٥/ ١٩٦٨م، في الطعن رقم ٢٥ لسنة ٣٧ ق، مجموعة السنة ١٩، ص١٠٣٤.

ومشار إلى الحكمين بمجموعة مبادئ القضاء في الأحوال الشخصية — المرجع السابق ص٦٥٩ — المبدأ «٢٢» والمبدأ «٢٣».

ولا يصح التذرُّع في هذا الخصوص بالقول بأن الدستور يكفل حرية العقيدة، فهذه مقولة حق يُراد بها باطل، وقد استقر القضاء المصري بجميع جهاته ودرجاته، استقرارًا مطلقًا على أن إعمال آثار الردة حسبما تقررت في فقه الشريعة الإسلامية ليس فيه ما يخالف أحكام الدستور، وليس فيه أي مساس بحرية العقيدة أو المساواة بين الأفراد في الحقوق والواجبات. ذلك أن هناك فرقًا بين حرية العقيدة، والآثار التي تترتَّب على هذا الاعتقاد من الناحية القانونية، فكل فرد حُر في اعتناق الدين الذي يشاء في حدود النظام العام، أما النتائج التي تترتَّب على هذا الاعتقاد فقد نظمتها القوانين ووضعت أحكامها، فالمسلم تُطبَّق عليه أحكام الشريعة الإسلامية والذمي تطبق عليه أحكام أخرى تختلف باختلاف المذهب في الطائفة في حدود القوانين والنظام العام. وتطبيق القوانين الخاصة في كل طائفة تبعًا لما تدين به ليس فيه تمييز بين المواطنين. ولكنَّ فيه إقرارًا بحرية العقيدة وتنظيمًا لمسائل الأحوال الشخصية في حدودها وحدود الدين. ولا مشاحة في أن الشريعة الإسلامية تضمنت أحكامًا متعلقة بالأحوال الشخصية وتتصل بالنظام العام، ولا يمكن إهدارها أو إغفالها مثل حكم المرتد. وقد أشار المشرع إلى قاعدة النظام العام، وأوجب مراعاته فنص في المادة ٦ من القانون رقم ٤٦٢ لسنة ١٩٥٥م على أنه بالنسبة إلى المنازعات المتعلقة بالمصريين غير المسلمين المتحدي الطائفة والملة، الذين لهم جهات قضائية وقت صدور هذا القانون فتصدر الأحكام في نطاق النظام العام طبقًا لشريعتهم — كما نصَّت المادة ٧، على أنه لا يؤثر في تطبيق الفقرة الثانية من المادة المتقدمة تغيير الطائفة والملة بما يُخرج أحد الخصوم من طائفة وملة إلى أخرى إلا إذا كان التغيير إلى الإسلام فتطبق الفقرة الأولى من المادة ٦ من هذا القانون. وتأسيسًا على ذلك تكون أحكام الشريعة الإسلامية فيما يتعلق بالمرتد عن الإسلام هي الواجبة التطبيق والإعمال باعتبارها قاعدة متعلقة بالنظام العام على ما سبق بيانه، وليس فيها مساس بحرية العقيدة أو المساواة بين المواطنين.

يراجع في ذلك على سبيل المثال:

  • حكم المحكمة الإدارية العليا الصادر بجلسة ٢٥/ ١/ ١٩٨١م في الطعن رقم ٥٩٩ لسنة ١٩ق.

  • مجموعة السنة ٢٦ العدد الأول قاعدة ٥٤، ص٣٨٥–٣٩٤.

  • فتوى اللجنة الأولى للقسم الاستشاري للفتوى والتشريع في ٤/ ٤/ ١٩٦٠م منشورة بمجموعة السنتين ١٤/ ١٥ قاعدة ١٦٨، ص٢٧٨–٢٨٦.

خلاصة القول

إن المعلن إليه الأول وقد ارتد عن الإسلام طبقًا لما قرره الفقهاء العدول، فإن زواجه من المعلن إليها الثانية يكون قد انفسخ بمجرد هذه الردة، ويتعين لذلك التفرقة بينهما بأسرع وقت، منعًا لمنكر واقع ومشهود.

سادسًا

وهذه الدعوى من دعاوى الحسبة:

وغني عن البيان أن هذه الدعوى من دعاوى الحسبة، بحسبان أنها طلب تفريق بين زوجين والأمر بكفهما عن معاشرة لا تحل لهما، فهي دعوى تدافع عن حق من حقوق الله تعالى، وهي الحقوق التي يعود نفعها على الناس كافة لا على أشخاص بأعينهم، لأن حِل مباشرة المرأة وحُرمتها من حقوق الله تعالى التي يجب على كل مسلم أن يحافظ عليها ويدافع عنها.

(مبادئ القضاء، المرجع السابق، ص٥٣١ مبدأ رقم «١٦»، الوسيط في قانون القضاء المدني، للدكتور فتحي والي، سنة ١٩٨٧م، ص٦١، والوسيط في شرح قانون المرافعات للدكتور أحمد السيد صاوي سنة ١٩٨٨م ص١٧٠.)

بناءً عليه:

أنا المحضر سالف الذكر قد انتقلت وأعلنت كلًّا من المعلن إليهما بصورة من هذه العريضة وكلفتهما الحضور أمام محكمة الجيزة الابتدائية — دائرة الأحوال الشخصية رقم «١١» بمقرها الكائن بشارع الربيع الجيزي بالجيزة وذلك بجلستها التي ستنعقد في غرفة مشورة ابتداءً من الساعة التاسعة صباحًا يوم الخميس الموافق ١٠/ ٦/ ١٩٩٣م، وذلك ليسمع المعلن إليهما الحكم بالتفريق بينهما، وإلزام المعلن إليه الأول المصروفات وشمول الحكم بالنفاذ المعجل بغير كفالة.

٢

بسم الله الرحمن الرحيم
مذكرة بنقض دعاوى الردة والتكفير

بصدد دعوى الحسبة المرفوعة من محمد صميدة عبد الصمد على الدكتور نصر حامد أبو زيد والسيدة حرمه للتفريق بينهما بزعم الكفر والارتداد عن الإسلام إليكم الآتي:

أولًا

بشأن ما أتى في صحيفة الدعوى من اتهامات بالعداوة الشديدة لنصوص القرآن والسنة، ورفض السنة وتجاهل ما أتت به، وأنه يحمل هذه النصوص كل أوزار الأمة الإسلامية وأوضاعها المتخلفة، وأنه لم يترك مناسبة في كتابه الصغير للغض من النصوص وتحقيرها وتجاهُل ما أتت به إلا انتهزها، وأن كتبه تحوي كفرًا يُخرجه عن الإسلام، وأنه يذهب إلى أن الإسلام دين عربي، وأنه يرى أن القرآن أسطورة وانتماءه إلى المصدر الغيبي أسطورة، وبناءً عليه فهو مرتد — كما أتى في صحيفة الدعوى — يلزم إيضاح ما يلي:

إن هذه الاتهامات مبنية على اقتطاعات واجتزاءات لعبارات من سياقاتها، وفهمها فهمًا خاصًّا لا تقوله الكتب المشار إليها، ولا العبارات المجتزأة منها حتى لو قُرئت بعيدًا عنها. وهذه العبارات التي تؤسس عليها الدعوى بردة وكفر المدعى عليه كما وردت هي:

الدستور طبقًا لوجهة نظرهم، فالخلاف الأصلي والجوهري: مَن هو المرتد؟ وهل المدعى عليه الأول كذلك أم لا؟

ويمكننا أن نساير القول — من باب الجدل العقلي ليس إلا — إنه إذا أعلن شخص ارتداده بتغيير دينه بإقراره أو بوثيقة رسمية غير قابلة للدحض، فليطبق عليه ما يطبق وقتها.

لكن المدعى عليه الأول ليس كذلك، ومن ثَم فتمسكه بعقيدته وإعلانه إسلامه ينفي عنه أي تطبيق لأي أحكام من وجهة نظر المدعين، ويَحول بين أي شخص كائنًا مَن كان، أن يشق صدره بحثًا عن مكنون لم يعبر عنه بل ويعبر عن غيره، لأن هنا وفي هذه الحالة، يكون ذلك الأخير يرتكب اعتداء على الدستور وعلى ما يحميه من حرية للعقيدة والفكر.

ويلزم هنا الإشارة إلى أن التمسك بالقواعد القانونية الصحيحة، لا يعني بالضرورة الوصول إلى نتائج قانونية صحيحة، إذ كم نرى مَن يذكرون قواعد قانونية مجردة صحيحة، لكن عند إعمالها على هذه الواقعة أو تلك، يستخلصون منها ما يخالفها وما يناقضها وما ينفيها في ذاتها.

لذا ليس كل صحيح القول، يراد به صحيح النتيجة.

لذلك ولكل ما تقدم، ولما سيبديه الزملاء أعضاء هيئة الدفاع من أسباب أفضل، ولما ستصل إليه المحكمة من أسانيد أقوى، تلتمس المدعى عليها الثانية الحكم برفض الدعوى.

ولكن يبقى كلمة أخيرة — حول ما يحدث كله.

إن المدعين فيما قاموا به بالزج بالمدعى عليهما الأول والثانية أمام «علم تحليل الخطاب»، وهو علم يهتم بكل أنواع «القول» أو «الخطاب» سواء كانت مكتوبة أو منطوقة، وسواء كانت لغوية أو غير لغوية، أي إنه يعتبر كل أداء في العالم نصًّا وخطابًا قابلًا للتحليل والتفسير والقراءة.

وبناءً عليه فإن الثقافة الشعبية كالأمثال والمأثورات نصوص كما أن العادات والتقاليد والمجاملات نصوص، تُحلل وتفسر وتكتشف دلالاتها وقوانين عملها وفقًا لمنهجية علمية في القراءة والتفسير تستند إلى مجموعة من العلوم الاجتماعية الإنسانية المعاصرة، فضلًا عن غيرها من العلوم البحتة كالمنطق والرياضيات والإحصاء. وأحد المفاهيم الأساسية لهذا العلم هو مفهوم السياق الذي يمثِّل ركيزة من الركائز التي ينهض عليها هذا العلم لتأسيس الفهم العلمي للنصوص وإنتاج دلالاتها. ولعله يجدر بمن يريد أن يحكم على نصوص تسعى إلى تأسيس علم النص، وإلى تأسيس الاعتداد بالسياق الذي لا يمكن فهم أي نص أو الحكم عليه بدونه، ألا يهدر السياق وهو يتعامل معها، فضلًا عن غيرها من النصوص.

لكن للأسف هذا هو ما يحدث مع هذه العبارة المنتزعة من سياقها ومع ما سيرد من عبارات أخرى، فدلالة النصوص في العبارة المشار إليها لا تنصرف على الإطلاق إلى نصوص القرآن والسنة إلا لدى مَن لديه نية مبيتة على أن يفهمها على هذا النحو لأسباب في نفسه هو لا في العبارة. ذلك أن سياق العبارة الواضح تمامًا هو سياق تحليل نصوص الإمام الشافعي، ومن ثَم يكون معنى التحرر في هذا السياق منصرفًا إلى نصوص الأسلاف، وهو ما يعني فتح باب الاجتهاد وإعمال العقل في نصوصهم، وتحليل هذه النصوص بأدوات العلم المعاصر، اللهم إلا إذا كان هناك من يرى أن الأسلاف من الأئمة معصومون لا تجوز عليهم القوانين البشرية من إصابة وخطأ، وأن ما قالوه هو اجتهاد قد يصيب وقد يجانبه الصواب، مثلما يكون مقصود السلطة في هذه العبارة هو سلطة الجهل والتقليد دون درس وفحص واختبار لسلامة أقوال الأسلاف أو المعاصرين. فالدعوى للتحرر من سلطة النصوص تعني التحرر من سيطرة نصوص الأسلاف، والتحرر من تقبلها دون إعمال للعقل واجتهاد العقل الذي حرص الإسلام والقرآن على إعماله والانتفاع به وليس على إغلاقه وتعطيله، الاجتهاد الذي فتح النبي بابه لكل مسلم حين قال: «أنتم أعلم بشئون دنياكم». ولا شك في أن أقوال الأسلاف ونصوصهم تعطل شئون دنيانا وتجهلنا بها، ثم إن سلطة النصوص هي سلطة يضفيها العقل الإنساني ولا تنبع من النص ذاته.

ثانيًا

والعبارة الثانية التي تستند إليها صحيفة الدعوى لاتهام المدعى عليه بالردة ولإثبات أن ما يقصده بالعبارة السالفة هو القرآن والسنة هي «إن تثبيت قراءة النص الذي نزل متعددًا في قراءة قريش كان جزءًا من التوجيه الأيديولوجي للإسلام لتحقيق السيادة القرشية».

وتلك صورة أخرى لعزل السياق عن نص العبارة أو عزل العبارة عن سياق نصها، ومن تشويهها واستنتاج ما لذ وطاب للمستنتج. فالسياق الذي ترد فيه العبارة هو سياق كيف تعامل الإمام الشافعي مع قضية نزول القرآن على سبعة أحرف وموقفه من الكلمات الأجنبية أو غير العربية في القرآن، مع مقارنة موقفه بمواقف غيره من الأسلاف والأئمة.

والأحرف السبعة لهجات مختلفة كان يُقرأ بها القرآن تيسيرًا أو تسهيلًا على المسلمين حتى زمن الخليفة الثالث عثمان بن عفان. وهذا أمر قال به القدماء والمحدثون، ولعل مراجعةً لكتاب الطبري جامع البيان عن تأويل آي القرآن (الجزء الأول، صفحة ١٣-١٤) تؤكد ذلك، حيث يورد «أن الأمة أُمِرت بحفظ القرآن وخُيرت في قراءته بأي تلك الأحرف شاءت … فرأت — لعلة من العلل أوجبت عليها الثبات على حرف واحد — قراءته بحرف واحد ورفض القراءة بالأحرف الستة الباقية»، وهو نص وارد أيضًا في كتاب الإمام الشافعي لم تشر إليه بالطبع صحيفة الدعوى، أي إنه ليس قولًا من عند المؤلف وإنما هي مسألة معلومة معروفة منصوص عليها في كل كتب تاريخ القرآن وفي التفاسير، بل إن الدكتور عبد الصبور شاهين الذي تستشهد به صحيفة الدعوى قد أوردها في كتابه تاريخ القرآن (دار القلم، القاهرة، ١٩٦٦م) حيث يقول في صفحة ٤٣: «الذي نرجحه في معنى الأحرف السبعة ما يشمل اختلاف اللهجات وتباين مستويات الأداء الناشئة عن اختلاف السن وتفاوت التعليم وكذلك ما يشمل اختلاف بعض الألفاظ وترتيب الجمل بما لا يتغير به المعنى المراد.» هذا نص عبد الصبور شاهين، الذي يعود مرة أخرى لكي يصف الأحرف السبعة صفحة ٧٧ من الكتاب ذاته ﺑ «القراءة بالمعنى» ويقول إنها من روح التيسير الذي تميز به الإسلام! فهل زعم أحد أنه مرتد أو كافر؟ إذَن فالواقعة مثبتة تاريخيًّا وواكبتها مصادمات معروفة في التاريخ.

ثالثًا

أما العبارة الثالثة التي تستند إليها صحيفة الدعوى بوصفها دليل كفر وردة فهي «أن النص الثانوي هو السنة النبوية والنص الأساسي هو القرآن». وتفسير هذه العبارة على أنها تحوي أو تدل على إنقاص من شأن السنة ليس في الواقع سوى نتاج عدم فهم المصطلحات والمفاهيم المستخدمة كما سبقت الإشارة، فكلمة «ثانوي» هنا لا تعني ولا تشير من قريب أو من بعيد إلى أي دلالة سلبية بمعنى تافه مثلًا أو لا قيمة له كما تحاول الصحيفة أن توحي، وإنما هي مستخدمة انطلاقًا من مفاهيم «تحليل الخطاب وعلم النص» المشار إليها سلفًا، حيث يفرق مجال تحليل الخطاب بين «الواقعة الأصلية» أو النص الأصلي الأولي الأساسي الذي هو في هذا السياق القرآن الكريم، والنصوص التالية الشارحة والمفسرة لهذا النص على أنها ثانوية بحكم كونها مبنية عليه ودائرة حوله وتتحرك باتجاهه وفي فَلَكه. وبما أن السنة النبوية الشريفة تدور حول تعاليم القرآن شرحًا وبيانًا وتفسيرًا فهي بالنسبة إليه نص ثانوي، وهو ما لا يحتمل أي مجال للبس بالنسبة إلى مَن له أدنى صلة أو معرفة بدلالات هذه المصطلحات والمفاهيم في مجالاتها المعرفية. وعليه فليس هناك ما يمس العقيدة أو قيمة السنة النبوية الشريفة ومكانتها، بأي صورة من الصور.

رابعًا

تنتزع الصحيفة أيضًا عبارة أخرى من سياقها يربط فيها المدعى عليه بين تصوُّر الإمام الشافعي عن إطلاقية النص وشموليته ومفهوم «الحاكمية» في الخطاب السلفي المعاصر، والعبارة التي تستشهد بها الصحيفة هي «هذا الموقف يعكس رؤية للعالم والإنسان تجعل الإنسان مغلولًا دائمًا بمجموعة من الثوابت التي إذا فارقها حَكَم على نفسه بالخروج من الإنسانية، وليست هذه الرؤية للإنسان والعالم معزولة تمامًا عن مفهوم «الحاكمية» في الخطاب الديني السلفي المعاصر حيث ينظر إلى علاقة الله بالإنسان والعالم من منظور علاقة السيد بالعبد الذي لا يتوقع منه سوى الإذعان، ولما كانت رؤية الشافعي تلك للعالم كرَّسَت في واقعها التاريخي سلطة النظام السياسي المسيطر والمهيمن، فإنها تفعل الشيء ذاته في الوقت المعاصر».

إن منطق «لا تقربوا الصلاة» لا بد من أن يزيف الحقائق ويشوِّه المقاصد، ذلك أن العبارة واردة في سياق موقف الشافعي من الاستحسان، وربط الشافعي الدائم بين «الاستحسان» والخلاف المكروه والتنازع، وهو ما يعني أن العقل مقيَّد تمامًا ليس من حقه أن يستحسن أو يستقبح أمرًا. ومثل هذا التصور هو ولا شك الخطر على العقيدة. كما أن هذا الغياب للعقل ودوره في الاستحسان وفي الاجتهاد ليس بعيدًا عن مفهوم «الحاكمية» كما هو في الخطاب السلفي المعاصر، لدى أبي الأعلى المودودي وسيد قطب الذي أخذه عنه، وغيرهما ممَّن يسيرون على الدرب.

إن خطورة هذا المفهوم هو أنه يلغي تمامًا فهم الإسلام تلك المناطق الدنيوية التي تركها للعقل وللخبرة والتجربة كما وردت في قول النبي «أنتم أعلم بشئون دنياكم». فما الذي يمس العقيدة في هذا الكلام؟ وهل هذا الكلام يمثِّل خطرًا على العقيدة، أم عدم إعمال العقل والجهل هما الخطر الحقيقي على العقيدة والأمة كلها؟

أما بقية العبارة فمقصودها — وفقًا لسياقها هي وليس للكيفية التي يجتزؤها بها مَن في نفوسهم مرض — ليس على الإطلاق نفي علاقة العبودية بين المسلم والله، حاشا لله، وإنما تقصد أن مفهوم «الحاكمية» يطرح تصورًا وفهمًا ضيقًا للإسلام؛ إذ لا يعكس من علاقة الله بالعالم والإنسان إلا الجانب الخاص بالترهيب والوعيد، في حين أن الإنسان لا يكون عبدًا لله إلا باختياره هو كإنسان، كما أن الله، جل وعلا، لا يُطلق لفظ العبد إلا على مَن آمن به واختار أن يكون عبدًا له، ولهذا قال الله «مَن شاء فليؤمن ومَن شاء فليكفر» وهو مبدأ إسلامي عظيم دون شك، يطرح تصورًا مختلفًا للتصور الذي تطرحه الحاكمية لعلاقة الله بالإنسان. إن ما لم يدركه المدعون هو الفرق الدلالي بين الطاعة والإذعان، فالإذعان لا يكون إلا نتاج الخوف والإجبار، أما الطاعة فأمرها مختلف، حيث هي في علاقة المؤمن بربه وليدة حب واختيار وقبول، فشتَّان بين الأمرين وما يترتب عليهما من صورة للإسلام. إن القرآن الكريم كما يطرح علاقة العبودية بالمعنى السالف يطرح أيضًا علاقة «الحب» بين المؤمن وربه، وهي العلاقة المغفلة تمامًا في الخطاب الديني السائد الذي يركز فقط على عبودية الخوف والإذعان.

خامسًا

يدعي أصحاب الدعوى أن المدعى عليه لم يترك مناسبة في كتابه الصغير للغض من النصوص وتحقيرها وتجاهل ما أتت به إلا انتهزها، وهي دعوى مطلقة على عواهنها من غير شاهد أو برهان أو تحديد لماهية هذه النصوص. هذا فضلًا عن أن هناك بونًا شاسعًا بين ما يقصده المؤلف بهذه الكلمة وبكلمة «نص» في السياقات التي ترد فيها، والكيفية التي يفهم بها، أو يريد أن يفهم بها، متهموه هاتين الكلمتين، وهو ما سبق توضيحه.

سادسًا

تورد صحيفة الدعوى نصًّا آخر من كتاب الإمام الشافعي بوصفه شاهد كفر وردة، وهو «يبدأ الشافعي حديثه عن الدلالة بتقرير مبدأ على درجة عالية من الخطورة فحواه أن الكتاب يدل بطرق مختلفة على حلول لكل المشكلات والنوازل التي وقعت أو يمكن أن تقع في الحاضر أو في المستقبل على السواء. وتكمن خطورة هذا المبدأ في أنه المبدأ الذي ساد تاريخنا العقلي والفكري، وما زال يتردد حتى الآن في الخطاب الديني بكل اتجاهاته وتياراته وفصائله، وهو المبدأ الذي حول العقل العربي إلى عقل تابع يقتصر دوره على تأويل النص واشتقاق الدلالات منه.»

والمدعون يعلقون على هذا النص بأن «هذا الذي أنكره المعلن إليه على الشافعي إنما هو المعنى الحرفي لقوله تعالى وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (سورة النحل، آية ٨٩)، وهو أيضًا (إكمال الدين) في قوله تعالى الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا (سورة المائدة، آية ٣).»

كما يأخذون على المؤلف عبارة أخرى في السياق نفسه، وهي «والشافعي حين يؤسس المبدأ — مبدأ تضمن النص حلولًا لكل المشكلات — تأسيسًا عقلانيًّا يبدو وكأنه يؤسس بالعقل إلغاء العقل» بوصفها شاهد كفر وردة.

ولا شك في أن القول بخطورة هذا المبدأ الذي يؤسسه الشافعي لا يعني الردة والكفر، ذلك أن الإمام الشافعي ليس إلهًا أو نبيًّا معصومًا لا يجوز الاختلاف معه أو مع ما يؤسسه من مبادئ إلا إذا كان هناك من يريد أن ينزله هذه المنزلة، تعالى الله عما يصفون. أما القول إن ما يؤسسه الشافعي هو المعنى الحرفي للآيتين فهو مغالطة صريحة ناتجة عن أن بعض الآيات يكون لفظها عامًّا بينما مرادها خاصًّا وهو ما يُعرف بإطلاق لفظ العموم مع إرادة الخصوص، وهو ما يتطلب ما يُعرف في علم التفسير بتقييد المطلق. ولا شك في أن عملية تقييد دلالة مفردة أو كلمة قرآنية، كما هو معروف، يكون محكومًا بالسياق العام للنص القرآني كله والسياق الخاص للآية التي تحوي الكلمة. وأحد المبادئ الأساسية التي تحكم عملية التفسير هنا أو تقييد الدلالة هو ألا يصطدم التفسير مع هذا السياق العام أو يتناقض مع سياق الآية ذاتها، وهي أمور يعرفها كل دارسٍ نَبِيهٍ لعلوم التفسير. ولا شك في أن حمل آية سورة النحل وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ على دلالة العموم والإطلاق هو ما يمثل إساءة صريحة وخطيرة للقرآن، ذلك أن التسليم بحمل عبارة «لكل شيء» على معناها الحرفي، بحيث تعني أن القرآن يحوي حلولًا لكل المشكلات أو النوازل التي وقعت أو يمكن أن تقع في الحاضر والمستقبل، وهو الذي يضع القرآن موضع الطعن والتشكيك من قِبل أي أحد يريد هذا، بل ويعطي فرصة لكل خصم ورافض للقرآن أن يتساءل: أين هو تبيان القرآن لحل مشكلة الانفجار السكاني أو أزمة المواصلات ومشكل استصلاح الأراضي أو تفشي مرض السرطان … إلخ، وهي مشكلات دون شك غير مطالب القرآن بتقديم حلول لها، إلا أن حمل الآية على هذا التفسير يُفضي إلى هذا المأزق السخيف.

ذلك إنما ينتج عن عدم فهم الآية في سياق النص القرآني كله، ذلك أن فهمها في ظِل هذا السياق لا يجعل أحدًا يطالب القرآن بما لم يُعلن القرآن مسئوليته عنه. لقد كرم العقل مثلما كرم الله الإنسان بالعقل وجعله محاسبًا عن كيفية استخدامه لهذا العقل، ولذا جعله أيضًا هو المسئول عن حل ما يواجهه من مشاكل … وأتت السنة الشريفة لتؤكد ذلك حين قال الرسول : «أنتم أعلم بشئون دنياكم». فلم يدَّعِ القرآن أنه كتاب في الطب أو الميكانيكا أو الذرة، وإنما هو كتاب الله الذي يحمل رسالته للإنسان، ومن ثَم فهو كتاب عقائد وعبادات يحدد أُطر تعامل للإنسان وسعيه في العالم انطلاقًا من هذه العقائد. وإذَن يكون تبيان كل شيء عائدًا على كل شيء من هذه الأشياء تحديدًا، وليس هكذا على إطلاق الأشياء، وإلا أسأنا إلى القرآن وإلى أنفسنا. وكذلك معنى «الإكمال» في آية سورة المائدة، إذ يقول تعالى الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ فالإكمال هو إكمال للدين، وليس لشيء سواه، فلم يقُل أكملت علومكم أو معارفكم أو شئون دنياكم، حاشا لله عما يفهمون.

سابعًا

تجتزئ صحيفة الدعوى كشأنها المستمر عبارة أخرى من سياقها في كتاب مفهوم النص وتوردها بوصفها شاهد كفر، دون أن تشير أي إشارة إلى سياقها أو دلالتها في موضعها من الكتاب، أو حتى تكلف نفسها عناء إكمالها بما يسبقها أو يلحقها ذلك قصدًا للتمويه والتعمية. والعبارة هي «الإسلام دين عربي»، هكذا توردها الصحيفة متهمة صاحبها بمناقضة آيات القرآن التي تشير إلى أن الإسلام موجه للبشر كافة، وهو الأمر الذي لم ينقضه صاحب العبارة بكلمة واحدة أو حرف واحد في كل ما كتب، ولكن هكذا يكون التشويه واقتطاع الكلام وتحريفه عن مقاصده، وإلا فكيف يدين ويتهم دون تزييف مَن يريد الإدانة والاتهام من غير بيِّنة. والعبارة لا تَرِد هكذا في الفراغ، وإنما تأتي في سياق الحديث عن تحديد مفهوم العروبة، وأن مفهوم العروبة لا يقوم على الجنس أو العِرق بمعناه العنصري، خصوصًا وأن النقاء العرقي الخالص وهم، وإنما يقوم في الأساس على مفهوم الثقافة من لغة ودين وتراث مشترك. والعبارة في صورتها المكتملة كما هي في نص الكتاب هكذا «ومن منظور الثقافة فالإسلام دين عربي، بل هو أهم مكونات العروبة وأساسها الحضاري والثقافي» (مفهوم النص، صفحة «٢٦»، الهيئة المصرية العامة للكتاب)، فالعبارة لا تحتاج أن يترجم عنها أحد وإنما تشرح نفسها بشكل غاية في الوضوح لمن أراد أن يفهم، فهي تقول باختصار وبتكرار لما فيها أن الإسلام هو الأساس الثقافي والحضاري للعروبة، وهو ما لا يحتمل لبسًا أو مغالطة.

لكن صحيفة الدعوى تقتطع هذا الجزء من العبارة غير المكملة الواردة أصلًا في متن الكتاب وتقرنه إلى عبارة أخرى وردت في هامش الكتاب، وليس في متنه، لتوهم بما تريد أن توهم به من مناقضة للآيات التي تشير إلى كونية الرسالة. وعبارة الهامش هي «إن الفصل بين العروبة والإسلام ينطلق من مجموعة من الافتراضات المثالية الذهنية أولها عالمية الإسلام وشموليته من دعوى أنه دين للناس كافة لا للعرب وحدهم». إن إيراد عبارة الهامش إلى جوار عبارة المتن على هذا النحو يوهم بما تحاول الصحيفة الإيهام به من مناقضة، في حين أن السياق خلاف ذلك تمامًا، ذلك أن المتن الذي تمثل هذه العبارة هامشًا له يقول «فإذا نظرنا للإسلام من خلال منظور الثقافة تبدَّد ذلك الوهم الزائف الذي يفصل بين العروبة والإسلام» (مفهوم النص، صفحة «٢٥-٢٦»)، وهو ما يعني أن الكلام مُنصَبٌّ على أولئك الذين يفصلون بين العروبة والإسلام ومناقشة هذا الفصل وتبيين دوافعه، التي قد تكون خيرة تمامًا، إلا أنها غير صحيحة من منظور علم الحضارة. بمعنى أن إثبات عالمية الإسلام لا يعني فصله عن سياقه التاريخي العربي الذي نشأ فيه كما لا يعني نزع العروبة عن الإسلام، بدليل ما يَرِد في بقية الهامش الذي اجتزأته أيضًا صحيفة الدعوى دون أن تكمله، حيث يقول المؤلف في الهامش نفسه: «العالمية والشمولية في أية ظاهرة لا يجب أن تنكر الأصول التاريخية للظاهرة بما تتركه من ملامح وسمات تظل مُلازِمة للظاهرة ولا تنفصل عنها» (مفهوم النص، صفحة «٢٦»)، أي إن إثبات العالمية للإسلام لا يعني إهدار عروبة الإسلام، وإلا كيف يُفهَم الإسلام تاريخيًّا وثقافيًّا وهو أساسًا باللغة العربية، ونشأت كل علوم الثقافة العربية حوله، ثم هل يؤدي المسلمون من غير العرب عباداتهم بغير العربية؟

هذا من ناحية، أما من ناحية ثانية هي ناحية على جانب مهم من الخطورة في دعوى أولئك الذين يسعون إلى الفصل بين العروبة والإسلام انطلاقًا من دعوى العالمية، هو أنهم يُحكِّمون معيارًا واحدًا فقط في النظر إلى أبناء التاريخ الواحد والمجتمع الواحد وهو المعيار الديني، دون ما سواه من معايير ثقافية ولغوية وتاريخية، وهو منظور له خطره دون شك على وحدة الوطن وعلى تاريخ الأمة. والمقصود إذَن هو أن فهم الثقافة العربية لا يمكن أن يتم بمعزل عن الإسلام بوصفه أهم مكون من مكونات العروبة، مثلما أن فهم الإسلام لا يمكن أن يتم بمعزل عن الثقافة العربية، وهو أمر لا يتناقض على الإطلاق مع كون الإسلام رسالة للعالمين.

ثامنًا

تقتطع صحيفة الدعوى نصًّا آخر من كتاب مفهوم النص يقول «إن النص في حقيقته وجوهره منتج ثقافي، والمقصود بذلك أنه تشكَّل في الواقع والثقافة خلال فترة تزيد على العشرين عامًا، وإذا كانت هذه الحقيقة تبدو بداهية، ومتفقًا عليها، فإن الإيمان بوجود ميتافيزيقي سابق للنص يعود لكي يطمس هذه الحقيقة البداهية، ويعكر من ثَم — إمكانية الفهم العلمي لظاهرة النص»، ثم تعقبه بنص آخر مقتطع من بحث «إهدار السياق في الخطاب الديني» يقول «يتم في تأويلات الخطاب الديني للنصوص الدينية إغفال مستوى أو أكثر من مستويات السياق لحساب الحديث عن نص يفارق النصوص الإنسانية من كل وجه، إن التصورات الأسطورية المرتبطة بوجود أزلي قديم للنص القرآني في اللوح المحفوظ باللغة العربية لا تزال تصورات حية في ثقافتنا». ثم تعلق على النصين بأن المعلن إليه يرى أن «إعجاز القرآن بهذا المعنى أسطورة وكونه كلام الله أسطورة».

وهي صورة أخرى من صور الخلط والتحريف، لأن لا هذين النصين ولا سواهما قصد فيهما أن كلام الله أسطورة وأن إعجاز القرآن أسطورة. وإنما المقصود ببساطة شديدة وكما يَرِد مباشرة بعد النص الأول الذي اقتطعته الصحيفة قصدًا للإرباك والتشويش، هو «أن الإيمان بالمصدر الإلهي للنص أمر لا يتعارض مع تحليل النص من خلال فهم الثقافة التي ينتمي إليها» (مفهوم النص، صفحة «٢٧»)، وهنا ينبغي التنويه بالفرق بين الإيمان بالوجود الميتافيزيقي السابق للنص والإيمان بالمصدر الإلهي للنص، وهو فارق، وفارق مهم، فالإيمان بالوجود الميتافيزيقي السابق هو الذي يدخل في حيز الأسطورة التي تَرِد لدى المتصوفة من أن القرآن مكتوب في اللوح المحفوظ باللغة العربية، وكل حرف من كلماته في حجم جبل يُسمى جبل «قاف». وجبل «قاف» هذا هو جبل أسطوري يحيط بالأرض من كل جهة، وهي تصورات فضلًا عن وجودها لدى المتصوفة موجودة في وعي كثير من العامة.

القول إذن بأن النصين يعنيان أن إعجاز القرآن أسطورة وأن كلام الله أسطورة ليس سوى ادعاء باطل وفهم مغرض ومتربص، بل إن مقصود النصين، على العكس من هذا تمامًا، هو إزاحة التصورات الخرافية الضارة حول القرآن والإسلام وإزالتها سعيًا لتنقية العقيدة مما يضفيه بعضهم عليها من تشويش وخرافات، وتأسيسًا لها على دعائم العقل والفهم العلمي السليم. فكيف يكون هذا هو القصد والمسعى، ويقلب على هذا النحو الغريب في فهم المقاصد والنوايا؟! ورأي المؤلف في إعجاز القرآن موجود بكامله في الفصل الخاص بالإعجاز في كتاب مفهوم النص لمَن يريد أن يفهم فهمًا موضوعيًّا.

تاسعًا

تقول الصحيفة في القسم الثالث «لم ينفِ المعلن إليه شيئًا من تفكيره — على كثرته — بل لعله رضي به واستراح إليه، بحسبانه معبرًا عن عقيدته وجوهر فكره، الأمر الذي يرقى إلى الإقرار منه بما وصم به»، وهو ادعاء آخر صريح يتجاهل الوقائع ويزيف الحقائق حيث فنَّد المعلن إليه هذه الأباطيل المنسوبة إليه في مقالين نشر الأول في الأخبار بتاريخ ٢٥/ ٦/ ١٩٩٣م تحت عنوان «أبو زيد يرد على البدراوي» ونشر ثانيهما في الأهرام بتاريخ ٤/ ٨/ ١٩٩٣م تحت عنوان «الإسلام بين الفهم العلمي والاستخدام النفعي». وللأسف، فإن تلك المقالات التي كفَّرت المعلن إليه كما تشير صحيفة الدعوى، لم تعنِ نفسها بفهم أعماله وكانت سبًّا علنيًّا مقذعًا.

عاشرًا

تنص عريضة الدعوى في القسم الرابع على أن «المعلن إليه قد ارتد عن الإسلام طبقًا لما استقر عليه القضاء وأجمع عليه الفقهاء» تأسيسًا على أن «الردة شرعًا هي إتيان المرء بما يخرج به عن الإسلام، إما نطقًا وإما اعتقادًا وإما شكًّا ينقل عن الإسلام، ومن أمثلة ذلك فيما ذكره العلماء: جحد شيء من القرآن أو القول بأن محمدًا بُعث إلى العرب خاصة، أو أنكر كونه مبعوثًا إلى العالمين، أو القول بأن الشريعة لا تصلح للتطبيق في هذا العصر، أو أن تطبيقها كان سبب تأخر المسلمين، أو أنه لا يُصلح المسلمين إلا التخلص من أحكام الشريعة، كما قضى بأن مَن استخف بشرع النبي فقد ارتد بإجماع المسلمين».

وحيث إن المعلن إليه لم يقترف أي موجب من تلك الموجبات للردة في ضوء ما تم توضيحه، فإن هذه الدعوى تكون باطلة شكلًا وموضوعًا.

٣

بسم الله الرحمن الرحيم
محكمة الجيزة الابتدائية للأحوال الشخصية
للمسلمين المصريين الولاية على النفس
الدائرة/١١ شرعي كلي الجيزة
مذكرة أولى

بأقوال الدكتور/نصر حامد أبو زيد والدكتورة/إبتهال يونس مدعى عليهما ضد:

الأستاذ/محمد صميدة عبد الصمد المحامي وآخَرين مدعين.

في القضية رقم ٥٩١ لسنة ١٩٩٣م المحدد لنظرها جلسة ٢٥/ ١١ / ١٩٩٣م.

أولًا: الدفع بعدم انعقاد الخصومة لعدم الإعلان صحيحًا في المدة القانونية.

قام الأساتذة المدعون بإعلان عريضة دعواهم إلى المدعى عليهم يوم ٢٥/ ٥/ ١٩٩٣م، وذلك على محل إقامتهم الكائن بمدينة «٦» أكتوبر كما ورد بالعريضة. ولغيابهم وغلق السكن أعلنا في مواجهة مأمور قسم الهرم في حين أن الموطن المذكور يقع دائرة قسم «٦ أكتوبر».

والمادة/١١ من قانون المرافعات أوجبت على المحضرين أن يسلموا ورقة الإعلان في اليوم ذاته إلى مأمور القسم الذي يقع موطن المعلن إليه في دائرته. وقد استقر قضاء محكمة النقض على أن تسليم ورقة الإعلان إلى جهة الإدارة غير التي يقيم في دائرتها المراد إعلانه يجعل الإعلان باطلًا ولا يرتب أي أثر قانوني.

«لا يكون الإعلان صحيحًا إلا إذا سُلِّمَت صورته إلى العمدة أو شيخ البلد الذي يقع موطن المطلوب إعلانه في دائرته وإذن فمتى كان الحكم المطعون فيه، إذ قضى بعدم قبول استئناف الطاعن شكلًا، تأسيسًا على أن إعلان الحكم الابتدائي إليه قد وجه إلى شيخ العزبة التي لا يقيم فيها وهو إعلان صحيح قد أقام قضاءه على مجرد القول بأن العزبة التي تَسَلَّم شيخُها الإعلان تابعة للبلدة الكائن بها موطن الطاعن فإنه يكون قد أخطأ تطبيق القانون».

نقض ١١/ ٤/ ٥١ مجموعة القواعد القانونية في ٢٥ سنة الجزء الأول ص/٢٢٧ قاعدة/١٧.

أورد هذه القاعدة القانونية التي تضمنها حكم النقض المذكور الأستاذان/عز الدين الدناصوري، والمحامي حامد عكاز في كتابهما: التعليق على قانون المرافعات ص/٥٣ — الطبعة الثانية — ١٩٨٢م.

كما أورده الأستاذان/حسن الفكهاني وعبد المنعم حسني في «الموسوعة الذهبية للقواعد القانونية التي قررتها محكمة النقض المصرية منذ إنشائها عام ١٩٣١م — الإصدار المدني — الجزء الثاني القاعدة القانونية رقم ١٩٨٠ — صفحة ١٠٥٥ — الطبعة الأولى سنة ١٩٨٢م — إصدار الدار العربية للموسوعات».

وقد وردت هذه القاعدة تحت عنوان:

تسليم صورة الإعلان إلى شيخ البلد الذي لا يقع موطن المعلن إليه في دائرته يجعل الإعلان باطلًا.

كما وردت القاعدة القانونية المؤسسة على حكم محكمة النقض في القاعدة القانونية رقم/١٧ — ص/٢٢٧ من الجزء الأول من مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة النقض — الدائرة المدنية منذ إنشائها ١٩٣١م حتى ٢١/ ١٢/ ١٩٥٥م — الدائرة المدنية — الجزء الأول — المكتب الفني بمحكمة النقض — الطبعة الأولى.

إذن هذا مستقر ومتواتر ولا يخلو منه مرجع قانوني رصين.

وفي الحكم المذكور نجد أن محكمة النقض قد خطأت محكمة الاستئناف العليا لأنها أجازت إعلانًا سلَّمَه المُحضر إلى شيخ بلدة لا يقيم بدائرتها المراد إعلانه ووضحت ذلك الخطأ بمخالفة القانون.

والمدعى عليهما الدكتور/نصر والدكتورة/إبتهال، كما ورد بعريضة افتتاح الدعوى يقيمان بدائرة قسم «٦ أكتوبر» وصورتا العريضة سُلِّمَتا إلى قسم الهرم حيث لا يقيم بدائرته المدعى عليهما ومن ثَم فيكون إعلانهما بعريضة الدعوى باطلًا إذ خالف صحيح القانون.

والمدعى عليهما حضرا أمام عدالة المحكمة بجلسة ٤/ ١١ / ١٩٩٣م أي بعد «٥ شهور ونصف» من تاريخ قيد الدعوى ومن ثَم وطبقًا لنص المادة/٧٠ من قانون المرافعات فإنهما يطلبان اعتبار الدعوى كأن لم تكُن نظرًا إلى عدم تكليفهما بالحضور تكليفًا صحيحًا خلال «٣» شهور من تقديم الصحيفة إلى قلم الكتاب. وذلك راجع إلى فعل الأساتذة المدعين لأنهم عندما استلموا أصل الصحيفة وجدوا أن صورتها سُلِّمَت إلى قسم الهرم وليس «٦ أكتوبر». وهم أساتذة محامون يعلمون أن هذا خطأ قانوني واضح كان يتعين عليهم تصحيح هذا الخطأ في خلال «٣ شهور» المنصوص عليها في المادة/٧٠ مرافعات وإذا لم يفعلوا فإن المدعى عليهما يطلبان الحكم باعتبار الدعوى كأن لم تكن.

ومن حصيلة جمعية بطلان إعلان تسليم الصور إلى قسم الشرطة الذي يقيم في دائرته المدعى عليهما مع مضِيِّ «٣ شهور» من وقت رفع الدعوى ودون تكليفهما تكليفًا صحيحًا. من مجموع هذه الأمور لا تكون الخصومة قد انعقدت وأصبح الدفع بعدم انعقاد الخصومة لعدم الإعلان صحيحًا في المدة القانونية قائمًا على سند قويم من القانون.

ثانيًا: الدفع بعدم اختصاص المحكمة ولائيًّا بنظر الدعوى لأن المحكمة لا تختص ولائيًّا بالحكم على مواطن بصحة إسلامه وردته

حتى تقضي عدالة المحكمة بالتفريق وهو طلب الأساتذة المدعين يتعين عليها أن تحكم بردة الزوج (المدعى عليه الأول) ولا يوجد نص في القانون المصري ولا في لائحة ترتيب المحاكم الشرعية يجيز لأي محكمة أن تقضي بصحة إسلام مواطن أو كفره أو ردته.

والأحكام التي صدرت من دوائر الأحوال الشخصية بالتفريق كانت فيها ردة الزوج ثابتة بطريقة لا تدع مجالًا للشك مثل اعتناق مذهب البهائية:

المبدأ رقم/١٠ — صفحة/٥٤٢ من كتاب مبادئ القضاء الشرعي في ٥٠ عامًا للأستاذ/أحمد نصر الجندي القاضي (المستشار فيما بعد) طبعة دار الفكر العربي.

وهو حكم أصدرته المحكمة الشرعية لمحافظة/سيناء في ١٤/ ١٢/ ١٩٤٤م في القضية ١٦ لسنة ١٩٤٤م أو أن يقر الزوج بعد إسلامه أنه على غير دين بالمبدأ/١١ صفحة/٥٤٥ من المرجع السابق.

وهو حكم صادر من محكمة أبو تيج الشرعية في القضية ١٣٧ لسنة ١٩٣٧م في ١٣/ ٣/ ١٩٤٦م، أو في حالة مسيحي أسلم ثم رجع إلى المسيحية — المبدأ رقم/٩ ص/٥٤٠ من المرجع السابق وهو حكم أصدرته محكمة شبرا الشرعية في القضية ١٤٤٩ لسنة ١٩٣٩م.

ففي هذه الأحوال ردة الزوج كانت ثابتة ثبوتًا قاطعًا لا شك فيه ولم تتعرض أي من هذه المحاكم إلى عقيدة الزوج لأن عقيدته كانت أمامها واضحة فهو إما بهائي وإما مسيحي أسلم ثم عاد إلى مسيحيته أو مسلم أعلن ذاته أنه لا يدين بأي دين من الأديان.

أما أن يُؤتَى بمسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ثم يُطعَن في إسلامه توصُّلًا إلى التفريق بينه وبين زوجته فهذا غير صحيح لا في الشرع ولا في القانون ولا يقال دفعًا لذلك أن المدعى عليه الأول صدرت منه كتابات يُفهَم من قراءتها أنها خروج على الإسلام؛ لأن فهوم الناس تتفاوت، فما يراه واحد خروجًا يرى فيه الآخر غير ذلك.

ولقد قال الإمام علي (كرَّمَ الله وجهه): «إن القرآن حمَّال أوجُه» أي تختلف مدارك الناس في فهمه وتأويله، ولله المثل الأعلى.

فقد ضرب الله لنوره مثلًا بالمشكاة، نقول إذا كان كلام الله جل شأنه يحمل عدة تأويلات، وهذا ما حدث بالفعل على طول التاريخ الإسلامي، فإنه من باب أولى تختلف العقول في التأويل بالنسبة إلى قول البشر. وإذا كان كلام الله (جل شأنه) يتسم بالكمال المطلق ومع ذلك يتسع لتأويلات متباينة فإن كلام البشر الذي يعتوره النقصان من باب أولى يحتمل ذلك وزيادة. ولا عبرة برأي فلان أو برأي علان من المشيخة أو الدكاترة فهم بشر وليسوا بمعصومين، ولا قداسة لرأيهم، فقد قال الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان شيخ المذهب عن التابعين وهم مَن هم، ذلكم الجيل الثاني الذين رأوا الصحابة رضوان الله عليهم، وتتلمذوا عليهم، وعنهم تلقوا العلم الشريف هؤلاء قال عنهم أبو حنيفة (نوَّرَ الله قبره): «هم رجال ونحن رجال» أي لا عصمة ولا قدسانية لهم.

وقال الإمام مالك، شيخ المالكية (رضي الله عنه):

«كل شخص يُؤخَذ منه ويُرَدُّ عليه إلا صاحب هذا المقام» وأشار إلى الحضرة النبوية الشريفة، ومعنى عبارته: إن العصمة للرسول الأعظم وإنه هو المعصوم فقط، وإنَّ ما عَدَاه يُؤخَذ من كلامه ويُرَدُّ عليه.

ونخلص من ذلك إلى أن المشيخة والدكاترة الذين استشهد بهم الأساتذة المدعون لإثبات خروج المدعى عليه الأول عن أحكام الإسلام ليست دليلًا على ذلك. والطريق مقطوع أمام عدالة المحكمة الموقرة عن بحث عقائد المتقاضين والتفتيش في قلوبهم.

ولقد استقرت أحكام المحاكم الشرعية ومن بعدها دوائر الأحوال الشخصية على أنه: المعمول عليه بين العلماء أنه لا يُفتى بكفر مسلم أمكن حمل كلامه على محمل حسن أو كان في كفره خلاف … وخطورة هذا الموضوع تتضح من تحرُّج الأئمة من الفقهاء من الإفتاء بتكفير أي مسلم، حتى إن صاحب البحر (رضي الله عنه) ألزمَ نفسه ألا يفتي بشيء من ذلك.

إذَن الإسلام الثابت لا يزول بالشك بل هو يعلو ولا يُعلى عليه لأنه الحق، والكفر شيء عظيم لا يُصار إليه إلا إذا حصل ما يؤكد وقوعه من غير شك.

القضية رقم/٤٠١ / ٣١/طنطا في ٣/ ٤/ ٣٧ — ص/٣٧٥ من المرجع السابق.

وفي حُكم آخَر أصدرته محكمة أشمون الشرعية في القضية ١٣٥٧ لسنة ٣٢ في ٢٨/ ١٠/ ١٩٣٣م حُكم قضى أنه:

«ما يُشَك أنه ردة لا يحكم بها إذ الإسلام الثابت لا يزول بالشك على أن الإسلام يعلو وينبغي للعالم إذا رُفع إليه هذا ألا يبادر بتكفير أهل الإسلام …»

وفي الفتاوى الصغرى: الكفر شيء عظيم فلا أجعل المؤمن كافرًا متى وجدت رواية أنه لا يكفر.

وفي الخلاصة وغيرها: إذا كان في المسألة وجوه توجب التكفير ووجه يمنعه فعلى المفتي أن يميل إلى الوجه الذي يمنع التكفير تحسنًا للظن بالمسلم.

وفي التارخانية: «لا يُكفَّر بالمحتمل لأن الكفر نهاية العقوبة فيستدعي نهاية في الجناية ومع الاحتمال لا نهاية».

المرجع السابق ص/٥٤٠ — ويختتم الحكم المذكور حيثياته بالعبارة الرائعة الآتية:

«تلك نصوص الأجلاء من الأحناف يرى المُطَّلِع عليها أنهم فهموا روح الدين الإسلامي فهمًا صحيحًا.»

ونحن نقول: إن هذا مسلك الأئمة الأجلاء من السلف الصالح رضوان الله عليهم، فما بالنا نرى الخلف يعدل عن هذا المنهج القويم ويسارع إلى تكفير المسلم.

فإذا قال الأساتذة المدعون إن سند دعواهم هو الفقه الحنفي الذي يلجأ إليه قاضي الأحوال الشخصية إذا لم تسعفه نصوص القوانين، قلنا لهم إن الفقه الحنفي يمنع الحكم على مسلم بالكفر ثم الردة على مجرد الظنون والاحتمالات وعلى أقوال (أو كتابات) تحتمل عديدًا من التأويلات والتفسيرات، لأن الإسلام هو الذي يعلو — وليس من روح الإسلام التسرع في تكفير المسلمين.

وهكذا يبين لعدالة المحكمة أن الدفع الثاني بعدم اختصاص المحكمة ولائيًّا بنظر الدعوى يقوم على سند قويم من الشريعة الإسلامية وبالأخص الفقه الحنفي ثم القانون الوضعي.

ثالثًا: الدفع بعدم جواز طلب المدعين إدخال الأزهر

قام الأساتذة المدعون بإدخال الأزهر ممثلًا في فضيلة شيخه (لإبداء الرأي الشرعي في أقوال د/نصر المدعى عليه الأول).

والمدعى عليهما يدفعان بعدم جواز إدخال الأزهر بالأسباب الآتية:

  • أولًا: المادة/١١٧ مرافعات هي التي حددت اختصام الغير في الدعوى ونصها: «للخصم أن يُدخل في الدعوى مَن كان يصح اختصامه فيها عند رفعها» فهل الأزهر مما تنطبق عليه عبارة «من كان يصح اختصاصه فيها عند رفعها».

    شراح قانون المرافعات عَرَّفوا اختصام الغير في الدعوى أنه تكليف شخص بالدخول فيها والغرض من ذلك هو:

    • (١) إما الحكم عليه بذات الطلبات المرفوعة بها الدعوى الأصلية أو بطلب يوجه إليه خاصة.
    • (٢) أن يكون الحكم حجة عليه حتى لا يجحد هذه الحُجية بمقولة إنه لم يكُن طرفًا في الدعوى.
    • (٣) إلزامه بتقديم واقعة منتجة في الدعوى تحت يده.

    (انظر على سبيل المثال في شرح هذه المادة كتاب: التعليق على قانون المرافعات ص/٣٢٢، مرجع سابق ذكره.)

    ومن الواضح أن الأساتذة المدعين لا يبغون أن يحكم على الأزهر بطلباتهم الأصلية ولا أن يكون الحكم الصادر فيه حُجة عليه ولا توجد ورقة مشتركة بينهم وبين الأزهر يلزم بتقديمها طبقًا لنص المادة/٢٠ إثبات. وهكذا نرى أن شروط إدخال الغير أو اختصامه غير متحقِّقة في جانب طلب إدخال الأزهر.

  • ثانيًا: ولا يجدي الأساتذة المدعون فتيلًا التمسك بنص المادة/١١٨ مرافعات وذلك أيضًا للأسباب الآتية:
    • (١) الحق الذي ذكرته المادة المذكورة قاصر على المحكمة وحدها ولا ينصرف إلى أطراف الدعوى بأي حال من الأحوال. وهذا ما استقرت عليه أحكام النقض وشارح لقانون المرافعات هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن هذا الحق ليس مطلقًا بل هو مقيد بأن يكون مَن ترى المحكمة إدخاله وثيق الصلة بالدعوى، كأن يكون مختصًّا فيها في مرحلة سابقة، أو تربطه بأحد خصومها رابطة تضامن أو حق أو التزام لا يقبل التجزئة، أو أن يكون وريثًا مع أصل طرفيها أو شريكًا له على الشيوع، أو أن يصيبه ضرر مؤكد من قيام الدعوى والحكم الذي يصدر فيها مع وجود دلائل قوية على تواطؤ أو غش أو تقصير من جانب أحد طرفيها في عدم إدخاله، فتتلاشى المحكمة ذلك بأن تأمر بإدخاله.

    وهذه أمثلة نخلص منها إلى ضرورة وجود رابطة قوية بين مَن تأمر المحكمة بإدخاله وواقعات الدعوى، وواضح أن الأزهر لا يقوم في حقه أي فرض من هذه الفروض.

  • ثالثًا: القانون المصري لا يعرف إدخال خصم في الدعوى ليبدي رأيه والأساتذة المدعون ينقصهم السند القانوني في طلب إدخال الأزهر، فلا قانون المرافعات ولا قانون الإثبات يجيز لهم هذا الطلب، ولعلها السابقة الأولى في تاريخ القضاء في مصر أن يطلب خصم إدخال أجنبي في الدعوى لإبداء رأيه.
  • رابعًا: قانون إنشاء الأزهر والتعديلات التي طرأت عليه بعد ذلك ليس فيه نص يجيز حضوره في القضايا لإبداء رأيه. ونحن نطلب من الأساتذة المدعين أن يدلُّونا على نص في قانون الأزهر وتعديلاته ليخولوا له لإعلان الأزهر إبداء رأيه.
  • خامسًا: ومع التمسك بالأسباب الأربعة المدونة بعاليه في نطاق هذا الدفع، فإن المدعى عليهما يدفعان من داخل هذا الدفع ببطلان الإدخال لأنه جاء مجهلًا، إذ كما ورد في الطلب الختامي للإعلان (وذلك لإبداء الرأي الشرعي في أقوال المدعى عليه المبينة في هذا الإعلان وفي غيرهما مما ضمته كتبه سالفة البيان) وبقراءة ما جاء بإعلان طلب الإدخال نجد الأساتذة المدعين قد اجتزءوا بعض العبارات التي وردت في كتاباته وقطعوها من سياقها، وذلك على طريقة من لا يؤدي الصلاة المفروضة بحجة أنه ورد بالآية الكريمة «ويل للمصلين».

أما عن الكتب فقد جاءت أيضًا مجهلة، إذ ما هو المقصود بالكتب سالفة البيان؟ فالأساتذة المدعون يعترفون في/٢ بأن د/نصر حامد أبو زيد (وقد أصدر عدة كتب وأبحاث) ثم اقتصروا على «٣» كتب منها — فهل رأي الأزهر يكون مستكملًا ووافيًا بالغرض إذا اقتصر على «٣ كتب» من كتب المدعى عليه وأبحاثه التي تربو على ٦٠ ما بين كتاب وبحث ودراسة ومقال علمي.

وهل يكون رأي الأزهر كذلك وافيًا إذا اقتصر على الفقرات المنتزعة من سياقها والتي وردت بإعلان طلب الإدخال وبعريضة الدعوى.

وهل يكون من تكليف ما لا يطاق طلب الأزهر قراءة كل الإنتاج العلمي الذي صدر من د/نصر حامد أبو زيد منذ اشتغاله بالتدريس بالجامعة لما يقرب من ربع قرن.

نخلص من كل ذلك إلى الآتي:

في خصوصية هذا الدفع بالإضافة إلى افتقار طلب إدخال الأزهر إلى السند القانوني الذي يؤازره، فإنه ذاته قد اتسم بالتجهيل والقصور مما يسمه بالبطلان في ذاته، أي حتى لو كان هذا الطلب يتفق وصحيح القانون وهذا مجرد فرض جدلي، فإنه قد شابه عيب بداخله وهو التجهيل والقصور.

رابعًا: عن الموضوع

المدعى عليهما يلتمسان من عدالة المحكمة الموقرة أن تتفضل مشكورة بالحكم في الدفوع الثلاثة المبينة. صدرت هذه المذكرة وهما يحتفظان لنفسيهما بالحق في الدفاع الموضوعي بعد ذلك.

بناءً عليه

ومع حفظ كافة الحقوق الأخرى بسائر أنواعها:

يلتمس المدعى عليهما د/نصر حامد أبو زيد، ود/إبتهال يونس من عدالة المحكمة الموقرة:

  • أصليًّا: صدور الحكم بقبول الدفوع المبينة بصدد هذه المذكرة والحكم بها مع إلزام الأساتذة المدعين المصروفات والأتعاب.
  • واحتياطيًّا: يحتفظان لنفسيهما بالحق في تقديم الدفاع الموضوعي في حينه وإذا لزم ذلك.
وكيل المدعى عليهما
خليل عبد الكريم
المحامي
بتوكيل عام رسمي ٧٥٦٦ ﻫ لسنة ١٩٩٣م
توثيق الجيزة النموذجي

٤

محكمة الجيزة الابتدائية للأحوال الشخصية
للمسلمين المصريين (الولاية على النفس)
الدائرة/١١ شرعي كلي الجيزة
مذكرة ثانية

بأقوال الدكتور/نصر حامد أبو زيد والدكتورة/إبتهال يونس مدعى عليهما.

ضد

الأستاذ/محمد صميدة عبد الصمد المحامي وآخرين.

مدعين:

في القضية رقم ٥٩١ لسنة ١٩٩٣م المحدد لنظرها جلسة ١٦/ ١٢/ ١٩٩٣م.

المدعى عليهما يتمسكان بالدفوع التي قدموها في مذكرتهما الأولى بجلسة ٢٥/ ١١/ ١٩٩٣م ويضيفان الآتي:

أولًا: الدفع بعدم قبول إحالة الدعوى للتحقيق لإثبات خروج المدعي عليه الأول على أحكام الإسلام في أبحاثه.

هذا الطلب أثبته الأستاذ المدعي الأول في محضر جلسة ٤/ ١١/ ١٩٩٣م.

وبدايةً نقرر أن خروج أي مسلم على أحكام الإسلام لا يعني ردته.

فإذا خالف مسلم حُكم الإسلام في شُرب الخمر وشَرِبَها، أو حُكم الإسلام في الربا فتعاملَ به، أو حُكمه في الزنا فزنى، كل هذه الأفعال لا تُخرج مُرتكبها عن الإسلام ولا تجعله مرتدًّا، كل ما في الأمر أن شارب الخمر والزاني يُوقع عليهما الحد المقرر شرعًا، وآكِل الربا عليه عقاب أخروي — ولم يقُل أحد لا من فقهاء المسلمين ولا من عامتهم مثل الأستاذ المدعي الأول أن خروج مسلم عن أحكام الإسلام يجعله مرتدًّا.

هذه واحدة.
أما الأخرى: فإن الأساتذة المدعين يطلبون التفريق بين المدعى عليهما كزوجين، ومن البدهيات في قانون الإثبات أن ما يطلب أحد الخصوم إثباته:

«أ» وقائع متعلقة بالدعوى — «ب» جائز قبولها — (م/٤ من ق الإثبات).

والمدعي الأول لم يطلب إثبات وقائع على الإطلاق ومن ثَم فلا داعي لخوض فيما إذا كانت متعلقة بالدعوى ومنتجة فيها أم لا، بل هو يطلب على ما فهمناه إثبات تفسير لما جاء في أبحاث المدعى عليه الأول، وبحسب تعبير الأستاذ المدعي الأول من خروج على أحكام الإسلام — وهذا ما لا ينطبق عليه الشرط الثاني وهو جواز القبول — إذ معنى ذلك هو الحكم على عقيدة المدعى عليه الأول وعلى نيته فيما كتب، وهذا مما لا يجوز إثباته بأي حال من الأحوال — وسبق أن قلنا إنه لا يوجد قانون في جمهورية مصر العربية يجيز لأي محكمة أن تفتش عن عقيدة أي مواطن وتشق عن صدره وتبحث عن نيته.

إذَن المطلوب إحالته على التحقيق، لا هي وقائع ولا هي متعلقة مما يجوز إثباته قانونًا. ومع أن الأساتذة المدعين بهذا الطلب قد تعدوا الحدود المرسومة لهم كأطراف في الدعوى وحتى مع كونهم محامين، فإن ذلك لا يجيز لهم تعديًا، مثل أي متقاضٍ آخَر.

والتعدي هنا يتمثل في محاولة تفسير القانون وتطبيقه على الدعوى، وهذا من شأن المحكمة وحدها لا من شأن الخصوم:

«تفسير القانون وتطبيقه على واقعة الدعوى هو شأن المحكمة وحدها لا من شأن الخصوم.»

طعن مدني رقم ٣٤٨ لسنة ٢٠ق جلسة ٢٢ / ١٠ / ١٩٥٣م ص/٣٢ من الجزء الأول من مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة النقض ١٩٣١: ١٩٥٥م — المكتب الفني بمحكمة النقض، الطبعة الأولى، سنة ١٩٥٧م.

إن الأساتذة المدعين يبغون من وراء طلب الإحالة إلى التحقيق إحضار شاهدين ليقولا رأيهما في أبحاث د/نصر (المدعى عليه الأول) وهذا العمل مع افتراض حُسن النية لا يُعتبر شهادة بأي حال من الأحوال، ولكنه على أحسن الفروض يُعتبر فتوى، ولا يعرف القانون المصري الاستعانة بفتاوى من قبل القضاء المصري، الذي هو بالنص القانوني وما استقر عليه القضاء في مصر القاضي هو المفتي الأعلى في الدعوى، وليس في حاجة إلى فتوى من أي شخص مهما كان. وحتى لا يماري الأساتذة المدعون في الفرق بين الشهادة والفتوى فإننا نحيلهما على سبيل المثال السريع في الفرق بين الفتوى والشهادة إلى الإمام القرافي وهو من الفقهاء الكبار الذين بينوا الفرق بينهما وبصورة باهرة.

«الشهادة إخبار عن أمر خاص معين على جهة الحقيقة وتنقضي بانقضاء زمانها، مثل الشهادة على رؤية هلال رمضان أو أن لزيدٍ دينارًا على عمرو.»

وإذ إنها (الشهادة) خبر فيجوز عليها ما يجوز عليه من الغلط والسهو والنسيان — بل والكذب المتعمد وغير المتعمد ومن هنا جاء اشتراط العدالة في الشاهد.

(الفروق للإمام شهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي، المجلد الأول، دار المعرفة للطباعة بيروت، دون تاريخ نشر.)

أما المفتي «فهو الذي يجب عليه اتباع الأدلة بعد استقرائها ويخبر الخلائق بما ظهر له منها من غير زيادة ولا نقص إنْ كان المفتي مجتهدًا، فإنْ كان مقلِّدًا — كما في زماننا — فهو نائب عن المجتهد في نقل ما يمضيه إمامه لمَن يستفتيه».

«الإمام شهاب الدين أبو العباس أحمد بن إدريس القرافي في الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضي والإمام — تعليق الشيخ محمود عرنوس وتصحيح عزت العطار، الطبعة الأولى ١٣٥٧ﻫ، مكتب نشر الثقافة الإسلامية بمصر.»

الأساتذة المدعون يطلبون فتوى لا شهادة، والقانون في مصر لا يعرف الاستعانة بالمفتين في أي دعوى لأن المحكمة هي المفتي الأول والخبير الأعلى في أي قضية، كما أننا نلاحظ أن الشريعة والقانون متفقان على أن الشهادة موضوعها (خبر بتعريف الفقهاء وواقعة بتعريف القانون) ولا يكون موضوعها أبدًا رأيًا ولا فكرًا ولا تأويلًا. إنها إذا جاءت كذلك انقلبت إلى فتوى.

والسيد الشريف المعروف ﺑ «الجرجاني» يعرِّف الشهادة بأنها: «هي في الشريعة إخبار عن عين بلفظ الشهادة في مجلس القاضي بحق للغير على الآخَر» كتاب التعريفات.

ويهمنا من هذا التعريف قول الجرجاني إخبار عن عيان. بحق للغير على الآخر. فهل ما يريد المدعون إثباته ينطبق عليه الشروط، وهل خروج د/نصر عن أحكام الإسلام (هذا تعبيرهم) هو عيان وحق للغير على الآخر؟

إن الأساتذة المدعين رفعوا هذه الدعوى على حد قولهم حسبة لله، فهل يجوز لهم مخالفة شريعته ومناقضة ما ذهب إليه أئمة الهدى ومصابيح الأنام والفقهاء الأعلام؟

ألا يلقي هذا بظلال كثيفة على «إسلامية» هذه الدعوى ويكشف عن كيديتها؟!

ومن البداهي أن محكمة الموضوع ليست ملزمة بإجابة الخصم إلى طلب التحقيق، إذا استبان لها أن إجابة هذا الطلب غير منتجة بأن يكون لديها من الاعتبارات ما يكفي للفصل في الدعوى.

انظر على سبيل المثال محكمة النقض في الأحكام الآتي بيانها: «الطعن رقم ٦ لسنة ٢٣ق جلسة ٢٥ / ١٠ / ١٩٥٦م — والطعن ٢٦٩ لسنة ٢٣ق جلسة ٢٣ / ١١ / ١٩٥٦م — والطعن رقم ٢٥ لسنة ٣٢ق جلسة ٢٠/١٢/١٩٥٦م.» 

وكلها منشورة ص/٢٠ في الجزء الثالث من مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة النقض الدائرة المدنية من ٥٦ إلى ١٩٦٠م — المكتب الفني لمحكمة النقض — الطبعة الأولى سنة ١٩٦٥م.

من الواضح أن الأساتذة المدعين رافعي الدعوى يدركون جيدًا أنهم قلبوا الصورة، فكان يتعين عليهم الحصول على دليل رسمي بردة المدعى عليه الأول والعياذ بالله ثم يرفعون دعوى التفريق هذه. ولما كانت هناك هوة تفصل بين طلبهم في الدعوى ودليل الثبوت المطلوب فإنهم تخيروا إلى طلب الإحالة إلى التحقيق وهو طلب غير جائز قانونًا كما أوضحنا.

ثانيًا: دوائر الأحوال الشخصية (وهي المحاكم الشرعية سابقًا) تطبق قانون المرافعات فيما يتعلق بالإجراءات

في المذكرة الأولى المقدمة بجلسة ٢٥/ ١١/ ١٩٩٣م دفعنا بعدم انعقاد الخصومة لعدم الإعلان الصحيح في المدة القانونية، واستندنا في هذا الدفع إلى ما جاء بقانون المرافعات. ونتوقع أن يماري الأساتذة المدعون في جواز تطبيق قانون المرافعات على قضية منظورة أمام دائرة الأحوال الشخصية، ونحيلهم في ذلك إلى نص المادة الخامسة من ق/٤٦٢ لسنة ١٩٥٥م والتي تنص صراحة على تتبع أحكام قانون المرافعات في الإجراءات المتعلقة بمسائل الأحوال الشخصية والوقف، وقد ألغيت من لائحة ترتيب المحاكم الشرعية المواد الخاصة في الإجراءات، وهي الفصل الرابع في رفع الدعوى قبل الجواب عنها المواد ١٠٠ إلى ١٠٤، وقد ألغيت بالقانون المذكور.

وقد جاء بالمذكرة الإيضاحية للقانون سالف الذكر ما يلي: وقد نص المشروع على اتباع قانون المرافعات فيما يتعلق بالإجراءات التي تُتبع في قضايا الأحوال الشخصية عدا الأحوال التي وردت بشأنها نصوص خاصة في لائحة ترتيب المحاكم الشرعية. وهذه الأحوال التي ظلت دون تعديل هي الخاصة بالطعن في الأحكام واعتبار الاستئناف كأن لم يكن في حالة تخلف المستأنف عن الحضور. هذه هي الأحوال التي ما زالت قائمة، أما الأحوال الأخرى فيطبق عليها قانون المرافعات. وهذا ما استقرت عليه أحكام محكمة النقض، نذكر على سبيل المثال الطعن رقم ١١ لسنة ٢٦ق أحوال جلسة ٢٨ / ٢ / ١٩٥٧م: «تطبق أحكام قانون المرافعات في الإجراءات المتعلقة بمسائل الأحوال الشخصية، والوقف التي كانت من اختصاص المحاكم الشرعية، وذلك إنما يكون فيما عدا ما ورد في شأنه قواعد خاصة في لائحة ترتيب المحاكم الشرعية أو القوانين المكملة لها، أو فيما يستجد من إجراءات بعد إحالة الدعاوى الشرعية إلى المحاكم الابتدائية» ص/٦٥ من الجزء الثالث من مجموعة القواعد القانونية وهي مرجع سبق الإشارة إليه.

إن ما جاء بالمادة/٢٨٠ من اللائحة «طبقًا للمُدوَّن باللائحة ولأرجح الأقوال من مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان» فهو يتعلق بالموضوع وليس بالإجراءات. ومن البدهي أن نذكر أن هذا النص يحتمي بالأحكام الموضوعية الإجرائية. وهكذا يبين لعدالة الهيئة الموقرة أن استنادنا إلى قانون المرافعات في الدفع الأول من مذكرتنا السابقة إنما يقوم على سند قويم من القانون.

ثالثًا: الدفع بعدم قبول الدعوى لمخالفتها للشريعة القانونية والقانون

أقام الأساتذة المدعون هذه الدعوى يطلبون فيها التفريق بين المدعى عليهما كزوج وزوجة وذلك عن طريق الحسبة بمقولة إنها دفاع عن حق من حقوق الله تعالى، وهي الحقوق التي يعود نفعها على الناس كافة لا على أشخاص بأعينهم.

ودعوى الحسبة كما جاءت في الفقه الإسلامي عامة وفي الفقه الحنفي خاصة، يتعين بداية أن يكون منطلقها الشريعة الإسلامية نصًّا وروحًا وهي في اصطلاح الفقهاء أَمْرٌ بمعروف إذا ظهر تركه، ونهيٌ عن مُنكَر إذا ظهر فعله.

ويكون حق الله تعالى فيها غالبًا، وهي من فروض الكفاية، وتصدر عن ولاية شرعية أصلية أو مستمدة أضافها الشارع على كل من أوجبها عليه ولا يطلب فيها الطالب حقًّا لنفسه لأنها مشتقة من الاحتساب وهو الأجر والثواب عند الله.

هذه هي أركان دعوى الحسبة كما وردت بالفقه الإسلامي عامة والفقه الحنفي خاصة، واستنادًا إلى أنها حق من حقوق الله تعالى لا يعني أنها تجور على حقوق العباد، لأنه لا يُتوصل إلى الحق بالباطل.

والله تعالى غني عن العباد، ومن ثَم فإن الدفاع عن حقه لا يأتي على حساب ظلم عبد من عباده. ونسبة الردة إلى مسلم هي نهاية الظلم، وقد حذر الرسول من أن يدعو مسلم أخاه بذلك، والأحاديث في ذلك متواترة ومشهورة. وكما ذهب إليه فقهاء الحنفية أن الإسلام الثابت لا يزول بمجرد الاحتمالات وإن الكفر يتعلق بالضمير ولا يصح شرعًا الاستخفاف بإيمان المسلمين ودينهم وإنه لا يحق اعتبار مسلم مرتدًّا إلا بقول صريح لا لبس فيه ولا يحتمل تأويلًا أو شكًّا أو تفسيرًا أو بارتكاب عمل لا يمكن الدفاع عنه مثل رمي المصحف عمدًا في مكان نجس أو أن يدوسه بالأقدام أو أن يمزق صحائفه أو يبصق عليها عامدًا متعمدًا (نعوذ بالله تعالى من ذلك جميعه)، وهو ما عبر عنه البزازية «إلا إذا صرح بإرادة موجب الكفر» وفي الفتاوى الصغرى: «الكفر شيءٌ عظيم، فلا أجعل المؤمن كافرًا متى وجدتُ رواية أنه لا يكفر.»

إن استقطاع بعض عبارات من أبحاث أكاديمية جامعية والقول بأنها تحمل كفرًا هو أجلى صور الظلم والافتئات على المسلمين وهو مخالف لنصوص الشريعة الإسلامية وروحها معًا. وقد حذر السلف الصالح من السير في هذا الطريق ومن المسارعة في تكفير أهل الملة وأتباع محمد .

وما أورده الأساتذة المدعون من آراء لبعضهم في كتابات الدكتور نصر حامد أبو زيد لا تخرج عن كونها آراء أشخاص، اللهُ أعلَمُ بنياتهم وهم ليسوا بمعصومين والإسلام لا يعرف الكهنوت الذي يعطي صكوك الحرمان من الإيمان، كما في بعض الأديان الأخرى وأئمة الأعلام وفقهاؤها العظام كانوا يتحرجون من إلصاق تهمة الكفر بأي مسلم.

إذَن دعوى الحسبة إذا كان منطلقها الدفاع عن حق من حقوق الله تعالى، فإنها يجب ألا تؤدي إلى ظلم صارخ لواحد من عباده. (ومن هنا ينشأ عدم الجواز الشرعي.)

أما عدم القبول القانوني، فإن محكمة النقض قد استقرت أحكامها على أن: «الاعتقاد الديني مسألة نفسانية فلا يمكن لأي جهة قضائية البحث فيها إلا عن طريق المظاهر الخارجية فقط ولا ينبغي للقضاء من جهته أن ينظر إلا في توافر تلك المظاهر الخارجية الرسمية» طعن نقض أحوال شخصية ١٠٥ لسنة ٥ق جلسة ٣ / ١٢ / ١٩٣٦م — ص/١١٨ من الجزء الأول من مجموعة القواعد القانونية — مرجع سابق.

والأساتذة المدعون أيديهم خالية تمامًا من الأدلة الرسمية على ما ينسبونه ظلمًا وعدوانًا إلى د/نصر ومن ثَم فإنه يستحيل على عدالة المحكمة أن تنظر في الاعتقاد الديني للمدعى عليه لأن الأساتذة المدعين لم يقدموا له أدلة أو مظاهر رسمية.

وهكذا، فإن عدم قبول الدعوى بحالتها الراهنة يرتكز على عمادين: الأول من الشريعة الإسلامية الغراء والآخر من القانون.

بناءً عليه

ومع حفظ الحق كاملًا في الدفاع الموضوعي وفي كافة الحقوق الأخرى بأنواعها، يلتمس المدعى عليهما من عدالة المحكمة الموقرة:

صدور الحكم بقبول الدفوع المقدمة في المذكرة الأولى جلسة ٢٥ / ١١ / ١٩٩٣م، وهذه المذكرة والحكم بموجبها.

مع إلزام الأساتذة رافعي الدعوى المصروفات والأتعاب.

وكيل المدعى عليهما
خليل عبد الكريم
المحامي
بتوكيل عام رسمي ٧٥٦٦ لسنة ٩٣.
توثيق الجيزة

٥

محكمة الجيزة الابتدائية
الدائرة (١١)
للأحوال الشخصية …
مذكرة

مقدمة من: الدكتور/نصر حامد أبو زيد

الدكتورة/إبتهال أحمد كمال يونس

… مدعى عليهما

ضد

الأستاذ/محمد صميدة عبد الصمد وآخرين.

في القضية رقم (٥٩١ لسنة ١٩٩٣م. شرعي الجيزة).

مقدمة بجلسة ١٦/ ١٢/ ١٩٩٣م.

وكيل المدعى عليهما
رشاد سلام
المحامي
بالنقض والمحكمة الإدارية
العليا والدستورية
دمنهور

الطلبات

  • أولًا: ندفع بعدم قبول الدعوى لرفعها من غير ذي صفة.
  • ثانيًا: ندفع ببطلان حضور المدعين لجلسات الدعوى منذ بدء تداولها لانتهاء دورهم فيها برفع الدعوى، وحيث لا يعتبرهم القانون خصومًا فيها.
  • ثالثًا: ندفع ببطلان إجراءات إدخال الأزهر في الدعوى لصدور تلك الإجراءات ممَّن لا يملك الحق فيها: وكأثر لذلك نطلب الحكم برفض هذا الإدخال مع كافة ما ترتَّب عليه.
  • رابعًا: ندفع بعدم جواز «سماع» الدعوى لمخالفتها لمبادئ الشريعة الإسلامية المقطوع بها حسمًا دون خلاف … ومن ثَم مخالفتها لنص المادتين ٤٧، ٤٩ من الدستور وعدم دستوريتها.
  • خامسًا: ندفع بعدم قبول الدعوى لعدم استناد الحق (المؤسس عليه إقامتها) لقاعدة قانونية تحميه وتنطبق على وقائعها (المدعاة) بفرض ثبوتها.
  • سادسًا: وفي موضوع الدعوى برفضها وإلزام مدعيها بمصروفات ومقابل أتعاب المحاماة فيها.

الدفاع

نتناول الدعوى من نطاقين:
قانوني، معرفي
(القسم الأول)
الدعوى من نطاقها القانوني

مدخل

طبيعة الحق في الدعوى «أنه … حق شخصي» يستقل استقلالًا تامًّا عن الحق الموضوعي فيها، ذلك لأن الحق في الدعوى أساسه (المركز الواقعي) المصلحة المادية أو الأدبية المنوط بالقاعدة القانونية حمايته إذا كان يستحق (قانونًا) هذه الحماية (رمزي سيف — الوسيط، بند/٧١ — أيضًا: البدراوي — بند/٢٦١ ص٢٤٢ … وإلى: الوسيط/المدني بند/٢٧، /٢٩، ص٥٨–٦٢)، لذلك، فحيث هي — الدعوى — وسيلة لحماية حق أو مركز قانوني فإنها تفترض لوجودها سبق وجود حق أو مركز يحميه القانون بما يستتبع إضافة إلى وجود الحق المطلوب حمايته (قانونًا) اقتران لمطالبة به قضائيًّا/الدعوى — وجود القاعدة القانونية الكافلة حمايته ويتفرَّع عن ذلك ما يلي:

  • (أ)

    إن الحق في الدعوى — باعتباره شخصيًّا ومستقلًّا عن الحق الموضوعي النابع أساسًا من «المصلحة» المطلوب حمايتها — رهن — وجودًا أو عدمًا — بوجود المركز القانوني المسبغ عليه الحماية القانونية — من ناحية — ومن ناحية أخرى — توافر صلة (رابطة) بين هذا المركز ومَن يدعي الحق فيه، فإذا انقطعت تلك الصلة انزاحت تلك الرابطة وأصبح المدعي (بالحق في الدعوى) أجنبيًّا عن هذا الحق.

  • (ب)

    كما أن اشتراط وجود «القاعدة القانونية» كافلة الحماية «للحق الموضوعي» يزيج بطبيعته عن نطاق التقاضي طرح دعاوى يستمد فيها الحق المدعى به حمايته من خارج النطاق التشريعي استدعاء لتاريخ تشريعي «سابق» تجاوزه التشريع المحتكم إليه بإهماله له، أو حتى تحت مقولة إن تلك الحماية مستمدة من نص تشريعي (دستوري) لم يفرغ محتواه في قواعد قانونية حاكمة.

وحيث بدأنا التناول من النطاق القانوني للدعوى، ومن واقع أن هذا النطاق يحتوي حقين — الحق في الدعوى والحق في موضوعها، فسنتناول الحق في الدعوى بوصفه أساسًا لما أبديناه من دفوع في هذا الخصوص.

أولًا: عن الدفع بعدم قبول الدعوى لرفعها من غير ذي صفة

من المقرر قانونًا أن «الدعوى» رهن بمصلحة قانونية تحتاج إلى الحماية بواسطة القضاء، وركيزة تلك المصلحة أساس وجودها — استنادها إلى مركز قانوني — حق — يفترض وجوده قبل وجود الدعوى ذاتها، فحيث لا حق لا دعوى. وبما أن الصفة — كشرط في الدعوى — أن تنسب الدعوى إيجابًا لصاحب الحق في الدعوى وسلبًا لمن يوجد الحق في مواجهته فركيزتها — الصفة — إثبات المركز القانوني وحدوث الاعتداء عليه (راجع الوسيط في قانون القضاء المدني، فتحي والي، بند ٣٣-٣٥ ص٧٢).

وكون الدعوى رهن بمصلحة قانونية تحتاج إلى الحماية القضائية، ومن جانب أن تلك المصلحة — محل الحماية — لصيقة بصاحب الحق في الدعوى إيجابًا وسلبًا لمن يوجد الحق في الدعوى في مواجهته، فإن المصلحة تلك يمثلها «علاقة» قائمة بين الحق وصاحبه، بحيث إذا ما ثبت انعدام تلك العلاقة ثبت انعدام تلك المصلحة.

ومن جانب آخر، فحيث قنن المشرع تلك العلاقة فيما نصت عليه المادة «٣» من قانون المرافعات مؤسسًا ما بناه على قاعدة أصولية مسلم بها في الفقه والقضاء، مفادها أن المصلحة في الدعوى ترتكز إلى جانب الحماية القانونية للحق إلى أن تكون مصلحة شخصية ومباشرة، وفي الأصل العام أن تلك هي الصفة في رفع الدعوى، وهي بذلك شرط قائم بذاته ومستقل عن المصلحة في رفعها (راجع التعليق على قانون المرافعات — الدناصوري — الطبعة الثانية م/٣ ص/١٢) وحيث إنه بصدور القانون رقم ٤٦٢ / ١٩٥٥م، بإلغاء المحاكم الشرعية واختصاص المحاكم المدنية بما كانت ولاية تلك منصبة عليه من الدعاوى وما تلا ذلك من تعاقب صدور القوانين المعدلة لقوانين الأحوال الشخصية فتلك الدعاوى تستمد شرعيتها الإجرائية من مصدرين:

  • أولهما: القانون المحتكم إليه فيها بما ينظمه من إجراءاتها.
  • ثانيهما: فإن خلا القانون المحتكم إليه من القاعدة الإجرائية الدائر في نطاقها الدعوى أحال إلى القانون (الأصل) — قانون المرافعات — بنص صريح وقاطع بذلك.

وحيث يخلو القانون — الأصل (المرافعات) والفرع (كافة القوانين المنظمة لمسائل الأحوال الشخصية) من نص يعرف بدعوى «الحسبة» أو يجيز إقامتها (المرجع السابق)، فلا مصلحة في الدعوى لمَن يدَّعي ارتكازها على مزعومة حق المصلحة فيه خارجة عن حماية القانون لها من ناحية، ومن ناحية أخرى، ففي ظل الادعاء بحماية مصلحة جماعية أو مصلحة عامة تتوافر الصفة في الدعوى لمن يناط به حماية تلك المصلحة قانونًا. وفي الدعوى الماثلة فالحماية تلك موكلة بنص القانون للنيابة العمومية وليس للأفراد.

على أنه لا يغير من هذا الأمر خلط تلك الدعاوى (الحسبة) مع بعض صور الدعاوى الشعبية في القانون الروماني وإفراغها جميعها في وعاء واحد تحت مزعم «أهمية» المصلحة المحمية، إذ المنوط به تقرير تلك الأهمية — في نظام الدولة الحديثة هو الدولة ذاتها ممثلة في قانونها المفروض على الجماعة وليسوا أفراد تلك الجماعة.

وتطبيقًا لهذا المبدأ فقد استقر القضاء المصري على أن المدعي في دعوى «الحسبة» لا يعتبر خصمًا للمدعى عليه، ولا تكون له حقوق الخصم أو واجباته ويكون الخصم في تلك الدعوى هي النيابة العامة.

(راجع استئناف الإسكندرية (الدائرة الحسبية) ٢٨ / ٢ / ١٩٤٩م.)

المحاماة ٣٠ - ١٧٤ - ١٦٣…

أيضًا: أحمد مسلم: بند ٣٠٠ ص٣٥٥.

مشار إليهما بهامش ص٧٨ — وإلى — الوسيط/مدني.

ومفاد ما تأصل قضائيًّا في نطاق تلك الدعوى أن مدعيها لا يتجاوز دوره فيها «الإبلاغ» بواقعتها للسلطة المختصة، لينتهي هذا الأمر بمجرد الإبلاغ أو إيداع صحيفة الدعوى (راجع ما بني عليه الحكم الاستئنافي المشار إليه).

وعلى هذا الأساس يضحي المدعون — بما وراءهم من مصالح نفعية — على غير اتصال بالحق المانح لهم الولاية إلى إقامة الدعوى، إذ يبقى هذا الحق لصيقًا بالنيابة العمومية باعتبارها الممثل القانوني للجماعة، وباعتبار أنها المنوطة بحماية المصلحة العامة في نطاق الدعوى العمومية، ويضحي بذلك الدفع الكاشف عن انقطاع الصلة بين رافعي الدعوى والحق الشخصي المانح ولاية إقامتها (انعدام الصفة) قد صادف أساسه من القانون متعينًا قبوله.

ثانيًا: عن الدفع ببطلان حضور المدعين للجلسات ومباشرتهم للدعوى

الدعوى الماثلة — هديًا مما أوردته صحيفتها، وفي نطاق ما عرفها به مدعوها — من دعاوى «الحسبة»، وأساس البناء لتلك الدعاوى ليست الشريعة (الوحي)، وإنما «رحم» الفقه «الديني» الذي احتوى ضراوة صدمة الانتقال التي أصابت «الخطاب الديني» — أكرر، لمن تحتاج إدراكيتهم إلى التكرار للاستيعاب — الخطاب الديني، هذا الخطاب الذي حُمل عبر نطاقه الصحراوي إلى أمم ذات نظم وحكومات مستقرة، وما واكب ذلك من تحول عن النمط العربي في إدارة الكيان المحكوم إلى النمط السياسي القائم على وجود دولة (راجع — دراسات إسلامية — د/أحمد أبو زيد — المختار من عالم الفكر/١ ص١٦)، إذ كان من نتاج التحول عن النمط العربي للإدارة إلى النمط السياسي المحتوى استشعار وجود «دولة» أن اتسع مفهوم «الخلافة» ليشمل إلى جانب حيزه البسيط القاصر في رؤيته على معطيات «مجتمع القبيلة» حيزًا بلغ اتساعه ما وراء ثلاث حضارات قديمة من «نظم»، فاقترنت السياسة بالدين لتجعل منه أساس الحكم الناحي إلى التوسع في فرض السيطرة التي لم يكن بيد السلطة منها سوى «ورقة الدين» تلوح بها للعامة فتصمت، حتى حين جز الرءوس والإحراق في الميادين العامة، وهو الأمر الذي حدا ببعض الباحثين إلى القول بأن مجيء الأمويين (٤١ ﻫ) واستحواذهم على السلطة كان هو الأساس لتغيير الصورة الحقيقية للدولة، بحيث أصبحت «الخلافة» أقرب إلى السياسة منها إلى الدين (عبد الجبار العبيدي — «قراءة جديدة في أسباب سقوط الدولة الأموية» — عالم الفكر، م/١٥ ع/٣، ص٢٧٠).

وحتى يستقيم النسق، وتنظم «مفردات بنائه»: سياسة — دين أفرغ الدين على السياسة لتظهر به وكأنها من حاوية الطقس المحرم الاقتراب منه أو اختراقه، فدارت عجلة «الفقه» تُطَقِّس السياسة، ووجدت تلك العجلة وقودها الباعث على استمرار حركتها في كثير ممن باعوا دينهم على منبسط «الموائد»، أولئك الذين كرسوا حياتهم ﻟ «وَضْع» الأحاديث المنسوبة افتراءً إلى النبي استخدامًا لاسمه الكريم في نشر الأكاذيب وتدعيم السلطة (راجع — د/حسين أحمد أمين — الاجتهاد في الإسلام حق هو أم واجب — المواجهة، ص١١١).

وتلقف «الفقه الديني» ما على منبسط أرضه من أحاديث كاذبة، ورؤى قاصرة في فهم النصوص الموحى بها — ربما رؤى «تلفيقية – نفعية» تزيح عن النصوص دلالتها الحقة لتلحق بها دلالات يأباها النص و«يرتعد» حين اقترابها منه.

ومن أرض هذا الواقع — المتعمد حجب صورته الكئيبة عن الذاكرة الجمعية — صاغ الفكر نظرية الخلافة، وبرغم من أن تلك النظرية — من واقع مصدرها — بشرية الأصل، مقطوعة الصلة عن «الوحي» و«الإيحاء» فقد قرنها أصحابها ﺑ «الإسلامية» ليتم طرحها ساحة المجتمع المسلم — الذي جاءه الدين ليكون خير أمة، فأحاله «الفقه النفعي» بالدين إلى أذل الأمم.

وتنكشف المصداقية فيما أوردناه سلفًا من خلال التعريف الذي صاغه ابن خلدون في مقدمته لما «يُسمى» بالخلافة الإسلامية، إذ قال بأنها: حمل الكافة على أنها مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم «الأخروية» والدنيوية الراجعة إليها، إذ «أحوال الدنيا» ترجع كلها عند الشارع إلى اعتبارها لمصالح «الآخرة»، فهي في الحقيقة خلافة عن صاحب الشرع (الله) في حراسة الدين و … «سياسة الدنيا به» (ابن خلدون، المقدمة ص١٥٨، وراجع: د/سليمان الطماوي، نظام الحكم والإدارة في الإسلام، دار الفكر العربي، ص٤٥٣).

فإذا كان «الرحم» المستولد منه نظرية الخلافة «السياسة الدينية» المقترنة ميلادًا باستتباب الحكم لبني أمية هو «الفقه»، فإن «رحمًا» آخر قد جرى تصنيعه في قلب النظرية صيغت في غياهبه الأسس الكفيلة بإطباق الخناق على مظاهر الحياة كافة تحت ستار من المقولة الكاذبة: إن الله يريد، وحقيقتها إن الخليفة (الحاكم) هو الذي يريد، ما يهمنا هنا — تلك الأسس — هو النظام القضائي المتصل به أساس الدعوى المسماة بدعوى «الحسبة» إذ تلك مجالنا، تاركين الساحة بما تغص به من «سبي، قتل» وأسوار قصور يحتجب وراءها «القيان» و«الغلمان» — وأمسيات تدبير الفتن ووضع الخطط لاستئصال الرءوس التي «أينعت» وحان قطافها — تاركين كل ذلك لمن بقي في رأسه جزء يعمل من عقله إن أراد إصلاح ما دمرته سنين التغييب في رأسه.

فالنظام القضائي في منظومة فقه الخلافة — السياسية الدينية — يقع في الزاوية المسماة باسم «المناصب الدينية» التي ضمت في أحد أركانها وظيفة «المحتسب» لموكل إليه النظر في الأسواق، والمحافظة على الآداب، والإشراف على الموازين والمكاييل، وعلى استيفاء الديون (راجع: د/عبد المجيد الحفناوي، تاريخ القانون المصري، ص٣٢٣).

والناظر في اختصاصات «المحتسب» النابع منها دعوى «الحسبة» يرى أن تلك الاختصاصات «جميعها» قد أصبحت موكولة ﻟ «الدولة» لا في شخص المحتسب ولا في النطاق المخول لأعوانه من «العسس» وإنما للأجهزة المختصة في نظام الدولة الحديثة.

فإذا ما أردنا استخلاصًا «موجزًا» لما احتوته تلك الإجمالية توقفنا عند نقاط ثلاث:

  • أولاهما: أن طبيعة دعوى «الحسبة» طبيعة «بشرية» لارتكاز مصدرها على أساس فكري/فقهي لا اتصال بينه وبين الأساس الديني «الموحى به» إلا من خلال تلفيقية نفعية اقتضتها ظروف الحكم في ظل نظام الخلافة — «الديني».
  • ثانيتهما: أن تلك الدعوى «الحسبة» متصلة بنظام حكم — خلافة — منظومته قائمة على أساس أن الخليفة نائب عن صاحب الشرع (الله)، ومن هذه النيابة يستمد ولايته «العامة» على جميع رعايا الدولة في أمور دينهم ودنياهم (مقدمة ابن خلدون — مشار إليه). ويتجاوز نظام الدولة الحديثة لهذا الإطار «البدائي» الحاكمي المتسلط على الناس باسم الدين أصبحت تلك الدعوى تاريخًا يضمه القبر ذاته الذي احتوى رفات «دولة الخلافة».
  • ثالثتهما: أنه بظهور الدولة الحديثة — الفارض نظامها فصل سلطاتها، والمستمد فيه الولاية على الناس من قانونها الأساسي — دستورها — لم يعُد «الحاكم» ظلًّا لله على الأرض، بل لم يعُد صاحب النيابة عن الجماعة، إذ أصبحت تلك النيابة — بنص القانون — مسندة للنيابة العمومية في الدولة.

وحيث تأسس «الحق» المدعى به على الدعوى «الماثلة» على مقولة إنه حق لله (!)، كما تأسست هذه المقولة أيضًا على مقولة إن الإخلال به مُوقِعٌ ضررًا ﺑ «الجماعة»، فإن تلك الدعوى لا تتصل برافعيها من ناحية — على أساسها كان الدفع بانعدام صفتهم — ومن ناحية أخرى يتصل الحق «المزعوم» فيها بمَن أناط به القانون حماية المصلحة المبتغى حمايتها وهي النيابة العمومية. وللتوفيق بين «المتعارضتين» — انعدام صفة المدعي، واختصاص النيابة العمومية بالمصلحة فيما يتعلق بحماية الحق العام — وفق «القضاء» بين موقعي المدعي في الدعوى «المسماة» بالحسبة والنيابة العمومية، إذ اعتبر إقامة مثل هذه الدعاوى مجرد إبلاغ لصاحب الحق في مباشرة الدعوى، وهو إبلاغ لا يرتب خصومة بين المدعي والمدعى عليه، إذ تبقى تلك الخصومة على اتصالها الطبيعي بصاحب الحق فيها وهي النيابة العمومية.

وتأصيلًا لهذا النظر فيما أتيح للقضاء نظره من تلك الدعاوى كان قضاؤه:

  • (أ)

    بأن النيابة العامة هي المنوطة (الآن) بطلب الحماية القضائية للمصلحة في دعوى الحسبة.

  • (ب)

    وبأن دور المدعي في تلك الدعوى ينتهي برفعها.

  • (جـ)

    وأنه — المدعي — لا يعتبر خصمًا للمدعى عليه.

  • (د)

    ولا تكون له حقوق الخصم أو واجباته.

  • (هـ)

    وأن المحكمة لا تتقيد في حكمها بطلباته.

(راجع استئناف إسكندرية ٢٨ / ٢ / ١٩٤٩م مشار إليه، نقض مدني ٣١ / ١٢ / ١٩٧٥م مجموعة النقض/٢٦ - ١٧٨٦ - ٣٣١، وانظر هامش ص٧٨، وإلى — الوسيط/مدني).

فعلى هذا الأساس يضحي باطلًا حضور المدعين للدعوى منذ أولى جلسات انعقادها، وأثرًا لذلك فكافة ما ترتب على الحضور من دفاع ودفوع وطلبات ضمَّنوها محاضر الجلسات، أو أُبدِيَت شفاهةً أو مكتوبة فهو باطل بطلانًا نطاقه النظام العام لتعلقه بما يتصل بالنظام القضائي الفارض هيمنته على الدعوى.

ثالثًا: عن الدفع ببطلان الإجراءات المتعلقة بإدخال «الأزهر» وبطلان هذا الإدخال

تنص المادة «١١٧ مرافعات» أنه «للخصم أن يُدخِل في الدعوى من كان يصح اختصامه فيها عند رفعها، ويكون ذلك بالإجراءات المعتادة … إلخ».

والقاعدة العامة وفقًا لنص تلك المادة أنه لا يجوز لأحد أطراف الخصومة أن يدخل فيها إلا من كان يمكن اختصامه عند بدئها، أو … في الحالة الخاصة المنصوص عليها في المادة (٢٦ من قانون الإثبات) التي أجازت اختصام الغير لتقديم ورقة تحت يده مع مراعاة ما لتلك الحالة من طبيعة مختلفة عن الأصل العام للمادة ١١٧ مرافعات. (راجع: وإلى — الوسيط/مدني بند/٢٠٩ ص٣٨٢.)

وبما أن اختصام الغير في الدعوى هو في طبيعته تكليف شخص خارج عن الخصومة بالدخول فيها فإن مشروعية هذا التكليف رهن بصدوره ممن يملك الحق فيه، فإن صدر ممن لا حق له فلا سند له من القانون ومن ثم فهو باطل (راجع: الدناصوري، التعليق على قانون المرافعات، المادة/١١٧ ص٢٢٢).

وحيث تصدر نص المادة المشار إليها (١١٧/م) ما عبر عنه المشرع بكلمة «للخصم» القاطعة الدلالة على أن «الحق» في اختصام الغير أو إدخاله نطاق الدعوى لا يكون إلا لأحد أطراف الخصومة أو لمن ترى المحكمة إدخاله دون طلب (وإلى/المرجع الأسبق …)

ومن جانب أن الغرض إدخال خصم ثالث في الدعوى مبتغاه ما حصره الفقه في تأصيله لحق صاحب الإدخال قبالة المدخل فيما يلي:

  • (أ)

    الحكم عليه بالطلبات ذاتها المرفوعة بها الدعوى الأصلية …

  • (ب)

    وإما … ليصير الحكم في الدعوى الأصلية حجة عليه …

  • (جـ)

    أو … إلزامه بتقديم ما تحت يده من أوراق منتجة في الدعوى الأصلية.

فإن هذا المبتغى «التشريعي» وراءه أنه يشترط لاختصام هذا «الغير» أن تتوافر في حقه الشروط العامة لقبول الدعوى … إضافة إلى اشتراط أن يكون جائزًا اختصامه عند رفعها (الدناصوري — مشار إليه).

وحيث تقطع أوراق الدعوى الماثلة — قطع يقين — بالحقائق التالية:

  • الحقيقة الأولى: وبيانها مفصح عنه «قضاء» ومستقر في عرف الفقه القانوني ووجدانه — تلك الحقيقة أن المدعين في الدعوى «المسماة» بدعوى الحسبة ليسوا خصومًا للمدعى عليه فيها.

    (راجع استئناف الإسكندرية (الدائرة الحسبية) ٢٨ / ٢ / ١٩٤٩م، مشار إليه.)

  • الحقيقة الثانية: وأساسها نفس أساس الحقيقة الأولى، ومؤداها: أن رافع دعوى الحسبة ينتهي دوره برفع الدعوى وتبعًا لذلك فليست له حقوق الخصم أو واجباته.

    (الحكم السابق الإشارة إليه).

  • الحقيقة الثالثة: وأساسها ما نص عليه القانون بوصفها شروطًا للشرعية في اختصام «الغير» باشتراطه توافر الشروط العامة لقبول الدعوى في حقه — إضافة إلى شرط جواز اختصامه عند رفع الدعوى، ومؤدى هذا الشرط وجود «ارتباط» بين القضية المعروضة و«الغير» المدخل، وأن تكون طبيعة هذا الارتباط كاشفة عن أن حقيقة الإدخال أساسها أن يكون الغير «المدخل» في مركز قانوني كان يتيح له أن يكون مدعيًا أو مدعى عليه في الخصومة ذاتها منذ بدئها (وإلى — الوسيط ص٣٨٢ مشار إليه — أيضًا الدناصوري ص٣٢٢ مشار إليه).

ووراء الحقائق الثلاث يبرز الأساس القانوني للدفع المبدي ببطلان «إجراءات إدخال الأزهر» استنادًا إلى ما يلي:

  • (أ)

    أن طلب هذا الإدخال قد صدر ممن لا حق له فيه بانحصار نطاق الخصومة في الدعوى على النيابة العمومية «كمُدَّعٍ» في مواجهة المدعى عليه كخصم لها.

  • (ب)

    وأنه بتقرير انتهاء دور المدعين في دعوى الحسبة برفعها يضحي باطلًا مباشرتهم لتلك الدعوى ومن ثَم «بطلان حضورهم» بجلساتها، وكأثر لذلك بطلان كافة دفوعهم ودفاعهم وطلباتهم شفاهة كانت أو مكتوبة ومنها طلب الإدخال المدفوع ببطلانه.

  • (جـ)

    ويضحي أثرًا لذلك باطلًا حضور الأزهر في شخص ممثله الحاضر عنه بجلسة ٤ / ١١ / ١٩٩٣م، إذ انبنى هذا الحضور على إجراءات باطلة.

  • (د)

    كما أنه بإنزال القاعدة العامة لما نصت عليه المادة (١١٧ مرافعات) والتي مؤداها: إن إدخال الغير أو اختصامه رهن بوجود «ارتباط» بين القضية المعروضة وهذا الغير (وإلى/الوسيط ص٣٨٢. مشار إليه)، على المركز القانوني النابع من دور الأزهر المحدد نطاقه في قانونه، لا يعطى هذا الارتباط بين الأزهر والقضية المعروضة، إذ لا شأن للأزهر — بنص قانونه — بدعوى تطلب التفريق بين زوج وزوجة على ادعاء بأن مدعيها قد «استخلصوا» من قراءة «فكره» ردته، وأن لديهم مَن «أفتاهم» بأن وراء هذا الفكر ارتدادًا عن الدين يبيح له طلب التفريق، اللهم إلا إذا كان وراء هذا الإدخال ما يحتويه «القصد السيئ» الهادف إلى الزَّج بالمؤسسة الدينية/الأزهر في مواجهة مع النظام العام للدولة تقويضًا لأسس البناء في «المتواجهتين» … نارًا يصطلي بها «الوطن» وتنهار في سعيرها دعائمه. وموطن «سوء» القصد أن المدعين في تلك الدعوى على علم بانقطاع الصلة بين الأزهر ودعواهم، أيضًا، فهم على علم بركيزة هذا الانقطاع من القانون … ورغم ذلك … استباحوا المغالطة القانونية في سبيل الهدف المبتغى «أصلًا» من إقامتهم لتلك الدعوى.

رابعًا: عن الدفع بعدم جواز سماع الدعوى لمخالفتها لمبادئ الشريعة الإسلامية

إحالة إلى القسم الثاني من الدفاع — الدعوى من نطاقها المعرفي.

خامسًا: عن الدفع بعدم قبول الدعوى لعدم استناد الحق المؤسس عليه إقامتها لقاعدة قانونية تحتويه وتسبغ حمايتها عليه. تداخلية

كشف المدعون عن طبيعة «الحق» القائمة عليه مزاعمهم في الدعوى المطروحة بتضمينهم صحيفتهم ما نصه: فهي دعوى تدافع عن حق من حقوق «الله» تعالى، وهي الحقوق التي يعود نفعها على الناس كافة لا على أشخاص بأعينهم. (البند سادسًا — صحيفة الدعوى، ص٩.)

ودعوى — (كتلك!) تعجُّ بعويل الثكالى الذي غايته استدرار عطف «العامة» — المغيبين بالخطاب الديني «النفعي» المنسوب للإسلام زورًا، الضائعين في رحال «فتاوى» فقهاء السلطة الجاثمين على صدر التاريخ منذ ساعات الفصل في الصراع بين علي ومعاوية … دعوى كتلك، ينادي أصحابها بأن «الناس» قد ارتدوا وكفروا وفارقوا جماعة المسلمين دون سند يبيح لهم اقتراف هذا «الإثم» إلا … بعض فتاوى أبناء الصلاح «المعاصرين» من أحفاد قتلة أبي حنيفة والسهروردي والحلاج وحارقي كتب ابن رشد، هي في حاجة منذ الوهلة الأولى لإطلالتها «المقيتة» على أرض الواقع «المسلم المعاصر» إلى الدفع بها ثانية إلى مختبئها (الجدث) الذي سيقت إليه في أكفان منبتها الكئيب تحت ضغوط البدايات الأولى للاستنارة في الخطاب الديني، تلك البدايات المتكالب عليها (الآن) تمزيقًا لأوصالها بإضافتها ﻟ «دائرة المكاره» في وجدان المسلم، الكفر والارتداد، فإن لم تفلح تلك الإضافة في «الزجر»، فهناك «إضافة» أخرى وراءها «القتلة» ممن أوقفت آليات تفكيرهم فانتقلوا إلى ساحة التغييب الكامل حيث تتراءى «صكوك الغفران» الممنوحة لهم «أبسطة» يعبرون بها إلى النعيم الأبدي — ينتظرون الإشارة!

وبالتنقيب عن الجذور استطلاعًا لركيزتيَّ الإضافيتين — ما حاويتها المكاره، وما وراءها القتلة — تطل نفعيتان:

  • أولاهما: محلية الجذور، عربية الهوية، معينها ما يصب فيه «النفط!» عائده حيث لا بقاء «لشيوخ» آباره و«ملوك» أرصدته إلا من خلال «حاكمية» تدعي بأن الله هو «شارعها» لتتمكن من الرقاب استنادًا إلى التأويلية «الفاسدة» للنص الكريم: «إن الحكم إلا لله»، يساندها فقهاء الدينار والدولار وصكوك المضاربة وشركات الأموال، أولئك الذين يرفلون في النعيم — يسكنون القصور ويركبون «الأشباح!» ويُعالَجون في بلاد «الكفرة!»
  • وثانيتهما: عالمية الجذور «غربية» المنبت، يغذيها «موروث» لا يرى في الإسلام سوى «السيف والزنار والجزية» بما يفرضه تخيل هذا الشبح المخيف من استعداء وعدة ليس منهما في مفهوم المعاصرة حربًا صليبية جديدة — وإنما الذي منهما هو إعادة إعداد «المطبخ» الدولي — المالك أصحابه فعالية القرار — ليعمل بآليات حديثة يتحكم فيها «ريموت» الإزاحة و«ريموت» الانهيار «الذاتي» اللذين «كبسلا» لنا الفكر السلفي في تنظير جديد تناولناه طواعية لننتقل إلى نطاق مسيرة الوراء متوقفين على نقطة «ثبات» آخذة الغوص في هاوية المتروك دخولًا في نطاق الحتمية — التي لم يعد هناك من يجهلها «سوانا!» — من يتوقف يموت!

وأساس المواجهة لما تضمنته تلك الدعوى من أسس (بناءيها: الفكري والقانوني) قائم على ركيزتين، أولاهما «معرفية» الإطار نحيل في تناولها إلى القسم الثاني من هذا الدفاع لنتناول فيما يلي الدفع المطروح من خلال ما يصله بالدعوى من ناحية، وبالقانون من ناحية أخرى.

حماية القانون للمركز الواقعي — الحق الموضوعي — رهن بوجود قاعدة قانونية تحميه

ما دامت الدعوى وسيلة لحماية حق أو مركز قانوني، فإنها تفترض لوجودها سبق وجود حق أو مركز يحميه القانون (وإلى، الوسيط/مدني بند ٣٣ ص٦٩) هو المسمى بالحق الموضوعي في الدعوى، وهو حق لا تحميه الدعوى لطبيعته المجردة، وإنما حمايتها له مستمدة من وجود قاعدة قانونية تحمي مصلحة من يدعي الاعتداء على حقه، فإن لم يكُن هناك وجود لمثل هذه القاعدة القانونية فلا ينشأ الحق في الدعوى (المرجع السابق، ص٧٠ مشار إليه).

أيضًا، فإن حماية هذا الحق عن طريق الدعوى رهن بثبوت وقائع معينة تنطبق عليها القاعدة القانونية المجردة. وذلك يعني وجود رابطتين ترتبط بهما الدعوى بالحق المطالب عن طريقها بحمايته، إحداهما تتصل بالقاعدة القانونية الحامية للمصلحة المدعاة، وثانيتهما تتصل بالوقائع المستمد منها ما يوجب تحريك القاعدة القانونية الحامية.

فإذا ما تنازعت الرابطتان نطاق الأسبقية في دعوى كان السبق لما يتصل بالقاعدة القانونية الحامية، ذلك على أساس أن المسألة القانونية المجردة تعرض قبل المسألة الواقعية، لأنه إذا لم توجد القاعدة المدعاة فلا معنى لإثبات الوقائع التي تنطبق عليها هذه القاعدة (المرجع السابق، ص٧١).

ويتخلف الحق في الدعوى بما يتعلق بشروط نشأته أو انقضائه، فإذا كان من شروط النشأة أنه إذا تخلف الحق الموضوعي المطلوب حمايته بسبب عدم وجود قاعدة قانونية تحمي مصلحة من النوع الذي يتمسك المدعي بحمايته، أو … إذا كان ظاهر الدعوى مفصحًا بعدم وجود اعتداء على الحق الموضوعي، كما لو رفعت دائنية قبل حلول أجل الدين (المرجع السابق، ص٥٤٥)، فإن إعلان الرغبة إلى المحكمة بعدم قبولها مؤدٍّ إلى امتناعها عن النظر، فيه إذ يكفي أن يكشف ظاهر الدعوى عن تخلف الحق فيها لتحكم المحكمة بعدم قبولها.

وبتفحص الدعوى — موضوع هذا الدفاع — تلمسًا لرابطتي حماية الحق المطالب عن طريق تلك الدعوى بحمايته إمساكًا «بالحق الموضوعي» من ناحية و«بالقاعدة الحامية» من ناحية أخرى، تفاجئنا تلك الدعوى بإفصاح تقطع فيه بأن نطاق الحق الموضوعي فيها «معدوم»، وهي بذلك قاطعة علينا طريق استطلاع القاعدة الحامية، إذ لا يعرف «القانون» … أيضًا ولا «الدين» قواعد حامية للحقوق المسماة «بحقوق الله» إلا فيما جاء به «الفقه» الذي لم يقل أحد بأنه كان «وحيًا» أو قول «نبي» بما لا يباعد بيننا وبين نقده، بل … وحتى «رفضه»، لذلك سنتناول هذا الحق من جانبيه، الديني ثم القانوني.

إشكالية طبيعة الحق في النطاق الديني

معياران لفضها

(أ) معيار طبيعة الوحدة الإدراكية

الإدراك أداة اتصال الكائن الحي بما حوله، وفي الإنسان لا يقتصر الإدراك على اتصال الفرد بما حوله فقط، وإنما يمتد ليصبح وسيلته للاتصال بمكنونه الداخلي/عالم ذاته — فينفرد بذلك عن باقي الأحياء بقناة إدراكية داخلية يرتكز فيها الإدراك على وحدات إدراكية متصوَّرة/مصنعة عقليًّا — ومؤدى ذلك أن الإنسان — ربما، يكون الكائن الوحيد القادر على إدراك ما حوله، والمستطيع إدراك ما بداخله.

على أن إدراك الإنسان للوسط/المحيط الخارجي — يغاير في طبيعته إدراكه للمحتوى الذاتي من ناحيتين:

  • أولاهما: إن وحدات الإدراكية الوسطية/الإطار الخارجي — يمثلها واقع كائن، لذلك فهي وحدات إدراكية حقيقية لا محل لافتراضها أو تصورها، عكس الحال في الإدراكية الذاتية المرتكزة على وحدات إدراكية تصورية قد تصدق إن صادفت لها نظيرًا واقعيًّا وقد لا تصدق إن انعدم من الواقع هذا النظير.
  • ثانيتهما: وبما أن «مسار» الإدراكية يبدأ من نقطة الإثارة في الوحدة المدركة لينتهي عند موطن إدراكها في الدماغ البشري (راجع: د/جمعة سيد يوسف، سيكولوجية اللغة، عالم المعرفة «٤٥» ص١٦٧) مارًّا بقناة إدراكية يحدد طبيعتها واتجاهها كنه المدرك ذاته، فإن الإدراكية في نطاق المدرك الكائن إدراكية «حسية» تجري عبر قنوات الحس المعروفة، كأن يدرك المرء ما يراه أو يسمعه أو يحسه … إلخ، ووراء ذلك أن مسار الإدراكية لمثل تلك المدركات خارجي، وذلك عكس ما عليه الحال في نطاق إدراك المتصور، إذ تقع الوحدة المدركة في نطاق «تصور» داخل المحتوى الذاتي بما يستلزم لإدراكها قناة داخلية ذات طبيعة «نفسية».

على أن أهم ما تعطيه طبيعة المقابلة بين الإدراكيتين أن طبيعة الوحدة الإدراكية المحسوسة مفصح عنه بكيان قابل للتمحيص والاستقراء قطعًا للخلاف حوله، بينما طبيعة الوحدة الإدراكية «المتخيلة» عارية عما يمكن به نقل الإدراكية «بما هي عليه» من شخص إلى آخر — ذلك، لاختلاف آليات التصور من إنسان إلى إنسان، من ناحية، ومن ناحية أخرى — على أساس من أن تلك التصورية «مفترضة» وليس لها على أرض الواقع نظير يمكن «حين الخلاف» المطابقة عليه.

وبما أن «حق الله» بطبيعته متصور «غيبي» عقائدي يرتكز على إدراكية نفسية يختلف حالها من شخص إلى آخر اتصالًا بإيمانه بمعتقده من ناحية، واتصالًا بقدراته «العقلية» من ناحية أخرى، فقد تركت عقائد السماء «كلها» هذا الحق لله — لتحدد «العقيدة» نطاقه، ويتكفل صاحبه — جل جلاله — بحساب من يتعدى حدوده … قال خالد بن الوليد للنبي: وكم من مُصلٍّ يقول بلسانه ما ليس في قلبه، فأجابه النبي: إني لم أؤمَر أن أنقِّب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم (رواه البخاري، ابن كثير، البداية والنهاية، دار الغد العربي، م/٣، ع٢٣، ص١٣٦).

على أنه لا يغير من هذا القول مقولة «الفقه» بأن «الحدود» قد اقترنت في التاريخ الإسلامي بعقوبات «دنيوية» بينما الحق فيها «لله»، إذ لا تعرف شريعة الإسلام «حدًّا» لا يتصل فيه الحق بالناس سوى المزعومة «المفتراة» بحديث آحاد كذب الباحثون رواته من ناحية، وأثبتوا تعارضه القاطع مع كتاب الله من ناحية أخرى — (حد الردة) — (راجع: د/صبحي منصور، حد الردة، ص٥، ٦، ٢٠، ٢٢ … أيضًا، د/محمد الشافعي، «لا وجود لحد الردة في الإسلام»، دراسة، الأحرار ١٥/ ١١/ ١٩٩٣م، ص/١١، محمود شلتوت، الإسلام عقيدة وشريعة، دار الشروق، ط١٣، ص٢٨١).

فإذا أضيف إلى ذلك أن «الله» — في صحيح الشريعة — وهو صاحب الحق في الحد — بالمنظور الفقهي — قد رفع عقوبة الحد عن التائب شرعًا وقدرًا، فالتوبة تسقط الحد، وليس في شرع الله ولا في قدره عقوبة «ثابتة» البتة لما روي في الصحيحين من حديث أنس قال: كنت عند النبي ، فجاء رجل قال: يا رسول الله، إني أصبت حدًّا فأقمه عليَّ، قال: ولم يسأله عنه فحضرت الصلاة فصلى مع النبي، فلما قضى النبي الصلاة قام إليه الرجل فقال: يا رسول الله إني أصبت حدًّا فأقم ما في كتاب الله، قال: أليس قد صليتَ معنا؟ قال نعم. قال: فإن الله عز وجل قد غفر ذنبك، ولم يُقِم عليه الحد الذي اعترف به (محمود شلتوت، الإسلام عقيدة وشريعة، ص٣٠٠، مشار إليها).

كما أنه من الثابت أنه إذا توافرت ضرورة تمنع من إقامة الحد، امتنعت إقامته، وقد فعل الرسول ذلك حين نهى عن قطع يد السارقين في الغزوات حتى لا يلتحقوا بالمشركين، فمنع بذلك أمير الجند من إقامة الحدود (محمد أبو زهرة، أصول الفقه، دار الفكر العربي، ص٢٧٠). وليس معقولًا، ولا في نطاق التصور أن يكون «الحق» في الحد «لله» وأن تكون عقوبة هذا الحد موصولة بحق الله فيه، ثم لا ينفذها النبي ويأمر بمنعها الذي في نطاق التصور — هديًا من تطبيق النبي للقاعدة أن الحق المتصل بالله في الحد — باعتبار جريمة الحد سلوكًا قد نهى الشرع عنه، مرجعه لله صاحبه، يسقطه بالتوبة أو يغفر، أما حق الناس فهو من حق الناس تنظمه وتحميه قواعد التشريع الحاكمة لسلوكهم — حتى حين كان الرسول هو المطبق لقواعد حماية السلوك في جماعته «المسلمة» كان له الخيار أن يأمر بتطبيق القاعدة أو بعدم تطبيقها، بما يقطع بأن هذا التطبيق كان منصبًّا على علاقات يتصل فيها «الحق بالناس» وليس «بالله» الذي لا يملك الرسول الأمر بعدم تطبيق ما يتصل بحقوقه.

وخلاصة تلك المعيارية — الوحدة الإدراكية — أن ما يتصل فيه «الحق» بوحدة إدراكية طبيعتها، معطيات تخيلها/تصورها، وقناتها الإدراكية، موصول التصور بمعناه في العقل، لا يمكن إدراجه في نطاق ما يحكمه التشريع/الدين — قواعد وجزاء، بعكس ما موصول إدراكيته علاقة صاحب الإدراكية بموجود، إذ يندرج تحت العلاقة تلك ما يتحكم في السلوك الفارض تدخل القاعدة القانونية الحامية إن اخترق هذا السلوك نطاقها.

(ب) معيار اتجاه العلاقة في الحق

الشريعة من نطاق الفقه أحكام، والأحكام بمنظور هذا الفقه هي: القواعد التي تنظم بها العلاقة بين المرء وخالقه، أو بين المرء ونظيره (محمود شلتوت، الإسلام عقيدة وشريعة، ص٤٨١)، ووراء ذلك أن العلاقة تلك هي غاية الحكم الشرعي (في نطاق الشريعة: الأحكام الشرعية ثمرة لعلم الفقه والأصول حيث ينظر علم الأصول إلى مصادر تلك الأحكام ومناهج التعرف إليها، بينما يتناولها علم الفقه من حيث استنباطها، راجع: محمد أبو زهرة، أصول الفقه، ص٢٣). ومن واقع أن العلاقة تلك «محكومة» فوراءها يقف «حق» ومن خلالها يشخص «عمل» يجسدها ويخضعها لما هي محكومة به من قواعد.

ولأن الأعمال هي الأوعية لتلك العلاقة فضلًا عن أنها مظهرها القابل للإمساك به، فعن طريقها يمكن التعرف إلى «مسار» الحق من خلال قناة العلاقة المحركة له، فتضحي «طبيعة» العمل كاشفة عن العلاقة — موضوع الحكم الشرعي — من ناحية، وعن اتجاه مسار الحق خلال تلك العلاقة من ناحية أخرى.

غير أن الفقه — الإسلامي — في عنايته بتلك الأعمال لم يعطِ طبيعتها ما تستحقه من أهمية، إذ كل الأعمال في نطاق ما يعني به محكومة بالشرع/الدين — بينما أخرج العلاقة القائم عليها مدار العمل من نطاق بحثه فاختلطت في منظوره أعمال «العقائد» ﺑ «أعمال المعاملات» ذلك رغم تقريره بأن حاوية الحق تضم إلى جانب «حق الله» حقًّا للناس. (راجع: محمود شلتوت، الإسلام شريعة وعقيدة، ص٢٨٨، وقارن، أبو زهرة، أصول الفقه، ص٢٥، مشار إليه.) فباعد ذلك بين هذا الفقه وإدراك كنه العلاقة الدائر في نطاقها الحق والكاشفة عن اتجاه مساره.

وتظهر أهمية الكشف عن تلك العلاقة فيما تعطيه طبيعتها من تغاير طبيعة أعمال «العبادة» الدائرة في نطاق الحق الشرعي — الذي هو لله عن أعمال «التعامل» الدائرة من نطاق الوجود الإنساني المتجه فيها الحق إلى الناس من جانبين:

  • أولهما: أن طبيعة العمل «العبادي» كاشفة عن علاقة مستورة «الكنه» ينفصل فيها الجوهر عن المظهر بحيث لا يؤدي السلوك المفرغ فيه العمل إلى تلازمية بين الجوهر والمظهر، فقد تُؤدَّى الصلاة فيكشف «سلوك» أدائها «العمل العبادي» عن المظهر بينما تظل حقيقة الجوهر مستورة، إذ لا نكشف عن أداء الصلاة بذاته عن حقيقة «إيمان» المصلي بها.

    ووراء ذلك أن العلاقة وهي النطاق الكاشف عن مسار الحق غير مفصح عن «حقيقتها» بالسلوك «الكاشف» فيما فيه الحق لله من أعمال العبادة بما لا يمكن مع إمساك هذا الحق وضبطه لتشريع القاعدة الحامية له.

  • وثانيهما: أن قواعد التشريع (إسلاميًّا كان أو غير إسلامي) ما وُضعت إلا لتنظيم السلوك الإنساني القائم فيه الحق على علاقة ظاهرة يمكن إيقاع القاعدة الحامية للحق عليها، وليس معنى أن الدين إذ يأمر بإفراغ السلوك «كله» في نطاق من مكارمه الأخلاقية المثالية أنه يبتغي بذلك ضبط هذا السلوك بقواعد مستمدة منه، ذلك لأن مرجوع هذا الأمر الديني ليس إلا التعريف بالإطار «العلائقي» في غايته المثلى.

وحين تقع «الردة» — الاعتقاد وليس الحد — في النطاق «العقائدي» متصلة بحق هو «لله» فإنها من واقع نطاقها، ومن واقع طبيعة الحق المتصلة به تدور في إطار ما حجبه صاحب الحق فيها عن التناول مختصًّا به «ذاته» قاطعًا على مَن يريد اقتحام الدائرة «الممنوعة» طريقه حتى ولو كان «نبيه» الكريم: أفأنت تُكرِه الناس حتى يكونوا مؤمنين (محمود شلتوت، الإسلام عقيدة …، ص٢٨١، مشار إليه).

فإذا ما أنزلت القاعدة — حيث لا يوجد نص لا توجد دعوى — على النطاق المطروح من خلاله الدعوى الماثلة انزاحت تلك الدعوى إلى حيز عدم الالتفات إليها باعتبارها حاوية «معدوم» ليس في القانون ما يبيح تناوله، إذ يخلو — القانون — على نطاقيه «العام» وما يتصل «بمسائل الأحوال الشخصية» من نص فارض حمايته — قانونًا أو شرعًا — على ما يسمى بحقوق «الله» المتصل بها الحق المطالب بحمايته في مطروحة الدعوى الكاذبة!

تداركية …

في نطاق المقارنة بين «الأحكام الشرعية» في الفقه «الديني»، و«علم» القانون … إحالة إلى الجزء الثاني من هذا الدفاع.

سادسًا: في موضوع الدعوى … برفضها

إذا كان من شرائط وجود الدعوى: ثبوت وقائع معينة تنطبق عليها القاعدة الحامية، فإن ثبوت الوقائع في حد ذاته ليس باعثًا على تحريك قاعدة الحماية المطالب بتطبيقها، وإنما يستلزم هذا التحريك أن يواكب «ثبوت» الوقائع تلك ما يضمنها اعتداءً على الحق المطالب بحمايته.

وعلى هذا الأساس سنتناول الدعوى المطروحة بادئين استعراض وقائعها (الكاذبة) حصرًا لها في (عموميات) خُطَّ على أساسها نسقها العام، وذلك من واقع محتوى الصحيفة وبترتيب الوقائع ذاته في منهج العرض المدعى: فالدعوى — تسع صفحات — قائمة على ادعاء بثبوت (أربع وقائع) في حق المدعى عليه الأول أفاضت في تفصيلها (البنود) الأربعة الأُوَل لتكون أساس القاعدة، فيما تم بناء البند الخامس عليه ليعقب ذلك بيان هوية الدعوى وما ترمي إليه.

وما دمنا قد بدأنا بالحديث عن (الوقائع) موضحين أن عين القاعدة القانونية الحامية للحق لا تنظر إلى تلك الوقائع من زاوية (الكون/الثبوت) بقدر ما تنظر إليها من زاوية الاعتداء على حق، لذلك سنتناول الوقائع الأربع الموصل عليها في الدعوى والحاوية لبناء نسقها العام من جانب ثبوتها من ناحية، ومن جانب ما يصلها بالحق المدعى بالاعتداء عليه والمطالب بحمايته من ناحية أخرى.

دلائل الفساد فيما تأسس عليه البند «أولًا» بصحيفة الدعوى

تناول البند الأول من صحيفة الدعوى مؤلفًا للمدعى عليه عنوانه: الإمام الشافعي وتأسيس الأيديولوجية الوسطية، فعرف بالكتاب في (سطر ونصف) لينتقل من هذا التعريف (المخل) إلى كتاب آخَر يعارض فيه (مؤلفه) صاحب الكتاب — المطعون في دينه — المدعى عليه … وبالرغم من أن استطلاع البدايات كافٍ بطبيعته — دون حاجة إلى إضافة إليه — لمَقْت تلك الدعوى وكراهيتها، فإنه بالإضافة إلى ذلك يكشف عن وجه الزور فيها إفصاحًا عن الغرض المبيت من ورائها. فالبدايات تلك، قاطعة الدلالة على أن المطروحة ليست (دعوى) وإنما هي (قميء) أُلبِسَ لبس التقاضي، مقنعًا (بمظهر الدعوى) لغرض في نفس يعقوب أصبح الإفصاح عنه تزيُّدًا، إذ الكافة على دراية به.

وللإيضاح — في بساطة — فالدعوى تطعن المدعى عليه في دينه، تتهمه صراحة وعلنًا وعلى نطاق الكافة — ليس في مصر وحدها، بل في جميع بلدان العالم شرقًا وغربًا — بأنه قد ارتد عن دينه، وفارق ملة أبويه خارجًا عن جماعة المسلمين، عاقًّا للإسلام متمردًا عليه بما يبيح «جز» رأسه الفاسد، فإن لم يكن «جز» الرءوس مستطاع — في نطاق الحاضر — لهيمنة الدولة «العلمانية» ربيبة الشيطان فلا أقل — على نطاق الحاضر أيضًا — من إلباسه «زنار» مخالفة الملة والطواف به في الأسواق يتقدمه قارع الطبل ومنادي «الوالي» بينما يحيط به السابلة يقرعونه (…) ويبصقون عليه في رحابات إطلالات «الجواري» من منمنمات المشربيات على الجانبين.

أسفًا، فليست تلك من صفحات ما سطره الجبرتي وصفًا ﻟ «تجريسة» جرت في قاهرة المعز أو حارة الإخشيد أو قطائع المماليك وهم صنوف ومن كل فج، وإنما هي حقيقة تعيشها قاهرة القرن الحادي والعشرين، و«ينعم» بالتجريسة فيها أستاذ جامعي كل ما جناه أنه قرع ناقوس الإفاقة — وفي ضميره، أرض تبور، وأمة تحتضر.

ووراء التجريسة تلك — ربما وراء الرأس الذي أينع وحان في «المستور» بالدعوى قطافه — أن ذاك المطلوب رأسه قد تجرأ فأعمل عقله فاستبانت له أسباب (العلة) التي خلَّف توارثها أن أصبحت (خلايا) أجسادنا حاملة لصفاتها — ورثناها وسنورثها — إنْ لم يكُن في المتاح أن نملك يومًا أداة استئصالها — نبتكرها، أو تعطى لنا …

«تجرأ» المدعى عليه — تاركًا لعقله أن يعمل — فأمسك بفكر «الشافعي» — الذي لم يدَّعِ أن وحيًا كان يخاطبه، أو أن السماء كانت على صلة به — معيدًا قراءته بأسلوب علمي تخطى عصر «الجرجانية» في الإمساك بمستور الدلالة في النص ليقول لنا باختصار — منا — بأن الشافعي لم يكُن «وسطيًّا» بين فقهاء الرأي وفقهاء النقل، وإنما كان «منحازًا» — ربما دون أن يدري — للقرشية العربية التي ينتسب إليها، عارضًا أدلة هذا الانحياز في تأصيل علمي لا شأن له بدين، ولا علاقة له بدنيا.

و«فاجعة» الأثافي — ليس هناك خطأ — كامنة في «هزل» التلفيقية المعنونة «أولًا» في صحيفة الدعوى، وموطن هذا الهزل أن المدعين «يكفرون» المدعى عليه «لرأي قال به» في مؤلف أصدره مستدلين على كفره «برأي آخر» قاله من لم يرُق له الرأي المخالف!

تتصدر أسانيد التكفير في البند (أولًا) عبارة: وقد أعد الأستاذ الدكتور … (تقريرًا) — كذا عن هذا الكتاب ذكر في مستهله أنه يمكن (تلخيص) محتواه في أمرين … إلخ.

نحن إذن حيال (تقرير) يحتوى (تلخيصًا) يحتوي تكفيرًا … إلخ المتتالية المعروفة، وكأني بأصحاب الدعوى قد ظنوا أن (الكل) قد فقد عقله فاستباحوا الساحة يهيلون عليها نثار التلخيص (المسلم) للتفصيل (الكافر) على غير إدراكية بالبداهية القائلة: تلخيص الخطاب خطاب آخر!

ودون الدخول في تفاصيل أجزاء التلخيص المساقة تدليلًا على كفر المدعى عليه — إجلالًا لساحة العرض، وإحساسًا بقيمة الوقت! — فما احتوته تلك التفاصيل قاطع الدلالة على أن وراءها، إما مَن أساء فهم النص وإما من لم يفهمه.

فالتحرر من (سلطة النص) ليس هو (التحرر من النص)، إذ النص في حد (ذاته) ساكن لا سلطة ولا سلطان له وهو بذلك يستمد سلطته أو (سلطانه) من خلال تفاعله مع بيئته.

وتفاعل النص مع قارئه أو الموجَّه إليه يخضع لعديد من العوامل، منها ما هو ذاتي ومنها ما هو خارجي، منها ما يتصل بفهم المعنى ومنها ما يتصل باللغة المعبرة عن المعنى. على أن وراء ذلك كله يوجد الإطار الفكري العام العامل في نطاقه النص بما يحتويه من نماذج إرشادية وقطيعات بين المراحل/إبستمولوجية — بما مؤداه أن سلطة النص ما هي إلا (مضاف بشري إلى النص)، فالنص — في الكتاب أو السنة — واجب القداسة، ومضاف النص فيهما — سلطة لا قداسة له، إذ هو إنساني النشأة متغير الطبيعة.

فإذا ما كان (الشافعي) قد كرس فكره لإلباس النصوص سلطانها — (سلطتها) — من خلال منظور لا يرى النص سلطانًا إلا فيما أضافته إليه (قريش) بما وراءها من بيئة، وفهم لغة، وثقافة ينحصر إطارها فيما احتواه مكانها من مكة — ناهيك بمنعزل الجزيرة بما يعج به من خيال وتواتر أساطير — فإنما يكون بذلك قد (جمد) سلطان النص على أعتاب (القرشية) حائلًا بينه وبين خطاب جديد — متجدد — تفرضه طبيعة التنامي في المعرفة، نجتاز به — نحن المسلمين — إلى المستقبل دون استجداء من أحد!

تلك خلاصة — مقصرة — لما قاله نصر أبو زيد في كتابه، ولو أن المتاح كافٍ لأوردنا بيانًا وافيًا لمحتوى مؤلفه المطعون عليه بالكفر فربما توارت بعض الوجوه إن هي أدركت صحيح موقعها، أفهل يعيد الطاعنون القراءة، وقلوبهم خالية من الغل؟!

بقيت إضافة تتعلق بالجزئية (ج) من البند (أولًا) تلك التي تنكر فيها الدعوى على المدعى عليه ما قاله ردًّا على حديث الشافعي عن الدلالة في النص مخطئًا له منظوره إلى الكتاب الكريم حين حاول في تلفيقية ظاهرة التدليل على أن كتاب الله يحتوي حلولًا لكل المشاكل أو النوازل التي وقعت أو يمكن أن تقع (ص٤ — صحيفة الدعوى) إذ ترى (الدعوى) أن في تخطئة (منظور الشافعي) كفر، على سند من أن الصحيح هو ما قال به الشافعي بدليل يسوقه المدعون من كتاب الله في الآيتين الكريمتين: وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ (النحل: ٨٩) الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ … إلخ.

وفي سبيل رد تلك المغلوطة، فتلك (دعوة) نوجهها إلى أصحاب هذا الفكر بإعادة قراءة الآيات قرينة بأسباب نزولها من ناحية، ومن ناحية أخرى بإعادة (رصد) الدلالة في الجملة الباسطة سلطان دلالتها على البيان في الآية ونصها: وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين — للوقوف على حقيقة أن المراد بكلمة «تبيانًا لكل شيء» على اتصال بما محله الهدى والرحمة بما نطاقه (العقيدة) بعيدًا عن (أبحاث الفضاء) و(هندسة الوراثة) اللتين لم يتنزل كتاب الله لبيانهما!

«مفهوم النص»

«بين السليم» و«السقيم»

عابرة …

ليس في الزمن الرديء وحده تكثر (الغوغائية)، وليس في الأميين وحدهم يكثر (الجهلاء).

مفتتح …

قرأت يومًا: وبما أنه ليس متاحًا، أو في نطاق المتصور، أن يقف الإنسان يومًا خارج (الكون) لإدراكه من نقطة خارجة عنه، كذلك فمن غير المعقول أن يسعى الإنسان إلى الوقوف على حركة هذا الكون من خلال (علاقة) بينه وبين كون (آخر) ليس في المتاح الآني المعرفي تصور لوجوده، فليست هناك وسيلة لاقتحام هذا (الغموض) إلا بمحاولة الوقوف على مكوناته … فمن هو على علم (بطبيعة) الشيء ليس في حاجة إلى إدراكه (حسيًّا) كي يستطيع تفسيره (توماس كون، بنية الثورات العلمية، ترجمة شوقي جلال، عالم المعرفة، ١٦٨، ص٢٧١).

وتعجبت (حين فكرت!) في الكيفية التي يحتفظ شريط السيليلون الممغنط (بالصوت) المسجل عليه متسائلًا: أيكون الصوت المسجل على (شريط الكاسيت) هو بذاته الصوت/اللفظ الخارج من بين الشفتين طبيعةً و«كُنهًا»؟

ودخلت نطاق (الذهول) حين عرفت بأن (صفات) الكائن الحي — من طول وعرض ولون وشعر وأحداق، بل وصحة ومرض … إلخ، ما يميزه عن غيره — (مكتوبة) على (شريط مجهري) تحتفظ به (الخلايا) في جسده (!)، وكان مبعث الذهول أني طفت أتصور الكيفية (المكتوبة) بها تلك الصفات على الشريط (اللامرئي) مستبعدًا عن التصور أن يكون (لون بشرة الزنجي) قد احتواه (شريطه الشفري) على هيئة (نقطة سوداء)، إذ كيف يكون الحال هو ذلك في احتوائية الشريط (اللولبي) حين يتعلق الأمر بطول (الكائن) أو (موروثه من الأمراض)، أيكتب على الشريط (مثلًا): طويل، ويصيبه في سن الستين (فالج)، وهل تتعدد (لغات الكتابة!) على شريط الشفرة بتعدد أماكن (إقامة) الكائن، فهذا شريط شفرة مكتوب بالعربية لأن صاحبه عربي، وذاك (ذاك) فرنسي … إيطالي … إلخ، ما على الأرض من أجناس؟

فلما استطلعت الأمر من (متخصص) توقف رأسي عن (الدوار) إذ أدركت أن وراءه ما كنت أقيم به (العلاقة) بين (كون وكون آخر) من نقطة خارجة عن الكونين مستقرها في الرأس (الجاهل!) الذي قصر عن إدراكية (التغاير) بين ما بينهما العلاقة. فلما قرأت كتاب الدكتور نصر — المدعى عليه — (مفهوم النص دراسة في علوم القرآن) أشفقت على صاحبه غاية الإشفاق … إذ كيف تصور وهو يضع كتابه أن الأرض قد خلت من جهلائها، بل كيف طاوعته نفسه أن يخاطب بلغة (الحاضر) عقولًا تعيش في (قبور) الماضي، تأبى أن تُسمَّى (الأسطورة) بالأسطورة! إذ كيف (تنهار) دعائم الحلم السندسي المحلق بالأسطورة في رحابه دون رد فعل؟

(أ) نعم: تصور أن اللوح المحفوظ يحتوي (كتاب الله) بذات (طبيعته البشرية) أسطورة.

فالوجود الإلهي في نطاق (مطلق) لا مجال فيه (لأبعاد) المحصور من (مكان وزمان وهيئة)، فالله — جل جلاله — إن استوى، فهو وحده الذي يعرف كنه هذا الاستواء (لوجوده هو الآخر في نطاق المطلق)، وإن قال (على العرش) فطبيعة هذا العرش هي الأخرى مطلقة لا يحتويها استيعاب كائن ليس من إمكانياته تصور المطلق أو إدراكه، والخطاب في النص الكريم (استوى على العرش) شفري (لكنه) يحتوي على دلالتين، إحداهما: متصلة (بالمطلق) في كنه الخطاب، وتلك بعيدة عن التناول محجوبة عن (التصور)، إذ لا يحتوي المطلق أبعادًا (فوقية) أو (تحتية)، (محمولة) أو (محاطة)، وثانيتهما: متصلة بالمخاطب البشري تحليقًا به في نطاق أقصى التصورية (للعظمة) و(التفرد) و(الامتلاك) إبعادًا لهذا (المخاطب البشري) عن نطاق المحجوب عنه من ناحية، ووصلًا له بهذا النطاق في حدود بشريته من ناحية أخرى.

غير أن السلف — بعض فقهاء الكلام — حين أضناهم الجهد في الوصول إلى المستحيل (اختراق المطلق) حاولوا (تصوره) في نطاق محصور الزمان والمكان والهيئة، فاكتظ (التراث) — ليس التراث من الدين — بتصور (العرش) على هيئة (كرسي)، كذلك بتصور (الحمل) و(الثمانية) على أبعاد مكانية تحتوي المعدود وتحدد مكانه، فاستقامت في الذاكرة (أسطورة) هي (الكفر) بعينه. وتلك ما حاول (الدكتور نصر) إمساكها والتنبيه على خطورة بقائها في (الخطاب الديني).

(ب) أيضًا … (نعم)، فالقرآن المفرغ في الوجود الإنساني على (كنه) يغاير كنهه في اللوح المحفوظ، فهو (هو) في نطاق (المحصور) وهو (ليس هو!) في نطاق المطلق.

فإن تطاول الظن إلى الاعتقاد بأن تلك تناقضية، فأساس ذاك قصور الإدراكية، ولعل في التمثيل بالفارق بين (كنه) الصوت في الطبيعة و(كنهه) على شريط الكاسيت الحامل له، كذلك صفات الكائن متمثلة في وجوده، إذ هي على طبيعة تغاير (رموزها) على الشريط الشفري — فتلك هي تلك، غير أنها في نطاق (الماوراء) ليست هي … أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله!

فإذا ما كان هذا هو (الفكر) المؤسس عليه أن صاحبه قد كفر بالله وارتد! أفهل يكون وراء ذلك سوى سؤال نطرحه (لوجه الله): من الذي قد كفر؟

(ج) وفيما يتعلق بالبند (ثالثًا) من صحيفة الدعوى، فإحجام المدعى عليه (عن الرد) على (قاذفيه) وراءه أنه يعيش (حضارة عصره) من ناحية، و … (أنه) بعُدَ الفارق بين (مكانته) و(مكان) من يطلبون الرد! من ناحية أخرى.

بعد كفاح مرير، وجهود مضنية، اكتشف علماء الأنثروبولوجيا: أن الناس يتصرَّفون في إطار «ثقافتهم» الخاصة، وأن العملية التي يصنع بها الناس «طبائعهم» على صلة وثيقة بالأدوات التي يشكلونها لصياغة عوالمهم (كافين رايلي، تاريخ الحضارة، ترجمة د/عبد الوهاب المسيري، عالم المعرفة، ٩٠، ص٤٢).

وحيث يقع «النقص الوجداني» — المقدرة على أن تضع نفسك في موضع الآخرين — في نطاق ما يعطيه «فهم» المرء، و«استيعابه» للمشكلة المجابهة (المرجع السابق، ص٨٠) فإن الأكثر فهمًا أقدر استيعابًا من ناحية، ومن ناحية أخرى — فهو وثيق الصلة بأدوات ما شكل «عالمه»، على دراية بما تشكلت عليه «المشكلة المجابهة» من أدوات — بما يقيم في نفسه «ميزانًا» بين ما عليه «ذاته» وما عليه «الذات» في المشكلة المجابهة فيعطيه هذا الميزان «معيارية»: أن يتصدى … أو أن «يهمل».

وحيث تفصح المعيارية — التصدي أو الترك إهمالًا للمتروك وعدم اكتراث به — عن النهج الواجب اتباعه في ساحة المقابلة بين الفكر (الموصوم) والفكر (الواصم) — ناهيك بطبيعة الوصمة أو مكانها من الصحيح واللاصحيح — فإن في إهمال الرد (المطالب به) أبلغ ما في الخطاب من رد على المطالبة تلك!

(د) ولمن لا يعرف! مكانة (الردة) في حاوية ما استقر عليه القضاء وأجمع عليه الفقه — البند رابعًا من صحيفة الدعوى — فإجماع القضاء على غير ما أشارت إليه الصحيفة، وما قال به (فقهاؤها) لا تعتد به الأحكام خارجة به عن نطاق الدليل (الشرعي).

فنطاق (ما استقرت عليه الأحكام في موضوع الردة) تأصل (قاعديًّا) في رحاب محكمة النقض بقضائها بأن «الردة» من أمور ما يتصل بالعقيدة الدينية الذي تبني الأحكام فيها على (الإقرار بظاهر اللسان) ولا يجوز لقاضي الدعوى أن (يبحث) في (بواعثها) و(دواعيها).

نقض ٢١/ ٤/ ١٩٦٥م – ١٦ – ٨٠ – ٨٩٦ – مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة النقض — أحمد سمير أبو شادي القاعدة رقم (١٤٩) ص٨٦.

ونطاق الفقه مزيح عن ساحته عالم (المغني) و(الشرح الكبير) و(ما قال به عبد القادر عوده)، إذ يتأسس بناء المنتهى إليه في تلك (المستبعدات وغيرها كثير) على القاعدة (الكاذبة) النفعية المسماة ﺑ (إجماع المسلمين)، حيث لا يعرف تاريخ الإسلام الحق (إجماعًا للمسلمين) منذ البدايات — وحتى في رحاب اجتماع السقيفة لتولية أبي بكر الخلافة — (ملحوظة)، إذ كان ما بعد (حتى) صادمًا، فللإفاقة يرجى بمن أصابته (الصدمة) الرجوع إلى (سليمان الطماوي — نظام الحكم والإدارة في الإسلام، دار الفكر العربي، ص٤١٢) وليقرأ النص المورد نقلًا عن مصدره الصحيح:

هنا لم يستطع عمر أن يمسك عن الكلام، فوقف قائلًا: «هيهات لا يجتمع اثنان في قرن. والله لا ترضى العرب أن يُؤمِّروكم ونبيها من غيركم. ولكن العرب لا تمتنع أن تولي أمرها من كانت النبوة فيهم، وولي أمورهم منهم، ولنا بذلك على من أبى الحجة الظاهرة والسلطان المبين. من ذا ينازعنا سلطان محمد وإمارته، ونحن أولياؤه وعشيرته، إلا مدل بباطل، أو متجانف لإثم، أو متورط في هلكة؟»

فقال (الحباب) يرد عليه قائلًا:

يا معشر الأنصار، أملكوا على أيديكم، ولا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه فيذهبوا بنصيبكم من هذا الأمر، فإن أبوا عليكم ما سألتموه (فاجلوهم عن هذه البلاد) وتولوا عليهم هذا الأمر … فإن (بأسيافكم) دانَ لهذا الدين مَن دانَ ممن لم يكن يدين، أنا جزيلها المحكك، وعذيقها المرجب، أما والله إن شئتم لنعيدها جذعة!

قال عمر: إذَن يقتلك الله، فأجاب الحباب بل إياك يقتل، فانتضى الحباب سيفه فضرب عمر يده فسقط السيف فأخذه عمر ثم وثب على سعد بن عبادة. ا.ﻫ.

وإذا كان التاريخ يتحدث بأن بني هاشم وأنصارهم ترددوا في البيعة قائلين: الولاية لعلي، حيث اجتمع سلمان الفارسي، وأبو ذر الغفاري، والمقداد، وعمار، والعباس، وابن العباس قائلين للناس: طبقوا الحكم الإلهي وأمر رسول الله فالولاية لعلي (راجع — محمد منظور نعماني — الصورة الإيرانية في ميزان الإسلام — عبير للكتاب، القاهرة، ص٥٠)، فاندفع الناس إلى عائشة يسألونها — ما ورد في الصحيحين من حديث عبد الله بن عون عن إبراهيم التيمي عن الأسود قال: قيل لعائشة إنهم يقولون إن الرسول أوصى إلى علي، فقالت: بم أوصى إلى علي؟ لقد دعا بطست ليبول فيها وأنا مسندته إلى صدري فانحنى فمات وما شعرت، فيم يقول هؤلاء إنه أوصى إلى علي؟ (راجع — ابن كثير — البداية والنهاية — المجلد الثالث، ص٣١٩ — دار الغد العربي، العدد ٢٥).

فأين كان (الإجماع) آنئذٍ — والبدايات هي مشغول الساحة — حيث الجسد الكريم لرسول الله ما زال على فراشه لم يُوارَ التراب!

فإذا ما جاء المدعون الآن يؤسسون لحكم شرعي على سند من (فقه) يعتد بمزعومة (الإجماع) كمصدر من مصادر الشريعة في إنكار حجية الإجماع — راجع: (محمود شلتوت — الإسلام شريعة وعقيدة، ص٦٧، مشار إليه)، أيضًا: (الطيب النجار — تيسير الوصول إلى عالم الأصول — دراسات مقررة بكلية أصول الدين بالأزهر، ص٨٤)، أيضًا: (محمد أبو زهرة — أصول الفقه، ص١٨٧، مشار إليه)، أيضًا: (محمد رشيد رضا — شرح المنار، ج١٣، ص٤١). أفهل يسمع لهم، أو أن يعتد (بفقههم) المؤسس عليه دعواهم؟

(ﻫ) والنتيجة المثارة في البند (خامسًا من الصحيفة) أساسها فاسد وموطن الفساد في (بنائية) هذا البند أنه يرتب نتيجة لما لا أساس له، إذ يخلص إلى ما انتهى إليه دون العروج على ما بُني عليه، فإن كانت الردة سببًا من أسباب الفرقة الزوجية فشرائط التفريق للردة هي ثبوت الردة أولًا ثبوتًا يقينًا لا يُتعدَّى فيه القانون — أيضًا ولا الدين — بما تحصل من نشب الصدور وقراءة الأفكار (!) (راجع — نقض ٢١/٤/ ١٩٦٥م — مجموعة القواعد القانونية — مُشار إليه).

كذلك فما أشار إليه هذا البند من أحكام ارتكن إليها في بنائيته على انقطاع عن ساحة المعروض (بالدعوى الماثلة)، إذ الأحكام تلك — جميعها — قد صدرت في دعاوى أفصح المدعى عليهم فيها بالردة بأنهم خارجون عن الإسلام — إما لأنهم كانوا قد اعتنقوا الإسلام، وإما لأنهم غادروا إلى ديار أخرى فاعتنقوا جنسيتها وملة أهلها تاركين إسلامهم على مرفئ شطآن المغادرة، وعلى مَن يريد اليقين في ذلك أن يرجع لتلك الأحكام ليقف عن المغالطة التي استولد منها المدعون ما انتهوا إليه. فمن ذلك، ولكل هذه الأسباب، فالدعوى في نطاق موضوعها عارية من أساسها، حَرية بالرفض في كافة ما بنت عليه وما انبنت إليه.

استدراكية، واعتذار

كنا — حين وضعنا الأساس لهذا الدفاع — قد خططنا لتناول الدعوى من جانبَين: قانوني، ومعرفي، فتناولنا الجانب الأول فيما انتهينا إليه على أمل بأن في الوقت ما يتسع لتناول الجانب الثاني غير أن ظروفًا قهرية استغرقت من الوقت ما كان مخصصًا لهذا الجانب فجاء الدفاع خاليًا منه … لذلك أكرر الاعتذار.

محامي المدعى عليهما
رشاد سلام

٦

من اتحاد المحامين السوريين
تحية طيبة
وبعد، فإننا نحن المحامين الموقعين أدناه من القطر العربي السوري والذين يتابعون أنباء المحاكمة في الدعوى الغريبة المقامة من بعض المحامين باسم الدين ضد الدكتور نصر حامد أبو زيد واتهامه بالردة، يسرنا أن نبعث عن طريق مجلتكم١ بكتابنا هذا إلى المحكمة الناظرة في الدعوى وإلى الرأي العام كإعلان موقف ورأي في إجراء خطير أساء ويسيء إلى أمتنا وديننا، ويحملهما وزر اتجاه ظلامي تخلصت منه البشرية في العصر الحديث، واستنكره الإسلام منذ بزوغ رسالته ومنذ أكثر من ألف وأربعمائة سنة.

إن الرسول العربي رسول المحبة والسلام قد بلغ بأمانة وصدق رسالة ربه ليقول لكل الناس قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ. وليؤكد للجميع أنه لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ وأنه وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ووَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ وغير ذلك كثير من الآيات الكريمة التي ضمن فيها «رب الناس، ملك الناس، إله الناس» لكل إنسان بمحض مشيئته واختياره، وعلى قدر عقله، أن يؤمن أو يكفر، وقال للكافرين: «لكم دينكم ولي دين». وبهذا كان الوحي صريحًا واضحًا في التأكيد على حرية الإنسان في الاعتقاد والإيمان. وبهذا لا يجوز لأحد أن يفرض آراء على غيره بالإرهاب والتهديد بالقتل. ومنع الاعتداء على حرية الإنسان مهما كان معتقده بشرط ألَّا يكون هو من المعتدين.

إن هذه الرسالة السماوية الإسلامية البليغة تتفق تمامًا مع ما وصلت إليه البشرية، بعد أكثر من ألف ومائتي سنة من تبليغ محمد لها، بما سمته إعلانات حقوق الإنسان وما أصبح شرعة للأمم المتحدة وشعارًا عالميًّا مع نهاية هذا القرن العشرين.

ذلك هو الإسلام الذي ينطق به القرآن الكريم في مجمل أحكامه التي كرم فيها الإنسان وحفظ له حقه في التفكير والاعتقاد والتعبير، دون وصاية من كهنوت ولا رقابة من إنسان آخر، وفي ذلك كان سمو الإسلام وكانت عظمة رسالته التي خاطبت عقول الناس جميعًا مفترضة بهم فهم الرسالة دون حاجة إلى سلطة مشايخ، أو كهنوت متعصب يقيم مقاييس وموازين تحدد أوصافًا جاهزة للكفر، ومحاكمات تفتيشية يفصلونها ويعدونها بحسب مقاسات أفهامهم للمقدس التي لا يقبلون فيها حوارًا ولا نقاشًا، ويعتبرون المعرفة والعلم حكرًا عليهم، رغم صراحة النصوص بحق كل إنسان في الاجتهاد وفي الإيمان وحرية الاعتقاد.

إنه في الوقت الذي كان ينبغي فيه على العرب والمسلمين في جميع أقطارهم أن يستهدوا بنصوص القرآن المشار إليها لتأكيد حقوق الإنسان المطروحة كشعار عالمي مع نهاية هذا القرن العشرين، الذي توصلت فيه البشرية إلى اعتبار أن من أهم هذه الحقوق، حرية الإنسان في الضمير والمعتقد. وإنه في الوقت الذي كان ينبغي فيه على رجال الفكر، وعلى رجال الدين المخلصين له أنه يهتدوا بأحكام القرآن وأن يعملوا من خلال ذلك، على إزالة تلك الصورة الدموية البشعة التي يعرضها أشخاص نصَّبوا أنفسهم بأنفسهم أوصياء وكهنة وقضاة محاكم تفتيش تحت ذريعة الدفاع عن الإسلام، الإسلام الذي كان أول مَن حارب هؤلاء … إنهم بكل أسف، بمواقفهم هذه جعلوا من هذا الدين العظيم عرضة لانتقاد عالمي آخذ من أقوال وتصرفات هؤلاء المتعصبين، أن الإسلام دين دموي لا يصلح لهداية الإنسان بأكثر مما يصلح لقتل الناس، وأنه دين السيف والقتل والدماء، وليس دين الرحمة والموعظة الحسنة والإخاء بين الشعوب والقبائل ليتعارفوا أن أكرمهم عند الله أتقاهم.

إن الدعوى الغريبة المقامة ضد الدكتور نصر حامد أبو زيد، بالتفريق بينه وبين زوجته بتهمة الارتداد عن الدين، لمجرد استعماله لعقله وعلمه مجتهدًا بتفسير النصوص والأحكام، تعبر عن مأساة حزينة تردى فيها مجتمعنا العربي والإسلامي، وعن إرهاصات فكر ظلامي يعدو بالمجتمع العربي القهقرى إلى عصور القرون الوسطى، حيث كان كهنة الدين لا يعرفون وسيلة لفرض آرائهم سوى وسيلة البتر والحرق، وحيث كان الإسلام في ذلك الحين يشدد على أنه لا إكراه في الدين … وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.

إننا ونحن نشعر بعمق المأساة وبوحدة المصير العربي نبارك ونؤيد الأقلام الحرة في مصر وفي جميع الوطن العربي التي تتصدى لهذه المأساة ونشكر المنابر الصحفية والإعلامية الحرة التي تكشف وتعرِّي الأفكار الظلامية الدخيلة على الإسلام والمناقضة لحقوق الإنسان ونعلن من على صفحات هذه المجلة، أننا كمحامين عرب مسلمين مارسنا ونمارس الدفاع عن الحق والعدل وملتزمين بهموم أمتنا العربية، متطوعون للدفاع في قضية الدكتور نصر حامد أبو زيد لأن في الدفاع عن قضيته وحريته دفاعًا عن الإسلام الحق وعن العدل وعن حقوق الإنسان.

إن ثقتنا بالقضاء العربي في مصر الذي عرفنا فيه مواقف جريئة تتفق مع منطق الحياة والعصر وحماية حقوق الإنسان، تجعلنا مطمئنين على أن حكمه في هذه الدعوى الغريبة سوف يكون منسجمًا مع تاريخه في الحرص على العدل والمنطق السليم وفي إفحام الانكشارية الدينية المزايدة والمبتزة باسم الدين. وإننا لواثقون أيضًا أن نتيجة هذه الدعوى لن تكون سوى البرهان القاطع على أن التكفير باسم الدين، وأن الإرهاب الفكري والمادي دخيل على حضارتنا وديننا وقيمنا الإنسانية. إننا نعتز بوجود أمثال الدكتور نصر حامد أبو زيد ممن يستعملون عقلهم النير لإيضاح أن الدين ليس هو ذلك الموجود بخطاب الجهلة المدعين بالتدين واحتكار المعرفة. وإنما الدين هو النص الديني الموحى به بعد تحليله وفهمه فهمًا علميًّا صحيحًا يمنع عنه أي لبس وينفي عنه ما لحق به من خرافات ويستقي ما فيه من قوة دافعة نحو التقدم والعدل والحرية. إن الإسلام الذي أعلن حرية الضمير والاعتقاد للناس وحرم وجود كهنوت متعصب يفرض آراءه بالحديد والنار على الناس، يؤكد أن الله عز وجل لم يجعل محمدًا وكيلًا عن عباده «قل لست عليكم بوكيل»، فكيف يسوغ في منطق الدين وفي منطق حقوق الإنسان أن يُنصِّب بعضهم لنفسه بنفسه وكيلًا عن الله وعن دين الله، ويحرم على الإنسان العاقل المفكر حرية البحث العلمي، ويصادر العقل ويزرع الحقد والإرهاب باسم الدين البريء في جوهره من كل ما يقولون؟

إننا إذ نرجو نشر رسالتنا هذه باعتبارنا محامين متطوعين عن الدكتور نصر حامد أبو زيد نأمل إعلامنا عن موعد الجلسة القادمة وكفالة حقنا بالدفاع في هذه القضية التي هي قضية العروبة والإسلام. وقضية حقوق الإنسان وحريته في الاعتقاد والتفكير. المكفولة بالدين وبشرعة الأمم المتحدة ودساتير الدول العربية.

مع الشكر والاحترام.

توقيعات

٧

بسم الله الرحمن الرحيم
محكمة الجيزة الابتدائية
الدائرة (١١) شرعي كلي الجيزة
مذكرة

بدفاع الدكتور/نصر حامد أبو زيد والدكتورة/إبتهال يونس.

ضد

الأستاذ/محمد صميدة عبد الصمد المحامي وآخرين.

في القضية رقم ٥٩١ لسنة ١٩٩٣م.

المحدد لنظرها جلسة ١٦/ ١٢/ ١٩٩٣م.

  • الدفع بعدم جواز البحث في حقيقة الاعتقاد الديني:

  • حيث إن طلبهم التفريق بين المدعى عليهما الأول والثانية لردة الأول يعني أنهم قد حسموا بداءة أمر ارتداد المدعى عليه الأول واعتبروه مرتدًّا يجب التفرقة بينه وبين زوجه، وهو ما يمثل نوعًا من المصادرة على المطلوب، لأن المحكمة الموقرة قبل أن تجيب المدعين لطلبهم، عليها أولًا أن تحكم بردة المدعى عليه الأول.

  • وقد استقرَّت مبادئ محكمة النقض على عدم جواز البحث والتفتيش في حقيقة الاعتقاد الديني لأي مسلم طالما أنه بحسب الظاهر يدين بالإسلام. ومما يؤيد هذا أن كل السوابق القضائية التي حُكم فيها بالتفريق بين زوجين لردة أحدهما كانت الردة فيها ثابتة وقاطعة بإقرار الشخص نفسه المدعي بارتداده، وبالتالي لم تتحرَّ أيٌّ من المحاكم التي أصدرت أحكامًا بالتفريق في تلك السوابق للبحث في العقيدة، إذ هي واضحة وظاهرة بالإقرار. أما بالنسبة إلى الدعوى الماثلة أمام عدالتكم فالأمر يختلف تمامًا، فالمدعى عليه الأول في دعوانا يعمل أستاذًا مساعدًا للدراسات الإسلامية بقسم اللغة العربية بكلية الآداب منذ ما يقرب من عشرين عامًا.

  • وفي إطار البحث العلمي والدراسات قام بتأليف عدة مؤلفات في التراث الديني الإسلامي، فإذا بالمدعين يقتطعون جملًا من هذه المؤلفات ويجتزئون عبارات من سياقها في تلك الكتب ليفهموها فهمًا خاصًّا لا تقوله الكتب التي ألَّفَها المدعى عليه الأول — حتى لو قُرئَت بعيدًا عن سياقها — توصلًا لتكفير مسلم بأي وسيلة انقيادًا لأحقاد نفسية.

  • وقد جاء في باب المرتد في كتاب: مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر، المجلد الأول ص٦٨٠ (للفقيه المحقق عبد الله بن الشيخ محمد بن سليمان) أن ركن الردة هو إجراء كلمة الكفر على لسان بعد الإيمان ولم يحدث قط أن نطق المدعى عليه الأول بكلمة الكفر أو حتى أتى فعلًا يُعَد كفرًا حتى يُفرَّق بينه وبين زوجته باعتباره مرتدًّا.

  • ولا ينهض صحيحًا القول هنا بأن المدعى عليه الأول صدرت منه كتابات يُفهم من قراءتها أنها خروج على الإسلام لأن مفاهيم الناس تتفاوت فما يراه واحد خروجًا يرى فيه آخر غير ذلك.

  • وقد احتاط الفقهاء نهاية الاحتياط في عدم تكفير المسلمين واستنادًا إلى مذهب الحنفية لا يُفتى بكفر مسلم أمكن حمل كلامه على محمل حسن أو كان في عدم كفره رواية ولو ضعيفة. فما بالنا ونحن أمام رجل مسلم يسعى إلى تدعيم الإسلام والتمكين له على أسس من المعرفة العلمية والعقل.

    رجل قضى ما يربو على عشرين عامًا في محراب دراسة الإسلام وتدريسه والنهوض به في مواجهة كل ما يُسيء إليه.

  • فيأتي الأساتذة المدعون ليوجهوا إليه ما يشوِّه فكره ويقلب مفاهيمه ثم يرمون مسلمًا ومسلمة بالكفر من غير بينة.

بناءً عليه
  • ومع حفظ الحق في الدفاع الموضوعي وكافة الحقوق الأخرى.

  • يلتمس المدعى عليهما من عدالة المحكمة الموقرة الحكم بقبول الدفع المبين بصدر هذه المذكرة والحكم به.

وكيلة المدعى عليهما
صفاء زكي مراد
المحامية

٨

محكمة الجيزة الابتدائية
الدائرة ١١ شرعي
مذكرة

بدفاع/الدكتورة إبتهال يونس      مدعى عليها ثانية

ضد

الأستاذ/صميدة عبد الصمد المحامي.

وآخرين … مدعين …

في الدعوى رقم ٥٩١ لسنة ٩٣ شرعي كلي الجيزة المحدد لنظرها جلسة ١٦/ ١٢/ ١٩٩٣م.

الوقائع

أقام المدعون — وهم نفر من آحاد الناس — الدعوى الماثلة بطلب تفريق المدعى عليه الأول، زوج المدعى عليها الثانية، عنها، بزعم — لا يقين عليه ولا سند له — أنه قد ارتد عن الإسلام، وما دام قد ارتد — حسب تصورهم — فإن زواجه بها قد انفسخ، مما يتعيَّن معه والحال كذلك التفريق بينهما.

ولما كان من ظاهر الحديث — أن هؤلاء المدعين لا صفة لهم في حديثهم أو فيما يطلبون — فقد ارتكنوا على دعاوى الحسبة، تلك التي تبيح لهم حسب تصورهم أن يقيموا مثل هذه الدعوى مدعين أنهم يدافعون عن حق من حقوق الله «وهو» حل مباشرة النساء وحرمتها، ذلك الذي يجب على كل مسلم أن يحافظ عليه ويدافع عنه.

وهكذا يحاول المدعون، إثبات أنهم في دعواهم هذه، وحسب زعمهم، إنما يدافعون عن المدعى عليها الثانية، ويطلبون التفريق بينها وبين زوجها المدعى عليه الأول، حماية لها ودفاعًا عنها، الذي هو حماية عن حقوق الله دفاعًا عنها.

والحق أن المدعى عليها الثانية، تدرك أن زوجها — المدعى عليه الأول — هو المستهدف من هذه الدعوى، فالمدعون وقد اتخذوا من هذه الدعوى مَطية ووسيلة.

ليس لحمايتها — حسب زعمهم المعلن،

وليس دفاعًا عن حق من حقوق الله تعالى — كما يدعون،

بل افتئاتًا عليه — على زوجها المدعى عليه الأول،

لا دفاعًا عن حق، بل تحقيقًا لأغراض أخرى لا يخفونها إلا عن هذه المحكمة، لكن يجهرون بها في كل ساحة وبكل لسان، فأهدافهم والتي لا يمكن لهم تحقيقها إلا بواسطة هذه الدعوى، سيؤجل الحديث عنها إلى صفحات لاحقة.

هذا هو الحديث وهذا هو أصل الموضوع وفرعه.

فالدعوى الماثلة، نصيبها من القانون قليل، وأهدافها خارج المحاكم أكبر وأعظم، وما استعمال القانون ودعاوى الحسبة والمحاكم، إلا أدوات لتحقيق أهداف غير قانونية وغير مشروعة … على النحو الذي سيُبيَّن فيما بعد.

وبما أننا قد أُجبرنا على الولوج في ساحات المحاكم، فلا سبيل لنا ولا ملاذ لحمايتنا إلا القانون والدستور … ويبقى الحديث عن ملابسات الدعوى وظروف رفعها والغايات الحقيقية منها ولها، حديثًا تاليًا — رغم أهميته، يتقهقر إلى الصفحات الأخيرة من هذه المذكرة.

والتي لما فيها ولما ستجده المحكمة من أسباب أفضل، سيتحقق للمدعى عليهما معًا السلام والأمان والعدل والحق.

الدفاع

وقبل إبداء الدفاع الموضوعي، ينضم الدفاع عن المدعى عليها الثانية إلى كل الأساتذة المحامين الحاضرين في هذه الدعوى عن المدعى عليه الأول وعن الخصوم المتدخلين، في كل ما أبدوه من دفوع ودفاع، باعتبار أن الدفاع في هذه الدعوى وحدة واحدة تستهدف بكل شخوصها الوصول إلى إعمال صحيح القانون برفض الدعوى.

وبعد

أولًا — تتمسك المدعى عليها الثانية، وهي زوجة المدعى عليه الأول، بالدفع بعدم قبول الدعوى لرفعها من غير ذي صفة ولانعدام المصلحة القانونية المشروعة …

فهؤلاء المدعون، فيما قاموا به من تطفُّل على حياتها الشخصية وحرمتها، وفيما زجوا أنفسهم فيه وزجوا بها فيه من حديث عن أدق أمورها الخاصة، بطلب تفريق بينها وبين زوجها، لا يقوم على سند من قانون أو من شريعة، وليس لهم صفة فيما يتمسكون به، فرِدَّةُ زوجها أمر غير قائم ولا سند عليه، بل ولا مجال أو مبرر لديها للحديث فيه والخوض به، وهم — هؤلاء المدعون — لا يملكون صفة تتيح لهم إقامة مثل هذه الدعوى أو تبرر لهم الحديث فيها، ودعاوى الحسبة، تلك التي تبيح الدفاع عن حقوق الله، لا تصلح وسيلة لهم أو تمنحهم صفة قانونية تمكنهم من إقامة مثل هذه الدعوى.

فقد نصت المادة الثالثة من قانون المرافعات على أنه «لا يقبل أي طلب أو دفع لا يكون لصاحبه فيه مصلحة قائمة يقرها القانون».

ومن ثَم فقد تطلب القانون لقبول الطلب أو الدفع:

توافر المصلحة لصاحبها، بل وتكون مصلحة يقرها القانون.

وليس في الأوراق — بخصوص الدعوى الماثلة أي مصلحة قائمة للمدعين، يدافعون عنها بإقامة هذه الدعوى، فالادعاء بأن مصلحتهم القائمة والمبررة لرفع الدعوى هي «الدفاع عن حق من حقوق الله» ليست ظاهرة في الأوراق، لأنه وحتى تتوافر لهم هذه الصفة ألا وهي أنهم المدافعون عن حق من حقوق الله، لا بد لهم أن يثبتوا أن هناك من ينتهك ذلك الحق ويخالفه، وهو ما لم يثبت في هذه الدعوى — مع الاحتفاظ بكافة حقوقنا في مناقشة ودحض ما قد يجد ويثبت أثناء تداول هذه الدعوى — فالمدعى عليه الأول، ليس بكافر أو مرتد أو مغير لدينه، بل هو مجرد افتراض، يجاهد المدعون من أجل إثباته — ولم تثبت — ومن ثَم تنعدم مصلحتهم القانونية التي تبيح لهم قانونًا إقامة الدعوى، مما يجعل عدم قبولها أمرًا يصادف صحيح القانون. لكن لهم مصلحة واقعية، تلك التي يخفونها عن المحكمة في أوراقهم، ويدعون بغيرها، والتي يستخدمون القانون والمحكمة والدعوى ذاتها لتحقيقها، وهي منع المدعى عليه الأول من التدريس في الجامعة … وما نقرره هنا ليس استنتاجًا أو تصورًا بل هو الحقيقة المتوارية وراء كل الادعاءات غير الحقيقية الملفقة.

وهو ما ورد بالنص على لسان المدعي الأول وعبر عنه بوضوح في حديثه لمجلة المصور الصادرة في ١٩/ ١٢/ ١٩٩٣م عدد رقم ٢٦٠٦، ص٦٠؛ إذا قال: «لم يكن أمامي من وسيلة لكي أثبت قانونًا وبحكم قضائي ارتداد الدكتور نصر لكي نمنعه من التدريس في الجامعة.» إذن هذا هو الهدف الذي بسببه أقام المدعي الدعوى الماثلة، وهذه هي المصلحة القائمة التي دفعته لإقامة الدعوى الماثلة لتحقيقها.

فهذه هي المصلحة الحقيقة والدافع لهم على إقامة هذه الدعوى.

ولكن هل هي مصلحة مشروعة يقرها القانون، هل يقر القانون أن يستخدمه المدعون وسيلة — بزعم الادعاء بدفاعهم عن الدين وعن حقوق الله — ليس لغرض إلا منع المدعى عليه الأول من التدريس في الجامعة، أي منعه من عمله المشروع … الإجابة واضحة لا تحتاج إلى طويل الحديث، فتلك المصلحة التي هي المحرك الرئيس، والدافع الحقيقي والوحيد للمدعين، غير مشروعة ومخالفة لصحيح حكم القانون … فهي مصلحة لا يقرها القانون، لأنها ترمي إلى تحقيق أهداف غير مشروعة هي منع المدعى عليه الأول من ممارسة عمله الذي يقوم به في الجامعة.

وما دام غرضهم من رفع الدعوى وإقامتها، هو استخدام حكم هذه المحكمة، بعد صدوره ليس لإحكام التفريق بين الزوجة وزوجها — كما يدعون دفاعًا عن حكم الله وحقوقه — بل لمنع المدعى عليه — الأول من العمل بالجامعة … فقد باتت مصلحتهم الدفينة تلك التي — وبعد وضوحها — تحول بينهم وبين مباشرة هذه الدعوى لأنها مصلحة غير مشروعة لا يقرها القانون، مما يجعل الدفع بعدم قبول دعواهم — والمبدى من المدعى عليها الثانية — أمرًا يصادف صحيح القانون وخليقًا بالقبول.

قال تعالى قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (سورة الكهف: ١٠٣-١٠٤) صدق الله العظيم.

ثانيًا: تلتمس المدعى عليها الثانية من المحكمة الموقرة التفضل برفض الدعوى وإلزام رافعيها بالمصروفات وأتعاب المحاماة على سند من:

أن أحكام القانون المصري جاءت خلوًا من أي نص يبيح لأي جهة أن تحكم على ما يعتقده المواطن تنقيبًا وبحثًا عن بواطن نفسه وسرائرها وصولًا إلى صحة إيمانه أو كفره أو ارتداده.

فالقانون المصري لا يعرف معنى الردة ولا كيفية إثباتها، فإن كان الأمر كذلك، فإن هذه المحكمة مسيجة بنصوص القانون الصحيحة، يمتنع عليها البحث عن ردة المدعى عليه الأول من عدمها، سيما أنه لم ينكر دينه أو يدعي خروجه عنه، أو انقلابه عليه.

بل إن المدعين، وهم بصدد إثبات دعواهم، ارتكنوا على مقتطفات من بعض كتابات المدعى عليه الأول، باجتزائها عن سياقها، محاولين بذلك الخلط المتعمد، الوصول إلى ما يستحيل الوصول إليه، استنطاقًا للمدعى عليه الأول بما لم يقله، بارتداده وخروجه على الدين … ولو أنهم عرضوا أعماله في كمالها وسياقها المكتمل لتغيرت المعاني وتعذر الاستنطاق، لكنهم عن عمد شوهوا ما يقوله وصولًا إلى نتيجة لا يمكن الوصول إليها لو استقام عرضهم.

وما دام القانون المصري لا يعرف سبيلًا، ولم ينظم طريقًا للقول بردة أي مواطن، وما دام إثبات الردة أمرًا ليس منوطًا بهذه المحكمة تناوله، وما دامت الردة علة التفريق، وما دامت الردة غير ثابتة وغير ممكنة الثبوت إلا بالإقرار — من الشخص المنسوبة إليه — أو بوثيقة رسمية تثبت خروج ذاك الشخص على الإسلام ودخوله في دين آخر — وهذا وذاك لم يحدث … فتكون العلة منتفية، وإن انتفت العلة (الردة) استحال التفريق (النتيجة اللاحقة لثبوت الردة).

ولا ينال من ذلك، ما أورده المدعون من إشارة إلى بعض من أحكام محكمة النقض، فتلك الأحكام تعالج غير ما نحن بصدده، ولو أنه يشبهه، والشبه غير التطابق والتماثل، فهم قد أوردوا الإشارات إلى تلك الأحكام للقياس بأحكامها على وقائع هذه الدعوى، لكن وكما يقال في مثل هذه الحالات قياس مع الفارق، لأن المدعين وعلى النهج ذاته يسيرون، بطريقة «لا تقربوا الصلاة»، فتلك الأحكام تفرق بين أزواج غيَّرَ أحدهم دينه وخرج عن أحكام الإسلام، إما بإقراره وإما في وثيقة رسمية وعلى نحو لا مجال لدحضه، فاعتبرته المحكمة العليا قد ارتد، وطبقت عليه التفريق.

ولكننا في هذه الدعوى، أمام حالة مختلفة ووقائع مغايرة، فالمدعى عليه الأول أستاذ جامعي مسلم، يدرِّس ومنذ قرابة العشرين عامًا في قسم اللغة العربية، الدراسات الإسلامية، متخصصًا في علومها، باحثًا في أحكامها، لم ينكر إسلامه، أو يخرج عنه، أو يجهر بانتمائه إلى غيره، بل يتمسك به ويدافع عنه باجتهادات لم تلقَ قبول بعضهم للاختلاف مع مضمونها، فاعتبروا كتاباته، هي ذاتها دليل ردته، وهو دليلٌ واهٍ فاسد، لأنه رأيٌ مُتعسِّف شخصي. أيًّا ما كان تقديرنا لذلك، فإن المحكمة ونحن بصدد هذه الدعوى، يمتنع عليها التنقيب في نفس المدعى عليه الأول، لما أعلنه وكرره بتمسكه بدينه والتزامه به. فإن كان الحال كذلك، فنعود إلى تكرار أن الاستشهاد بأحكام النقض سالفة البيان، يكون غير ملزم وغير ممكن لأن تلك الأحكام — وطبقًا لوقائع الدعاوى التي صدرت فيها — ارتكنت على ردة ثابتة «بتغيير الدين أو إنكاره أو ثبوت الخروج عليه بإقرار أو وثيقة رسمية» للحكم بالتفريق، لذا يلزم تكرار أنه قياس مع الفارق، فمحكمة النقض لم تبحث عن ثبوت الردة ولم تحاول إثباتها، بل قصر دورها على الحكم بما يترتب على ثبوت ذلك بعد ثبوته.

وبإعمال ما تقدم على وقائع الدعوى، تكون هذه الدعوى «دعوى التفريق بين الزوجين» قد رُفعت قبل الأوان، لعدم إقرار المدعى عليه الأول بتغيير دينه أو خروجه عليه، بل وتمسكه به ودفاعه عنه والتزامه بأحكامه … وهو أمر لازم ثبوته للحديث بعده ولاحقًا عليه، عن دعوى التفريق.

ولا يجدي للرد على هذا، ولا ينال منه، ما يحاوله المدعون، ألا وهو إحالة الدعوى للتحقيق لإثبات ردة المدعى عليه الأول، مستهدفين الاستشهاد بآراء بعض الفقهاء أو الشيوخ، أو مَن يرونهم متخصصين للحكم بردة الآخرين، وهم هؤلاء الذين يرى فيهم — المدعون — حكامًا على اجتهادات المدعى عليه الأول وكتاباته.

وعلينا هنا أن نتذكر ما قاله علماء الفقه في المدرسة المستنصرية وقت أمر الخليفة المستعصم بأن يقصروا دروسهم على أقوال الأئمة قبلهم ولا يدرسوا كتابًا من كتبهم لتلاميذهم … وقتها قال شهاب الدين الزنجاني أستاذ المذهب الشافعي وعبد الرحمن اللمغالي أستاذ المذهب الحنفي «إن المشايخ كانوا رجالًا ونحن رجال» أي جميعهم بشر لهم الملكات نفسها والقدرات والعلم ومكنة الاجتهاد.

فمَن هم هؤلاء الذين يملكون، وفقًا لآرائهم أو علمهم، أن يحكموا على علم المدعى عليه الأول باعتباره كفرًا أو ردة، أليسوا رجالًا مثله، قد يصيبون وقد يخطئون، مثله مثلهم مثل كل البشر.

وفي هذا نحيل إلى مذكرة الأستاذ/خليل عبد الكريم، فيما استشهد به وأورده من آراء فقهية وأحكام قانونية، تنتهي جميعها إلى عدم جواز الارتكان على شهادة هذا أو ذاك لإثبات ردة أو تأكيد كفر، وذلك باستنباط تلك المعاني على خطورتها وشدة آثارها — مهما كانت درجة علم المستنبط أو تصوره لعلمه — من اجتهادات علمية لآخر، يتمسك بدينه وبآرائه واجتهاداته وبحوثه نافيًا عنها التناقض مع الإسلام، بل يراها — وله أجران إن أصاب — صحيح الإسلام.

وفي هذا الشأن أيضًا نحيل إلى الدفع المُبدى من الأستاذ/أحمد عبد الحفيظ في مذكرة دفاعه، والذي يدفع فيه بعدم جواز إحالة الدعوى للتحقيق باعتبار أن «الاعتقاد الديني مسألة نفسانية، لا يسوغ لقاضي الدعوى التطرُّق إلى بحث جديتها أو بواعثها أو دوافعها» وأيضًا «أن الإسلام يكفي فيه مجرد النطق بالشهادتين والإقرار به دون حاجة إلى إشهاره رسميًّا أو إعلانه».

وما دام المدعى عليه الأول، قد أقر وما زال بإسلامه، فلا مجال لإحالة الدعوى للتحقيق لإثبات خلاف إقراره … والقول بغير ذلك خطأ بيِّن ومخالفة صريحة لأحكام صريح القانون.

يبقى لنا حديث قصير من باب التزيد وهو حديث أفاض فيه الزملاء، ألا وهو اختصام شيخ الأزهر، مكن المدعين بفرض — طبقًا لما ورد في صحيفة الإدخال — إبداء الرأي الشرعي في أقوال المدعى عليه الأول نصر حامد أبو زيد المبينة في هذا الإعلان وفي غيرها مما تضمنته كتبه سالفة البيان ولنا في هذا قولان:

  • الأول: الإشارة إلى نص المادة ١١٧ مرافعات وما بعدها، بحثًا عن صحة الاختصام الذي قام به المدعون، ولن نطيل هنا؛ فالمحكمة أدرى بصحة شروط الاختصام، وهي غير متوافرة في حالة اختصام الأزهر، لأنه لن يصدر عليه الحكم بالتفريق، أو يصدر في مواجهته، ولأنه لن يقدم ما تحت يده ويتعذر الوصول إليه إلا بإدخاله في الدعوى، فالأزهر وطبقًا لصحيفة الإدخال، طلب منه إبداء الرأي، والخصم لا يبدي آراء، ولا يجوز هنا القول بإدخاله في الدعوى باعتباره خبيرًا منوطًا به تقديم الآراء وتحرير التقارير، لأن الخبراء لا يدخلون في الدعاوى وليسوا أطرافًا فيها. ولأن المحكمة لم تقضِ من تلقاء نفسها بإدخاله، لانعدام صلته بالدعوى.

    فذلك الإدخال لمؤسسة الأزهر إنما يُعد عملًا دعائيًّا، شأنه شأن كل الأحاديث الصحفية والتقاط الصور التي تتم خارج قاعة الجلسة وفي ردهات المحكمة، لا علاقة له بصحيح القانون، لانعدام شروط صحة الاختصام، تلك الشروط القانونية التي لا تعرف المحكمة إلا الحديث عنها وفيها.

  • الثاني: أنه إذا كان القانون المصري، لم يعرف سبيلًا لإثبات الردة، بل ومنع على مؤسساته القضائية الخوض فيها، واكتفى بأنْ نظَّم ما يتبع ثبوت تلك الردة — بالطرق سالفة البيان — من أحكام، فهو قد منع ذلك الأمر والخوض فيه على كل المؤسسات والأشخاص، فليس لأي جهة كانت أن تنقِّب في النفوس بحثًا عن صحيح المعتقد، سواء تم ذلك بإبداء الرأي الشرعي أم غيره، فما دام القانون لا يعرف ذلك الأمر ولم ينظمه، فليس لأحد الالتفاف على إرادة المشرع، للوصول إلى ما حجب القانون الخوض فيه بأي مسمى أو تحت أي زعم … والقانون المصري هنا كان متسقًا مع أحكام الدستور الحامي لحرية العقيدة وحرية الاعتقاد.

ومن ثَم فإن أي محاولة للوصول إلى إثبات — ما يُسمى بالردة — قسرًا باستنطاق المراد إثباته عليه وصولًا إلى تأكيدها أو باستنطاق الآخرين وصولًا إلى النتيجة نفسها إنما يُعد عملًا مخالفًا للقانون وللدستور، لا يجوز الخوض فيه اتفاقًا وأحكام صحيح القانون واحترامًا لنصوص الدستور.

ويلاحظ هنا أن المدعين، ورغم انتباههم إلى ما تقدم، حاولوا في عريضة دعواهم الرد على ذلك بالقول إنه «لا يصح التذرع في هذا الخصوص بأن الدستور يكفل حرية العقيدة فهذه مقولة حق يراد بها باطل، وقد استقر القضاء المصري بجميع درجاته استقرارًا مطلقًا على أن إعمال آثار الردة حسبما تقررت في فقه الشريعة الإسلامية ليس فيها ما يخالف أحكام الدستور وليس فيه أي مساس بحرية العقيدة أو المساواة بين البشر في الحقوق والواجبات، وذلك أن هناك فرقًا بين حرية العقيدة والآثار التي تترتب على هذا الاعتقاد من الناحية القانونية، فكل فرد حُر في اعتناق الدين الذي يشاء في حدود النظام العام أما النتائج التي تترتب على هذا الاعتقاد فقد نظمتها القوانين ووضعت أحكامها، فالمسلم تُطبق عليه أحكام الشريعة الإسلامية»، ثم استطرد وانتهى إلى أنه «على ذلك تكون أحكام الشريعة الإسلامية فيما يتعلق بالمرتد عن الإسلام هي الواجبة التطبيق باعتبارها قاعدة متعلقة بالنظام العام على ما سبق بيانه وليس فيها مس بحرية العقيدة أو المساواة بين المواطنين.

إن المدعين في ردهم التزموا بمنهجهم الواضح في صدر العريضة، ألا وهو لَيُّ عنق الكلمات واستنطاقها بغير ما تعني وتقصد.

وبصرف النظر عن الرأي في أن أحكام الشريعة الإسلامية هي الواجبة التطبيق على المرتد، وبصرف النظر عن أن ذلك يتفق وأحكام …»:

(١) عبارة منتزعة من سياقها في كتاب الإمام الشافعي وتأسيس الأيديولوجية الوسطية تقول: «وقد آن أوان المراجعة والانتقال إلى مرحلة التحرر لا من سلطة النصوص وحدها، بل من كل سلطة تعوق مسيرة الإنسان في عالمنا، علينا أن نقوم بهذا الآن وفورًا قبل أن يجرفنا الطوفان.»

واضح من هذه العبارة أنها لم تشر لا من قريب ولا من بعيد إلى نصوص القرآن والسنة، إلا أن المدعين يعتسفونها، وقد نزعوها من سياقها الذي لا تُفهم إلا في ضوئه وعلى هُدًى منه، ليُنطقوها بما لم تقله وما لم تنطقه، مستنتجين استنتاجًا غريبًا يؤسسون عليه حكمًا أغرب هو أنه: «لا معنى للتحرر من سلطة القرآن والسنة إلا الكفر بما فيهما من أحكام وتكليفات»! فهم يفترضون عند أنفسهم أن المقصود بالدعوة إلى التحرر من سلطة النصوص هو التحرر من سلطة نصوص القرآن الكريم والسنة، وهو فهم غريب وتأويل مريب لم يَقُله المؤلف ولم يشر إليه لا من قريب ولا من بعيد، لا في هذا الكتاب ولا في سواه، وهو ما يجعل الاتهامات المؤسسة على هذه العبارة باطلة ومحض ادعاء وقذف دون سند أو بينة، فهي ادعاءات متولدة إما عن قصد مُسبَق للإساءة والطعن والتشهير، أو عن سوء فهم وجهل بالمصطلحات والمفاهيم في المجالات المعرفية التي تنتمي إليها لدى أهل الاختصاص. فمع افتراض حسن النية يكون هذا الاستنتاج وليد جهل بما يعنيه علم النص ودلالة هذا المفهوم «النص» في مجاله المعرفي ولدى أهل اختصاصه. فهناك علم كامل حوله مكتبة علمية كاملة يسمى «علم النص» أو هذه المحكمة، بالقول بتفريقهما على سند سبق مناقشته، إنما كانوا يستهدفون غير ما يظهرون، ممارسة الإرهاب على المدعى عليه الأول، علَّه يصمت ويكفُّ عن اجتهاده في عمله، فإن لم يصمت فممارسة لتحريض الآخرين عليه، هؤلاء الغائبة عقولهم والذين يتصورون أنهم يملكون الحق ليس في الاختلاف مع الآراء، بل في نفي المختلفين ومصادرة آرائهم، إما بالإسكات القسري والحيلولة بينهم وبين الوجود، سواء تم ذلك بالنفي المعنوي، مثلما يستهدف المدعون حرمان المدعى عليه الأول من عمله في الجامعة، بحرمان تلاميذه من علمه، أو بالتصفية الجسدية والقتل، والأمس ما زال قريبًا.

وهو عمل لا شأن للقانون به، بل هو خروج على القانون ذاته وعلى الشرعية نفسها.

فما يستهدفه المدعون، عمل سياسي، يطمحون به إلى سيادة وسيطرة منهجهم — بما فيه وما عليه — قسرًا على المجتمع … وإذا كانوا اليوم يطالبون بالتفريق جزاء الردة — غير الثابتة وغير المتحققة فغدًا سيطالبون بالقتل جزاء الردة، مؤيدين بفتاوى جاهزة، سبق لها أن صاحبت طلقات الرصاص وباركتها.

إن الدكتور/نصر حامد أبو زيد — المدعى عليه الأول — أستاذ متخصص في مادته، غزير في إنتاجه، عالم في مجاله، وكم لاقى العلماء من عنت الجاهلين وافتئاتهم، لكن ولأنه لا يصح إلا الصحيح لا يبقى إلا قول الله تعالى خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ سورة الأعراف (٧: ١٩٩) وقوله تعالى وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (سورة الفرقان ٢٥: ٦٣) … صدق الله العظيم.

المحكمة الموقرة

ما زال الحديث في القانون قليل، ولكن هل ما يحدث فيه من القانون كثير.

لذلك ولكل ما تقدم

تلتمس المدعى عليها الثانية، وهي تتمسك بزوجها المدعى عليه الأول، نافية عنه ما يريدون إثباته، عالمة عنه ما يضمره وما يظهره، متيقنة من صحيح إسلامه وقوة إيمانه، مدركة صحة ما يسعى إليه من إعلاء لصحيح الإسلام، موقنة مشقة الجهد الذي يبذله والعمل الذي يقوم به، تلتمس من المحكمة الموقرة رفض الدعوى وإلزام رافعيها بالمصروفات وأتعاب المحاماة.

وكيلة المدعى عليها الثانية
أميرة بهي الدين
المحامية

٩

محكمة الجيزة الابتدائية
الدائرة/١١ شرعي كلي الجيزة
الدعوى رقم ٥٩١ لسنة ٩٣
جلسة ١٦/ ١٢/ ١٩٩٣م

مذكرة بأقوال د/نصر حامد أبو زيد وأخرى      مدعى عليهما

ضد

الأستاذ/محمد صميدة وآخرين      مدعين.

الدفع بتأجيل نظر الدعوى أو وقف نظرها حتى ورود تحريات وزارة العدل:

بتاريخ ٣/ ١٢/ ١٩١٨م أصدرت وزارة الحقانية منشورًا رقم ٣٥ لسنة ١٩١٨م بشأن دعاوى التفريق حسبة، وقد أورد الدكتور/زكريا البري أستاذ الشريعة الإسلامية بكلية الحقوق جامعة القاهرة نص هذا المنشور في كتابه الأحكام الأساسية للأسرة الإسلامية، ص٩٤ هامش:

(١) وقد ورد فيه الآتي:

إعلانات التفريق بين الزوجين بطريقة الحسبة، يجب أن تحال بمجرد تقديمها إلى المحكمة على الوزارة لتقوم بعمل التحريات التمهيدية اللازمة ثم تعاد الإعلانات للمحكمة مرفقًا بها أوراق التحريات، لتستعين بها المحكمة في تقدير النزاع المطروح أمامها حق قدره، وفهمه على حقيقته من أن هذه الدعوى يراد بها حقيقة دفع المنكر أو لا يراد منها إلا التشهير بالغير أو الانتقام منه أو غير ذلك من المقاصد التي لا تتفق مع مشروعية الحسبة كالتحايل لإعادة النظر في قضية طلاق سبق الفصل فيها بين الزوجين.

وقد استند السيد/وزير الحقانية في إصدار هذا المنشور إلى المادة/٣٨١ من لائحة ترتيب المحاكم الشرعية التي فوضت وزير الحقانية في وضع اللائحة الداخلية للمحاكم الشرعية وتحديد إجراءات نظر الدعاوى. وتنص المادة سالفة الذكر على أنه:

«يضع وزير الحقانية لائحة للإجراءات الداخلية بالمحاكم الشرعية ويتخذ كافة الإجراءات اللازمة لتنفيذ هذه اللائحة» ومؤدى ما تقدم أن قضاء الأحوال الشخصية مقيد قبل دعوى التفريق بطريق الحسبة بانتظار ورود تحريات وزارة العدل حول مدى جدية الدعوى المطروحة.

والمنشور المتقدم لا يقيد الحق في إقامة دعوى الحسبة لأن: (جمهور الفقهاء أجمع على عدم تقييد الحسبة بشرط الإذن أو التفويض من ولي الأمر). نقض ٣٠/ ٣/ ٦٦ مجموعة/١٧، ص٧٨٢.

ولذلك، فنحن لا نستند إلى أحكام هذا المنشور للدفع بعدم جواز سماع الدعوى، وإنما نستند إلى هذا المنشور لطلب وقف نظر الدعوى وإحالة صحيفة الدعوى إلى وزارة العدل والانتظار حتى ترد تحريات وزارة العدل حول جدية الدعوى.

ومنشور وزارة العدل قد استهدف إرساء ضمانة لحسن سير العدالة، وقد أصدرت وزارة العدل هذا المنشور في حدود صلاحيتها في اتخاذ كافة الإجراءات اللازمة لتنفيذ لائحة المحاكم الشرعية.

ولا يقدح فيما تقدم ما قضت به محكمة النقض في حكمها الصادر في ٣٠/ ٣/ ٦٦ برفض الطعن رقم ٢٠ لسنة ٣٤ (مجموعة النقض جلسة ٣٠/ ٣/٦٦، ص٧٨٢).

ذلك أن حكم النقض المذكور لم يهدر أحكام المنشور ٣٥ لسنة ١٩١٨م وإنما كل ما قدرته محكمة النقض أن هذا المنشور لا يحرم إقامة دعوى الحسبة للتفريق ولا يعلق إقامة هذه الدعوى على إذن من ولي الأمر. ويظل مع ذلك أثر المنشور ساري المفعول في شأن وجوب إحالة الدعوى بعد إقامتها إلى وزارة العدل لإجراء التحريات. وسندنا فيما نقول هو أسباب الحكم الصادر من محكمة النقض سالف الذكر، وقد ورد بها الآتي:

«حيث إن حاصل السبب الثاني أن الطاعنين دفعا بعدم سماع الدعوى لانعدام المصلحة فيها ولعدم استئذان وزارة العدل في رفعها وقضى الحكم المطعون فيه برفض هذا الدفع مستندًا في ذلك أن الدعوى مرفوعة حسبةً وبحق من حقوق الله ويجوز لأي فرد رفعها إزالةً للمنكر ومنعًا للضرر والمصلحة مفترضة في رفعها ولا يمنع من سماعها تعليمات وزارة العدل بضرورة استئذانها في رفعها وهذا من الحكم خطأ ومخالفة للقانون.»

إذ وضح أن المحاكم الشرعية كانت تسمع دعاوى الحسبة وفقًا للأحكام الشرعية إلا أن هذه المحاكم ألغيت وأصبحت المحاكم الوطنية هي المختصة بالنظر في منازعات الأحوال الشخصية وهي تنظرها وفقًا لأحكام قانون المرافعات فيما عدا الأحوال التي وردت بشأنها قواعد خاصة في لائحة ترتيب المحاكم الشرعية والدعوى المطعون عليها يحكمها قانون المرافعات وقد نص في المادة الرابعة منه على أنه:

«لا يقبل أي طلب أو دفع لا يكون لصاحبه مصلحة قائمة يقرها القانون، وهي واجبة التطبيق على جميع الدعاوى التي كانت من اختصاص المحاكم الشرعية وأصبحت من اختصاص المحاكم الوطنية وهذه المحاكم لا تعرف دعوى الحسبة وليس في نصوص اللائحة الشرعية ما يشير إلى جواز رفعها …»

ثم ردت محكمة النقض على هذا السبب من أسباب الطعن القائم على الدفع بعدم سماع الدعوى بالآتي:

«دعوى الحسبة تكون المصلحة فيها هو حق الله أو فيما كان حق الله فيه غالبًا كالدعوى بإثبات الطلاق البائن وبالتفريق بين زوجين زواجهما فاسد وجمهور الفقهاء أجمع على عدم تقيدها بشرط الإذن أو التفويض من ولي الأمر … ولم يرد في قضاء النقض أي إشارة بعدم تقيد القضاء في الأحوال الشخصية بوجود قيام وزارة العدل بإجراء التحريات حول جدية الدعوى قبل النظر والفصل فيها.»

أي إن المنشور رقم ٣٥ لسنة ١٩١٨م ما زال ساري المفعول ومن ثم فإن المدعى عليهما يتمسكان به.

لذلك

ومع حفظ الحق في الدفاع الموضوعي وكافة الحقوق الأخرى نصمم على الدفع الوارد بصدر هذه المذكرة.

وكيل المدعى عليهما
أحمد نبيل الهلالي
المحامي بالنقض

١٠

وثيقة
حيثيات الحكم في قضية نصر أبو زيد:
لا نفتش في ضمائر العباد
بسم الله الرحمن الرحيم
باسم الشعب
حكم

محكمة الجيزة الابتدائية للأحوال الشخصية وللولاية على النفس، الدائرة ١١ شرعي كلي الجيزة بالجلسة المنعقدة علنًا بسراي المحكمة في يوم الخميس الموافق ٢٧/ ١/ ١٩٩٤م.

برئاسة السيد الأستاذ/محمد عوض الله.

رئيس المحكمة

وعضوية الأستاذين/محمد جنيدي

ومحمود صالح القاضيين

وحضور الأستاذ/وائل عبد الله وكيل النيابة

وحضور الأستاذ/محمد علي محمد سكرتير الجلسة

صدر الحكم الآتي في الدعوى رقم/٥٩١ لسنة ١٩٩٣م شرعي كلي الجيزة: تفريق بين زوجين.

المرفوعة من:

  • (١)

    محمد صميدة عبد الصمد

  • (٢)

    عبد الفتاح عبد السلام

  • (٣)

    أحمد عبد الفتاح

  • (٤)

    هشام مصطفى

  • (٥)

    أسامة السيد

  • (٦)

    عبد المطلب محمد

  • (٧)

    المرسي المرسي (مدعين)

ضد/(١) نصر حامد أبو زيد

(٢) إبتهال يونس (مدعى عليهما).

المحكمة

بعد سماع المرافعة ومطالعة الأوراق ورأي النيابة والمداولة:

حيث تخلص واقعات الدعوى في أن المدعين عقدوا خصومتها بموجب صحيفة موقعة من أولهم، وهو محامٍ، أودعت قلم كتاب هذه المحكمة بتاريخ ١٧/ ٥/ ١٩٩٣م وأعلنت إداريًّا للمدعى عليهما في ٢٥/ ٥ / ١٩٩٣م. طلبوا في ختامها سماع المدعى عليهما الحكم بالتفريق بينهما وإلزام المدعى عليه الأول بالمصروفات بحكم مشمول بعاجل النفاذ.

وذلك على سند مما حاصله أن المدعى عليه الأول ولد في أسرة مسلمة، ويشغل وظيفة أستاذ مساعد الدراسات الإسلامية. والبلاغة بقسم اللغة العربية بكلية الآداب — جامعة القاهرة ومتزوج من المدعى عليها الثانية وأنه قام بنشر عدة كتب وأبحاث ومقالات تضمنت طبقًا لما رآه علماء عدول كفرًا يخرجه عن الإسلام. الأمر الذي يعتبر معه مرتدًّا ويحتم أن تطبق في شأنه أحكام الردة ومن ذلك:

  • (١)

    ما نشره في كتاب بعنوان الإمام الشافعي وتأسيس الأيديولوجية الوسطية وقد أعد الدكتور عميد كلية دار العلوم تقريرًا عن هذا الكتاب وذكر في مستهله أنه يمكن تلخيص محتواه في أمرين: الأول — العداوة الشديدة لنصوص القرآن والسنة والدعوة إلى رفضها وتجاهل ما أتت به. والثاني: الجهالات المتراكبة بموضوع الكتاب الفقهي والأصولي.

  • (٢)

    أن المدعى عليه الأول طبع كتابًا عنوانه مفهوم النص دراسة في علوم القرآن، ويقوم بتدريسه للفرقة الثانية بقسم اللغة العربية بكلية الآداب، وأن هذا الكتاب قد انطوى على كثير مما رآه العلماء كفرًا يخرج صاحبه عن الإسلام وفقًا للتقرير الذي أعدَّه أستاذ الفقه المقارن المساعد بكلية دار العلوم في بحثه عن هذا الكتاب على النحو الموضَّح بصحيفة الدعوى.

  • (٣)

    من واقع كتب وأبحاث المدعى عليه وصفه كثير من الدارسين والكتاب بالكفر الصريح، ومنها ما ورد بصحيفة الأهرام والأخبار والشعب وجريدة الحقيقة في الأعداد المبينة بصحيفة الدعوى.

  • (٤)

    وأن المدعى عليه قد ارتد عن الإسلام وأن من آثار الردة المجمع عليها فقهًا وقضاءً الفرقة بين الزوجين. ومن أحكامها أنه ليس لمرتد أن يتزوج أصلًا لا بمسلم ولا بغير مسلم، إذ الردة في معنى الموت ومنزلته. وأن المدعى عليه وقد ارتد عن الإسلام، فإن زواجه من المدعى عليها الثانية يكون قد انفسخ بمجرد هذه الردة، ويتعين التفريق بينهما في أسرع وقت. وقدموا سندًا لدعواهم عشر حوافظ مستندات: طويت الأولى على كتاب الإمام الشافعي وتأسيس الأيديولوجية الوسطية — وطويت الثانية على العدد (١٢٥) من مجلة القاهرة أبريل سنة ١٩٩٣م، وطويت الثالثة على صورة ضوئية خطية لتقرير عن الكتاب المودع بالحافظة الأولى منسوب للدكتور محمد بلتاجي حسن عميد كلية دار العلوم. وطويت الحافظة الرابعة على كتاب مفهوم النص تأليف المدعى عليه والمشار إليه سلفًا. وطويت الخامسة على: كتيب بعنوان: نقض مطاعن نصر أبو زيد للدكتور إسماعيل سالم الأستاذ المساعد للفقه المقارن بكلية دار العلوم وطويت السادسة على: نسخة من كتاب: نقد الخطاب الديني تأليف المدعى عليه. وطويت السابعة على مجموعة من أعداد بعض الصحف اليومية المختلفة وتضمنت الحافظة الثامنة تقريرًا للدكتور إسماعيل سالم عبد العال بكلية دار العلوم بشأن كتب المدعى عليه، ومذكرة مشابهة لأستاذين بكلية الدراسات الإسلامية، تقرير للدكتور مصطفى الشكعة بشأن كتاب مفهوم النص تأليف المدعى عليه، تقرير آخر من بعض الأساتذة. وانطوت الحافظة التاسعة على:

    • (١)

      صورة ضوئية من بحث للمدعى عليه. وطويت الحافظة الأخيرة على: صورة ضوئية من حكم المحكمة الدستورية في الدعوى رقم ٧ق عليا دستورية بجلسة أول مارس سنة ١٩٧٥م.

    • (٢)

      صورة ضوئية من حكم النقض في الطعن رقم ٢٠ لسنة ٣٤ق بجلسة ٣٠/ ٣/ ٦٦.

    • (٣)

      صورة ضوئية من حكم نقض بجلسة ٢٩ / ٥ / ١٩٦٨م، في الطعن رقم ٢٥ لسنة ٣٧ق.

وبجلسة ١٠/ ٦/ ٩٣ حضر المدعي الأول عن نفسه وبصفته وكيلًا عن كل من المدعيين الثالث والرابع بتوكيل، وعن المدعي السابع بتوكيل خاص مودع. كما حضر المدعيان الثاني والسادس، وقدم المدعي الخامس حوافظ الأولى متقدمة البيان وطلب إدخال الأزهر ومنحته المحكمة بهيئة سابقة ومغايرة أجلًا لذلك لجلسة ٤/ ١١/ ١٩٩٣م. وبتلك الجلسة حضرت هيئة دفاع عن المدعيين وآخرين معهم وعنهم كما حضر عن المدعى عليهما هيئة دفاع، وحضر نائب الدولة عن الخصم المدخل (الأزهر) وطلب المدعي الأول إحالة الدعوى للتحقيق لإثبات خروج المدعى عليه الأول عن أحكام الإسلام، وطلب دفاع المدعى عليهما والخصم المدخل أجلًا للاطلاع ومنحتهم المحكمة أجلًا لجلسة ٢٥/ ١١/ ١٩٩٣م.

وبتلك الجلسة حضر المدعي الأول عن نفسه وبصفته وكيلًا عن باقي المدعيين، وطلب إحالة الدعوى للتحقيق. كما حضر دفاع المدعى عليهما، ودفع بعدم انعقاد الخصومة لعدم إعلانها في المدة القانونية، كما دفع بعدم اختصاص المحكمة ولائيًّا بنظر الدعوى لأن المحكمة لا تختص ولائيًّا بالحكم على صحة إسلام مواطن وردته، كما دفع، بعدم جواز إدخال الأزهر، وقدم مذكرة بدفاعه سلم صورتها للخصم، وقدم حافظة مستندات طويت على قرار وزير الداخلية بإنشاء قسم شرطة ٦ أكتوبر. وبتلك الجلسة حضر محامٍ عن نفسه وبصفته وكيلًا عن نقيب وأعضاء نقابة المحامين عن المدعى عليهما كما حضر كلٌّ من دكتورة ليلى مصطفى سويف، دكتور أحمد حسين الأهواني الأساتذة بكلية علوم القاهرة، منضمين إلى المدعى عليهما بطلب رفض الدعوى، كما حضر عبد الله خليل المحامي عن نفسه وبصفته عن المنظمة الدولية لحقوق الإنسان خصمًا منضمًّا للمدعى عليهما في طلب رفض الدعوى، وطلب المدعي الأول أجلًا للاطلاع والرد على الدفوع فمنحته المحكمة لجلسة ١٦/ ١٢/ ١٩٩٣م.

وبجلسة ١٦/ ١٢/ ١٩٩٣م، وهي جلسة المرافعة الختامية، حضرت هيئة من المدعين وعنهم على النحو الموضح بمحضر تلك الجلسة، كما حضر عن المدعى عليهما هيئة الدفاع المبينة بمحضر الجلسة ذاته. وقدم المدعي الأول عن نفسه وبصفته مذكرة بدفاعه من ثلاث صور لهيئة المحكمة تناول فيها شرح ظروف الدعوى والرد على الدفوع المبداة بجلسة ٢٥/ ١١/ ١٩٩٣م، كما قدم رشاد سلام المحامي مذكرة بدفاعه للمحكمة وسلم صورتها للنيابة العامة في شخص ممثلها بالجلسة ودفع ببطلان حضور المدعين بالجلسة، ومنذ بدء تداولها لانتهاء دورهم فيها برفع الدعوى، حيث لا يعتبرهم القانون خصومًا فيها، حيث إن النيابة العمومية هي خصم المدعى عليهما في دعوى الحسبة. كما دفع تأسيسًا على ذلك ببطلان إجراءات إدخال الأزهر في الدعوى لصدور تلك الإجراءات ممن لا يملك الحق فيها، وطلب الحكم برفض هذا الإدخال، كما دفع ببطلان كافة طلبات ودفاع ودفوع المدعين، حيث لا صفة لهم في الدعوى. وانضم له باقي هيئة دفاع المدعى عليهم في طلب رفض الدعوى. وطلبوا حجز الدعوى للحكم. وطلبت هيئة دفاع المدعين بضرورة إلزام الأزهر بتقديم المستندات التي تحت يده باعتبار أن شيخ الأزهر منوط به المحافظة على الدعوة الإسلامية، وأن المستندات المطلوبة تتعلَّق بالنزاع وهي مصادرة كتب المدعى عليه، ودفع ببطلان تدخل المتدخلين انضماميًّا لانتفاء المصلحة بالنسبة إليهم. كما قدم دفاع المدعى عليهما عدة مذكرات تناولت جميعها شرح ظروف الدعوى، وتنتهي بطلب رفض الدعوى لافتقارها إلى سندها من القانون. وقدمت الحاضرة عن المدعى عليها الثانية مذكرة بدفاعها شرحت فيها ظروف الدعوى وانتهت فيها أيضًا إلى رفض الدعوى. وقدم دفاع المدعى عليهما ثلاث حوافظ مستندات طويت الأولى منها على:

  • (١)

    صورة ضوئية لخطاب موجه لعميد كلية الآداب جامعة القاهرة بشأن اجتماع مجلس اللغة العربية ومرفق به تقرير لهذا القسم.

  • (٢)

    صورة ضوئية من تقرير لجنة مشكلة من مجلس كلية الآداب بشأن ترقية المدعى عليه وكذا تقارير وملاحظات بشأن ذلك أيضًا.

وطويت الحافظة الثانية على:
  • (١)

    صورة ضوئية من الفتوى رقم ٨٠ إدارة الفتوى والتشريع لوزارة الخارجية والعدل مؤرخة ٤ / ٤ / ١٩٦٠م.

  • (٢)

    صورة ضوئية من حكم الطعن رقم ٢٠ لسنة ٣٤ق أحوال شخصية جلسة ٣٠/ ٣/ ١٩٦٦م.

  • (٣)

    مجموعة صور ضوئية لبيانات المنظمة المصرية لحقوق الإنسان.

وبتلك الجلسة فوضت النيابة العامة في شخص ممثلها بالجلسة الرأي للمحكمة التي قررت أن يصدر حُكمها بجلسة اليوم.

وحيث إنه عن الدفع المبدى من دفاع المدعى عليهما بعدم اختصاص المحكمة ولائيًّا بنظر الدعوى، لأن المحكمة لا تختص ولائيًّا بالحُكم على صحة إسلام مواطن أو ردته، فإنه لما كان من المقرر أن لمحكمة الموضوع السلطة التامة في تكييف الدفع وإسباغ التكييف الصحيح له دون التقيد بالعبارات التي أسبغها الخصوم، وإذ كان ذلك وأثرًا له، فإن مبنى الدفع بعدم اختصاص المحكمة ولائيًّا ليس اختصاص جهة قضائية أخرى بموضوع الدعوى، وإنما هو امتناع المحكمة عن البحث في عقائد الناس استنادًا إلى ما يوجه إليهم من اتهام في عقائدهم من آخرين، بما يكون معه حقيقة الدفع أنه بعدم قبول الدعوى، وليس دفعًا بعدم اختصاص المحكمة ولائيًّا بنظرها. وإذ كانت حقيقة الدفع بأنه كذلك، فإن المحكمة ستتناوله تاليًا لتناولها الدفع المتعلق بانعقاد الخصومة أمامها.

وحيث إنه عن الدفع المبدى من دفاع المدعى عليهما بعدم انعقاد الخصومة لعدم الإعلام صحيحًا في المدة القانونية، فإنه لما كان نص المادة ٦٨ من قانون المرافعات المعدلة بالقانون ٢٣ لسنة ٩٢ فقرتها الثالثة قد نص على «ولا تعتبر الخصومة منعقدة في الدعوى إلا بإعلان صحيفتها إلى المدعى عليه ما لم يحضر بالجلسة، كما قضى بأن الخصومة كما تنعقد بإعلان صحيفتها للمدعى عليه تنعقد أيضًا بحضور المدعى عليه أمام المحكمة دون إعلان. ومن باب أولى تكون الخصومة قد انعقدت بحضوره بعد إعلان باطل» (الطعن رقم ٤٩٤٦ لسنة ٦٢ قضائية جلسة ٦/ ١/ ٩٤ لم ينشر).

وإذا كان ذلك، وكان المدعى عليهما قد حضرا أمام المحكمة بوكلاء عنهم فأيًّا ما كان بطلان الإعلان بحضورهما حقق الغاية منه، ويكون الدفع في هذا الشأن قد نزل منزلًا غير صحيح من الواقع والقانون، متعين الرفض.

وحيث إنه عن الدفع المبدى من دفاع المدعى عليهما بعدم قبول الدعوى لرفعها من غير ذي صفة لعدم وجود مصلحة مباشرة للمدعين في هذه الدعوى، والوارد بمحضر جلسة المرافعة ومذكرات دفاع المدعى عليهما المقدمة بجلسة ١٦/ ١٢ / ١٩٩٣م، وحيث إن محكمة النقض قد ذهبت في قضائها الصادر في الطعن رقم ٢٠ لسنة ٣٤ق «أحوال شخصية» بتاريخ ٣٠ مارس سنة ١٩٦٦م إلى أن الحق والدعوى به في مسائل الأحوال الشخصية — التي كانت من اختصاص المحاكم الشرعية — تحكمه نصوص اللائحة الشرعية، وأرجح الأقوال من مذهب أبي حنيفة، وما وردت بشأنه قواعد خاصة في قوانينها هو أن الشريعة الإسلامية هي القانون العام الواجب التطبيق في مسائل الأحوال الشخصية. وعملًا بالمادة ٢٨٠ من لائحة ترتيب المحاكم الشرعية تصدر الأحكام فيها طبقًا لما هو مدون بهذه اللائحة ولأرجح الأقوال من مذهب أبي حنيفة، فيما عدا الأحوال التي وردت بشأنها قوانين خاصة للمحاكم الشرعية، ومنها قانون الوصية وقانون المواريث، تضمنت قواعد مخالفة للراجح من هذه الأقوال، فتصدر الأحكام فيها طبقًا لتلك القواعد. ومؤدى ذلك أنه ما لم تنص تلك القوانين على قواعد خاصة تعين الرجوع إلى أرجح الأقوال من مذهب أبي حنيفة. «أي إن هذا القضاء خلص إلى أن حكم المادة ٢٨٠ من لائحة ترتيب المحاكم الشرعية والذي جرى على أن تصدر الأحكام طبقًا للمدون في هذه اللائحة ولأرجح الأقوال من مذهب أبي حنيفة فيما عدا الأحوال التي ينص فيها قانون المحاكم الشرعية على قواعد خاصة فيجب أن تصدر الأحكام طبقًا لتلك القواعد.» هذا يجعل من لائحة ترتيب المحاكم الشرعية — وما تحيل فيها إلى أرجح الأقوال من مذهب أبي حنيفة — القانون العام في مسائل الأحوال الشخصية دونما تفرقة في هذه المسائل بين قواعدها الموضوعية وقواعدها الإجرائية. لئن كان ذلك هو ما ذهبت إليه محكمة النقض إلا أن هذا القضاء بما خلص إليه على هذا النحو، يتصادم مع أحكام القانون رقم ٤٦٢ لسنة ١٩٥٥م، ثم إنه يستجلب المغايرة بعد صدور قانون المرافعات المدنية والتجارية رقم ١٣ لسنة ١٩٦٨م وبعد صدور الدستور المصري سنة ٧١.

بيان ذلك أن الأساس في التفرقة بين القواعد الموضوعية والقواعد الإجرائية التي تحكم مسائل الأحوال الشخصية قد أرستها أحكام القانون رقم ٤٦٢ لسنة ١٩٥٥م، حيث نصت المادة الأولى منه على أن «تُلغى المحاكم الشرعية والمحاكم الملية ابتداءً من أول يناير سنة ١٩٥٦م وتحال الدعاوى المنظورة أمامها لغاية ديسمبر ١٩٥٥م إلى المحاكم الوطنية لاستمرار النظر فيها وفقًا لأحكام قانون المرافعات وبدون رسوم جديدة … إلخ»، ثم جاءت المادة الخامسة من ذلك القانون أقطع صراحة في بيان قصد الشارع في أن تخضع القواعد الإجرائية في مسائل الأحوال الشخصية لقانون المرافعات، حيث نصت على «أن تتبع أحكام قانون المرافعات في الإجراءات المتعلقة بمسائل الأحوال الشخصية أو الوقف — التي كانت من اختصاص المحاكم الشرعية أو المجالس الملية — عدا الأحوال التي وردت بشأنها قواعد خاصة في لائحة ترتيب المحاكم الشرعية أو القوانين الأخرى المكملة لها» بما مؤداه أن نص المادتين الأولى والخامسة من القانون رقم ٤٦٢ لسنة ١٩٥٥م قد أرسَتَا قاعدتين، أولاهما هي فصل القواعد الموضوعية عن القواعد الإجرائية التي تحكم مسائل الأحوال الشخصية، بحيث ينحصر نطاق حكم المادة ٢٨٠ من لائحة ترتيب المحاكم الشرعية فيما يحيل فيها إلى أرجح الأقوال من مذهب أبي حنيفة إلى القواعد التي تتصل بما يعرض من أمور تتعلق بتطبيق اللائحة ذاتها باعتبار أن الأصل في هذه اللائحة أنها لائحة إجرائية، وثانية القاعدتين أنه في المسائل الإجرائية يكون قانون المرافعات المدنية والتجارية هو القانون العام الذي تطبق أحكامه على كل مسألة إجرائية لم يرد بشأنها حكم خاص في لائحة ترتيب المحاكم الشرعية أو في أي قانون آخر.

وحيث إنه متى كان قضاء النقض المشار إليه لم يبن على مناقشة نصوص وأحكام المادتين الأولى والخامسة من القانون ٤٦٢ أو بيان كيفية إعمالهما في التطبيق، فإن إغفاله لهما مع قيامهما واستمرار سريانهما، يوجب إنفاذ أحكامهما والالتفات عن أي قضاء يخالفهما.

وحيث إنه فضلًا عما تقدم، فإن النقض المشار إليه بات بعد صدور دستور سنة ٧١ منحسرًا عن مواكبة البيئة التشريعية المصرية الجديدة في قمة هرمها، ذلك أن هذا القضاء إذ أطلق إعمال أرجح الأقوال في مذهب الإمام أبي حنيفة فيما يتجاوز حدود الإحالة التي تضمنتها المادة ٢٨٠ من لائحة ترتيب المحاكم الشرعية، وهي إحالة تقتصر على وجوب الأخذ بأرجح المسائل الإجرائية، فإنه يكون في واقع الأمر قد أعمل موضوعيًّا أحد المذاهب التي تقوم عليها الشريعة الإسلامية إعمالًا قضائيًّا دون أن يصدر بها قانون، وإذ كان نص المادة الثانية من الدستور قد جرى على أن «الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع» وكان قضاء المحكمة الدستورية العليا قد استقر على أن الخطاب في هذا النص موجه إلى المشرع، وليس مؤداه إعمال مبادئ الشريعة الإسلامية مباشرة وقبل صدور تشريع بها. إذ لو أراد المشرع الدستوري جعل مبادئ الشريعة الإسلامية من بين القواعد المدرجة في الدستور على وجه التحديد، أو قصد أن يجري إعمال تلك المبادئ بواسطة المحاكم التي تتولى تطبيق التشريعات دونما حاجة إلى إفراغها في نصوص تشريعية محددة مستوفاة للإجراءات التي عينها الدستور، لما أعوزه النص على ذلك صراحة (قضية رقم ٢٠ لسنة ١ق دستورية جلسة ٤ مايو، سنة ١٩٨٥م، والقضية رقم ٧٠ لسنة ٦ق جلسة ٤/ ٤/ ١٩٨٧م، ١٤١ لسنة ٤ق جلسة ٤/ ٤ / ١٩٨٧م)، فإن ذلك القضاء يكون قد جاء في إطار بينة تشريعية تغيَّرَت جذريًّا بنصوص دستورية حاكمة وقضاء دستوري قوته الإلزامية هي قوة القانون.

وحيث إنه إذ صدر قانون المرافعات المدنية والتجارية رقم ١٣ لسنة ١٩٦٨م، ونص في المادة الأولى من مواد إصداره على إلغاء قانون المرافعات السابق رقم ٧٧ لسنة ٤٩ وعلى إلغاء كل حكم يخالف ما جاء فيه من أحكام، فإنه بذلك لم يعُد من سبيل لحصة أي مسألة إجرائية إلا أن يكون لها سند في هذا القانون أو في أي قانون خاص آخر. إذ كان ذلك وكان نص المادة الثالثة من هذا القانون قد جرى على أن «لا يقبل أي طلب أو دفع لا تكون لصاحبه فيه مصلحة قائمة يقرها القانون …» والمصلحة القائمة التي يقرها القانون في هذا الصدد هي المصلحة في حماية حق من أبدى الطلب أو الدفع أو حماية مركزه القانوني الموضوعي، ويجب أن تكون هذه المصلحة مصلحة مباشرة، لأن المصلحة المباشرة هي مناط الدعوى بحيث لو تخلفت كانت الدعوى غير مقبولة (يراجع الدكتور فتحي والي، الوسيط في قانون القضاء المدني، طبعة سنة ٩٣، ص٩٥ وما بعدها) ونفس الطعن رقم ١٥ لسنة ٣٦ق «أحوال شخصية» جلسة ٢٧/ ١١ / ١٩٦٨م، طعن رقم ٩٠ لسنة ١٦ق جلسة ١١ / ١٢ / ١٩٤٧م، طعن ٣٤١ لسنة ٣٧ق جلسة ١٦ /٥/ ٧٣، طعن رقم ١٢٦ لسنة ٣٥ق جلسة ٢٠/ ١٢/ ١٩٧٢م، طعن رقم ٨٠ لسنة ٤٠ق جلسة ٣/ ١٢/ ١٩٧٥م. إذ كان ذلك وكانت الدعوى الماثلة بكل ما اشتملت عليه من طلبات قد رفعت بحسبانها دعوى حسبة تستند إلى أحكام الشريعة الإسلامية، لم يدَّعِ رافعوها أن لهم في رفعها مصلحة مباشرة وقائمة يقرها القانون، ولم تكن أحكام لائحة ترتيب المحاكم الشرعية أو أي قانون آخر قد أوردت أحكامًا تنظم شروط قبول هذه الدعوى وأوضاعها، بما يكون الأمر في شأنها خاضعًا لقانون المرافعات المدنية والتجارية الذي لم ينظم بدوره أوضاع هذه الدعوى في أحكامه، وأتت هذه الأحكام على النحو المشار إليه نافية لقبولها مؤدية إلى القضاء بذلك، فإن الدفع بعدم قبولها يكون قد جاء على سند صحيح من القانون بما يتعين القضاء بإجابة المدعى عليهما إليه.

وحيث إنه، عن المصروفات شاملة مقابل أتعاب المحاماة، فقد صارت لزامًا على رافعي الدعوى بحسبانهم خسروا غرم التداعي وذلك عملًا بالمادتين ١٨٤/١ من قانون المرافعات والمادة ١٨٧ من القانون رقم ١٧ لسنة ١٩٨٣م في شأن المحاماة.

فلهذه الأسباب:

حكمت المحكمة/بعدم قبول الدعوى وإلزام رافعيها بالمصاريف ومبلغ عشرة جنيهات مقابل أتعاب المحاماة.

أمين السر        رئيس المحكمة
١  أرسل الخطاب إلى مجلة روز اليوسف التي نشرت خبرًا عنه أو أرسلت نسخة من الخطاب للمؤلف.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٥