الفصل الأول

نقد النقض: التفكير يناهض التكفير

أولًا: محمود علي مكي

يتألف هذا الكتاب من مقدمة وثلاثة فصول: في المقدمة تحدَّث عن موضوع الكتاب وهو ظاهرة المد الديني الإسلامي والاتجاهات أو المواقف الثلاثة إزاء هذه الظاهرة، وأولها اتجاه المؤسسة الدينية المتمثِّلة في الأزهر وبعض رجال الدين المصنفين في صفوف «المعارضة الدينية»، والاتجاه يمثِّله «التنويريون» أو «العلمانيون». والمؤلف يرى أن لكلٍّ من هذه الاتجاهات طريقة خاصة في قراءة النصوص الدينية مما يقتضي طرح إشكاليات قراءة النصوص الدينية وانعكاس اختلاف القراءة على ما يبدو الآن على الساحة من معارك شاملة على جميع المستويات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. والمؤلف يحدِّد منذ البداية أن الدين يجب أن يكون عنصرًا أساسيًّا في أي مشروع للنهضة، غير أن الخلاف يتركَّز حول المقصود من الدين: هل هو يطرح ويمارس بشكل أيديولوجي نفعي من جانب اليمين أو اليسار على السواء أو هو الدين بعد تحليله وفهمه وتأويله تأويلًا علميًّا. ينفي عنه ما علق به من خرافات، ويستبقي ما فيه من قوة دافعة نحو التقدُّم والعدل والحرية، وهو ما تمثله العلمانية في جوهرها، وليست ما يروج له بعضهم من أنها الإلحاد الذي يفصل الدين عن المجتمع والحياة.

ويدور الفصل الأول حول الخطاب الديني المعاصر: آلياته ومنطلقاته الفكرية. وهو يبدأ بقوله إنه لا يجد اختلافًا بين «المعتدلين» و«المتطرفين» في مجمل هذا الخطاب، إذ إن كلا الجانبين يعتمد على عناصر أساسية غير قابلة للنقاش. وأهم هذه العناصر: النص والحاكمية، كما أنهما يتطابقان من حيث الآليات التي يعتمد عليها كلاهما في طرح المفاهيم. ويجعل الباحث هذه الآليات في التوحيد بين الفكر والدين، وإلغاء المسافة بين الذات والموضوع، وتفسير الظواهر كلها بردها إلى مبدأ أول، هو «الحاكمية» الإلهية بوصفها نقيضًا لحاكمية البشر، والاعتماد على سلطة السَّلف أو التراث، وتحويل النصوص التراثية الثانوية إلى نصوص أولية لها من القداسة ما للنصوص الأصلية، والحسم الفكري والقطعي، وإهدار البُعد التاريخي وتجاهله. وينتقل الباحث بعد ذلك إلى الحديث عن المنطلقات الفكرية للخطاب الديني، وأهمها اثنان رئيسيان: أولهما مبدأ الحاكمية الذي قام عليه فِكر أبي الأعلى المودودي وسيد قطب، وهو يعني تحكيم النص، أو بعبارة أصح تحكيم فَهْم خاص لفئة معيَّنة للنص على حساب العقل، مما ينتهي بالخطاب الديني إلى التعارُض مع الإسلام حين يتعارض مع أهم أساسياته: «العقل»، وإلى مد مفهوم «الجاهلية» في هذا الخطاب لكي يشمل كل اتجاهات التفكير العقلي في الثقافة الإسلامية، وإلى رفض الخلاف والتعدُّدية قديمًا وحديثًا. ويترتَّب على طرح مفهوم الحاكمية على هذا النحو إهدار دور العقل ومصادرة الفكر على المستويين العلمي والثقافي وتكريم أشد الأنظمة الاجتماعية والسياسية رجعيةً وتخلُّفًا. وحينئذٍ تتحوَّل الحاكمية إلى غطاء أيديولوجي للنظم السياسية الدكتاتورية الرجعية وإلى تحريم النقاش والمساءلة، بحيث تضيع ثقة الإنسان في نفسه وفي قدراته، فيركن إلى التواكُل والسلبية. والمنطلق الفكري الثاني هو «النص»، ويبدأ الباحث بتجديد مصطلح النص عند القدماء وتطوُّر مفهومه حتى عصرنا الحاضر، ويُبيِّن أن الخطاب الديني حينما يرفع في وجه العقل والاجتهاد مبدأ «لا اجتهاد فيما فيه نص» إنما يقوم بعملية خداع أيديولوجي، لأن ما كان يَعنيه القدماء بالنص هو الواضح القاطع الذي لا يحتمل إلا معنًى واحدًا، والنص بهذا المفهوم في القرآن الكريم نادر. وأما سائر الآيات فهي تحتمل التأويل والاجتهاد. وأما في الحديث النبوي فهو أندَر، لأن معظم الأحاديث النبوية نُقلت بمعانيها لا بألفاظها، بالإضافة إلى ما دخل الأحاديث من التزييف والانتحال.

والفصل الثاني يتناول موضوع التراث بين التأويل والتلوين، وهو دراسة نقدية لمشروع ما يُسمَّى باليسار الإسلامي للإصلاح الديني. والممثل الوحيد لهذا اليسار الإسلامي في نظر الباحث هو الدكتور حسن حنفي، والخطاب الديني الذي يحمل تصوُّره للتراث هو المتضمَّن في كتبه: الدين والثورة في مصر، ومن العقيدة إلى الثورة، والتراث والتجديد، وغير ذلك من كتاباته. والمرشح يمزج في هذا الفصل بين عرض آراء الدكتور حنفي ونقدها، وذلك بعد تقديم يوضِّح فيه الفرق بين مفهومي التأويل والتلوين. ويعني بالتلوين القراءة المغرضة للنصوص على نحو تتخفى فيه التوجُّهات الأيديولوجية تحت شعار الموضوعية العلمية والحياد المعرفي. ويستعرض بعد ذلك عناصر الخطاب الديني لدى هذا اليسار الإسلامي الذي لم يطهر بوصفه اتجاهًا فكريًّا إلا في أوائل الثمانينيات، وهي في مجملها تمثِّل لونًا من التوفيقية بين السلفية الدينية والاتجاه العلماني. ولكن هذه التوفيقية هي التي توقع اليسار الإسلامي في نظر المرشح في كثير من المتناقضات، منها إهدار الدلالة التاريخية في قراءته للنص التراثي، والنظرة إلى التراث على أنه «بناء شعوري» مع رفض منهج التحليل التاريخي، وبهذا يصبح ما طمح إليه اليسار الإسلامي من إعادة بناء التراث مجرَّد عملية إعادة طلاء، وذلك بوضع لافتات جديدة للموضوعات الخمسة التي يتضمَّنها علم الكلام الإسلامي بحسب التصوُّر الأشعري، بحيث تتجاور المصطلحات القديمة والمفاهيم العصرية في علاقة لا تتجاوز المشابهة، والانحياز في كثير من الأحيان إلى الآراء الأشعرية المتسمة بالجمود على حساب الآراء الاعتزالية التي تمثل في نظر المرشح سلطة العقل، ومناهضة الاستبداد والدعوة إلى العدل. والسبب في ذلك على حد قوله هو «فصل الأفكار الجزئية عن سياق منظومتها الفكرية». ولهذا فهو ينتهي إلى أن مشروع اليسار الإسلامي في الإصلاح «كان أقرب إلى الإخفاق منه إلى النجاح».

والفصل الثالث يتناول «قراءة النصوص الدينية» في دراسة استكشافية لأنماط الدلالة. وهو يبدأ بالتفرقة بين «الدين» و«الفكر الديني» الذي لا يكتسب من الدين قداسته ولا إطلاقه، بل هو الاجتهادات البشرية لفهم النصوص الدينية وتأويلها، فهو بذلك ليس بمعزل عن القوانين العامة التي تحكم حركة الفكر البشري عمومًا. ومن هنا يشرع في نقد عدد من الأحكام التي تصدرها بعض المؤسسات أو الجهات من منطلق خطاب ديني يفرض تفسيره للنصوص منحرفًا بها من سياقها التاريخي ومُضفيًا عليها لباسًا ميتافيزيقيًّا سرمديًّا. هذا مع أن النصوص الدينية لا تنفك عن النظام اللغوي العام للثقافة التي تنتمي إليها، وهي مرتبطة بواقعها اللغوي والثقافي، فالنص القرآني مثلًا نص لغوي لا تمنع طبيعته الإلهية أن يُدرَس ويُحلَّل بمنهج بشري، وإلا تحوَّلَ إلى نص مستغلق على فهم الإنسان العادي مقصد الوحي وغايته. وهو في هذا يتفق مع رأي المعتزلة في مسألة خلق القرآن وفي تأويلهم المجازي للآيات الموحية بالتجسيم مثل آيات العرض والكرسي وأمثالها، ففي هذا التأويل المجازي نفي للصورة الأسطورية وتأسيس لمفاهيم عقلية تسعى لواقع إنساني أفضل، على عكس التأويلات الحرفية التي تكشف عن توجُّهات أيديولوجية تعادي التقدُّم الحضاري. وهو يضرب على ذلك أمثلة عديدة منها تأويلهم للهو الحديث في آية سورة لقمان وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ على أنه الغناء، واستنتاجهم من ذلك أن الإسلام يحرِّم الغناء، متجاهلين سياق الآية وسبب نزولها. ويُعَد ضرب أمثلة أخرى ينبِّه الباحث إلى تجاهل الخطاب الديني المعاصر المرتبط بالسلطة والمدافع عن أيديولوجيتها للحكمة أو المغزى الكامن في نصوص القرآن الكريم الخاصة بالأحكام الساعية دائمًا إلى تحكيم العقل والرقي بالمجتمع الإنساني.

•••

الباحث في نقده للخطاب الديني المعاصر يفرق بين «الدين» و«الفكر الديني» الذي لا يكتسب من الدين قداسته ولا إطلاقه، بل هو الاجتهادات البشرية لفهم النصوص الدينية وتأويلها. فلذلك علينا ألا نفهم من مناقشته لآراء الفقهاء القدماء والكتاب الدينيين المحدثين ومحاكمة فكر أولئك وهؤلاء على أنه تعرض للدين، وإنما هو ضرب من الاجتهادات الذي يؤجر صاحبه أجرًا إذا أخطأ ويضاعف له إذا أصاب.

وهي دراسة تقوم على تأمُّل فاحص واعٍ للتراث ومناقشة للاتجاهات الحديثة في توجيه الخطاب الديني على أساس من «الاعتراف بالدين بصفته جوهريًّا في أي مشروع للنهضة»، ولكن بعد فهم سليم للدين وتأويله تأويلًا علميًّا ينفي عن الفكر الديني ما علق من خرافات واستبقاء لما يتضمنه من عقلانية ينبغي أن تكون قوة دافعة نحو التقدم والعدل والحرية.

من هذا المنطلق يمكن أن نصف بالاجتهاد هذا البحث الذي قام صاحبه فيه بنقد الخطاب الديني الذي استخدمه الفقهاء القدماء في الماضي، والمتحدثون باسم الدين في الحاضر، سواء أكانوا ينتمون إلى اليمين أو إلى اليسار. والبحث يتسم بالحدة في أسلوب العرض، وهي حدة اقتضاها ما يراه الباحث من أن الخطاب الديني المعاصر هو المسئول إلى حد بعيد عن حالة التخلف التي يعانيها العالم الإسلامي منذ أن توقف الاجتهاد وشاع التمسك بالتقليد.

ولا تمنع طرافة هذه الدراسة وجدتها من أن نخالف صاحبها في بعض المعطيات التي يقدِّمها، مثل نظرته إلى الفكر الاعتزالي على أنه الذي كان يمثِّل حرية الفكر والديمقراطية والعدل. فمن المعروف أن المعتزلة منذ أن ارتبطوا بالسلطة السياسية العباسية حاولوا أن يفرضوا آراءهم بالقوة، وعملوا على التنكيل بمخالفيهم في الرأي على نحو بعيد عن مبدَأي حرية الفكر والديمقراطية، مما أفقدهم مصداقيتهم، هذا وإن كنا نعترف بأن منهجهم العقلاني ومنهج مَن واصل مسيرتهم من فلاسفة المسلمين كان كفيلًا بأن يؤدي إلى منجزات حضارية أكبر وأكثر فاعلية لو قُدِّر لتلك المسيرة أن تستمر.

ومع ذلك فإن الدراسة في مجملها تدل على فكر تقدُّمي مستنير يستند إلى قراءة التراث قراءة واعية مستوعبة يربط فيها بين الماضي والحاضر، ويجتهد في أن يستخلص من تراثنا ما يعين على تحرُّر الفكر، بحيث يصبح عاملًا على تقدُّم الأمة ومواكبة الرقي والحضارة.

ثانيًا: عبد الصبور شاهين

الكتاب يقع في مقدمة وثلاثة فصول، ويتضمن كل فصل مجموعة من البحوث.

وفي المقدمة يهجم الباحث على «الغيب» بأسلوب غريب، فيجعل العقل الغيبي غارقًا في الخرافة والأسطورة، مع أن الغيب أساس الإيمان.

وهو أيضًا يقع في مغالطة خطيرة حين يقرِّر أن «العلمانية» ليست في جوهرها سوى التأويل الحقيقي، والفهم العلمي للدين، وليست ما يروِّج له المبطلون من أنها الإلحاد الذي يفصل الدين عن المجتمع والحياة، ويقول: «إن الخطاب الديني يخلط عن عمد، وبوعي ماكر خبيث بين فصل الدولة عن الكنيسة، أي فصل السلطة السياسية عن الدين، وبين فصل الدين عن المجتمع والحياة»، ولا أدري إن كان ذلك عن جهل بمفهوم العلمانية، أو هو يضاعف من خطورة هذا الاتجاه بتزييف المفاهيم.

وفي الفصل الأول من الكتاب يتصدى لنقد الخطاب الديني المعاصر بمناقشة قضية النص، وقضية الحاكمية، ويشتد نقده للأزهر وللدولة في مواجهة التطرف، وهو ينتصر بحماس شديد لرواية سلمان رشدي «آيات شيطانية» مع ما اشتهرت به من فساد وهلوسة وهو غالبًا لم يقرأها، ولم يعرف ما حفلت به من نتن لا أدبي. وعفونة خرجت من أحشاء كافر مرتد. ومع ذلك يزيد في الخروج على معايير النقد الموضوعي، ويتجاهل أمانة الكتابة الفكرية، بل هو يسقطها حين يضع سلمان رشدي في موقع مشابه لموقف الكاتب نجيب محفوظ في «أولاد حارتنا».

والواقع أن النغمة الحادة التي يتحدث بها المؤلف تجمع بين عناصر مختلفة تمامًا، فالأزهر والتطرُّف شيء واحد، والخطاب الديني الرسمي وغير الرسمي سواء، والعلماء هم «كهنوت» يمثل سلطة شاملة، ومرجعًا أخيرًا في شئون الدين والعقيدة.

وهو ينعى على الخطاب الديني أن يرد كل شيء في العالم إلى علة أولى هي «الله»، ويرى أن ذلك إحلال ﻟ «الله» في الواقع، ونفي ﻟﻠ «إنسان» كما أنه إلغاء للقوانين الطبيعية والاجتماعية. ويميل إلى مقولة الفكر الغربي بأن الله خلق العالم ثم تركه يدور، كما أن صانع الساعة تركها تدور وحدها.

وهو يدافع بحرارة عن «الماركسية»، الفكر الغارب، ويبرئها من تهمة الإلحاد، بل ويقول بخطأ تأويل الماركسية بالإلحاد والمادية، ولعلَّه يتصور أن ماركس كان مؤمنًا روحي النزعة.

وقد تتبع الباحث فكر سيد قطب، حتى فيما أثبَتَتْه نصوص القرآن، فهو يستنكر أن يوصف المخالفون للإيمان بالكفر، وكأنه اعتراض على القرآن ذاته الذي جاء فيه في سورة البينة: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ. كما جاءت آيات كثيرة في وصف المخالفين للإسلام بالكفر.

وخلاصة القول: إن الباحث وضع نفسه مرصادًا لكل مقولات الخطاب الديني، حتى ولو كلَّفَه ذلك إنكار البداهيات، أو إنكار ما عُلم من الدين بالضرورة.

ولسوف يطول بنا الحديث ولن ينتهي إلى نتيجة، كما أن الكتاب كله لم يصل إلى أي نتيجة سوى تلك النغمة النقدية المسرفة، فهو بحق: جدلية تضرب في جدلية، لتخرج بجدلية، تلد جدلية تحمل في أحشائها جنينًا جدليًّا، متجادلًا بذاته مع ذاته — إن صح التصور أو التعبير.

ليست هذه سخرية، ولكنها النتيجة التي يخرج بها قارئ هذا الكتاب غير المنشور حتى الآن.

ثالثًا: قسم اللغة العربية

يقول تقرير اللجنة إن الكاتب في مقدمة بحثه «يهجم على الغيب بأسلوب غريب فيجعل العقل الغيبي غارقًا في الخرافة والأسطورة، مع أن الغيب أساس الإيمان». والواقع أن الكاتب لم يتعرَّض للغيب الوارد في قوله تعالى «يؤمنون بالغيب» أي ما غاب عنهم مما أخبرهم به النبي من أمر البعث والجنة والنار، وإنما كان كلامه بالنص (ص١٠):

«لم تكُن المعركة (يقصد المعركة التي دارت حول كتاب في الشعر الجاهلي لطه حسين) معركة الشعر، بل كانت معركة قراءة النصوص الدينية طبقًا لآليات العقل الإنساني التاريخي لا العقل الغيبي الغارق في الخرافة والأسطورة.»

ثم يقول في تفسير ما يقصده بالعقل الغيبي: «قوى الخرافة والأسطورة (المتحدثة) باسم الدين والتمسك بالمعاني الحرفية للنصوص الدينية».

ويقول تقرير اللجنة إن الكاتب «يقع في مغالطة خطيرة حين يقرِّر أن العلمانية ليست في جوهرها سوى التأويل الحقيقي والفهم العلمي للدين وليست ما يروِّج له المبطلون من أنها الإلحاد الذي يفصل الدين عن المجتمع والحياة» (ص١٢)، ثم يقول التقرير بعد ذلك: «لا أدري إن كان ذلك عن جهل بمفهوم العلمانية أو هو يضاعف من خطورة هذا الاتجاه بتزييف المفاهيم.» والواقع أنه لا صلة بين العلمانية — واللفظ مشتق من العلم — والإلحاد، فهي تنادي بمنهج علمي عقلاني في أمور الحياة والمجتمع ولا يعني ذلك نبذ الدين.

ويقتطف التقرير بهذه المناسبة عبارة للكاتب يقول فيها: «إن الخطاب الديني يخلط عن عمد وبوعي ماكر خبيث بين فصل الدولة عن الكنيسة أي فصل السلطة السياسية عن الدين وبين فصل الدين عن المجتمع» (ص١٢). غير أن هذه العبارة منتزعة من سياقها. وكان ينبغي أن تورد بقيتها، فهي التي توضح فكر الكاتب، ونص هذه البقية:

«الفصل الأول ممكن وضرورة، وقد حققته أوروبا بالفعل، فخرجت من ظلام العصور الوسطى إلى رحاب العلم والتقدُّم والحرية، أما الفصل الثاني — فصل الدين عن المجتمع والحياة — فهو وَهْم يروِّج له الخطاب الديني في محاربته للعلمانية وليكرس اتهامه لها بالإلحاد. ومن يملك قوة فصم الدين عن المجتمع أو الحياة؟ وأي قوة تستطيع تنفيذ القرار إذا أمكن له الصدور؟»

وهي عبارة تدل على أنه كان من الممكن في ظل العلمانية — بل من الضروري — أن يُفصل الدين عن الدولة أو عن السياسة، فإن فصل الدين عن المجتمع والحياة أمر لا تدعو له العلمانية التي يتحدث عنها الكتاب، فضلًا عن أنه مستحيل التحقُّق.

ويتتبع التقرير آراء الكاتب حول فكر سيد قطب، فيقول إنه يتعقبه حتى فيما أثبَتَتْه نصوص القرآن، فهو يستنكر أن يوصف المخالفون للإيمان بالكفر. كأنه اعتراض على القرآن ذاته. ومجمل كلام الكتاب عن سيد قطب هو (ص٣٥-٣٦):

يتحدث سيد قطب عن تاريخ الفكر الأوروبي ويرى أنه بدأ ثورته على الكنيسة بتأليه العقل، ثم انتهى عصر التنوير بضربة قاصمة لهذا العقل وللإنسان؛ إذ جاءت الفلسفة الوضعية تعلن أن المادة هي الإله (كذا) … ثم جاء داروين بحيوانية الإنسان … ثم تمَّت الضربة القاضية على يد فرويد من جانب، وكارل ماركس من الجانب الآخر: الأول برد دوافع الإنسان كلها إلى الميول الجنسية … والثاني برد تطورات التاريخ كلها إلى الاقتصاد.

في هذه الآراء التي ساقها سيد قطب من التعميم والتبسيط ما لا يحتاج إلى بيان. ولا ندري أين ما أثبتته نصوص القرآن أو علاقة هذه الآراء بالإيمان والكفر؟ ويلفت الانتباه أن التقرير لا يتوقف من هذا الكتاب إلا عند بعض المقدمة وبعض أجزاء الفصل الأول، فليس هناك إشارة إلى بقية الفصل الأول أو الفصلين الثاني والثالث، فملاحظات التقرير تنتهي عند الصفحة السادسة والثلاثين، تحديدًا، من كتاب يبلغ مائتين وعشرين صفحة من القطع الكبير، ولذلك، يغفل التقرير أن الكتاب دراسة تقوم على تأمل فاحص ومناقشة للاتجاهات الحديثة في الفكر الديني الذي ينطقه أكثر من خطاب، ولا يشير التقرير أدنى إشارة إلى الجهد المنهجي المبذول في الكتاب الذي يفيد من المناهج الحديثة والمعارف المعاصرة، بحثًا عن أدوات جديدة، يتمكَّن معها البحث من إعادة النظر في مكونات الخطاب الديني المعاصر وتحليل اتجاهاته سواء على مستوى المكونات والمنطلقات الفكرية، أو الكشف عن محاولات التأويل والتلوين في قراءة التراث، أو تقديم مشروع لقراءة النصوص الدينية قراءة تركز على استكشاف أنماط الدلالة.

تعليق على ما حدث

«أبو زيد» و«الخطاب الديني»

«قضية أبو زيد»: أصبح هذا العنوان اسم علم يدل دلالة مباشرة على مشكلة حرمان أستاذ بجامعة القاهرة من حقه في الحصول على لقب الأستاذية الكاملة (لا المساعد) وذلك استنادًا إلى تقرير يفتي بتكفير الإنتاج العلمي الذي تقدَّم به الأستاذ المساعد المذكور. وبصرف النظر الآن عما إذا كان تكفير الإنتاج ينسحب على صاحب الإنتاج فيؤدي إلى تكفيره أيضًا، وتلك قضية خلافية سنعود إليها فيما بعد، فإن الأمر أثار فزع كثير من رجال الفكر والمثقفين والمبدعين ورجال الإعلام والسياسة، فقام بعضهم يُعلن بقلمه استنكار هذا الخضوع لمبدأ «محاكمة الفكر» داخل الجامعة التي يعدُّها هؤلاء البعض آخِر قلاع الدفاع عن الفكر الحُر والبحث العلمي، بل الضمان الوحيد لإقامة المجتمع المدني المأمول للخروج من الأزمة والدخول إلى عالم القرن الحادي والعشرين.

وقد حاول بعض الغاضبين على إهدار حرية الفكر، والمدافعين عن التقاليد العلمية الجامعية الحقيقية، أن يجدوا تفسيرًا لسر ذلك الهجوم الغاضب والمنفلت الزمام من جانب كاتب التقرير الدكتور عبد الصبور شاهين — الأستاذ بكلية دار العلوم وعضو اللجنة العلمية الدائمة لترقيات الأساتذة وأحد أعضاء لجنة الفحص الثلاثية إلى جانب مناصب أخرى عديدة وخطيرة — فأشاروا إلى خطورة تحليلات الباحث على السياج الكهنوتي الذي يفرضه رجال الدين حول أنفسهم، مبعدين سواهم عن مهمة الاجتهاد. ولكن البعض الآخر أرجع غضب الدكتور شاهين وثورته إلى تعرض الباحث بالتحليل والنقد لظاهرة شركات توظيف الأموال، فكأن «أبو زيد» — على حد تعبير أحدهم — قد ألهب عصبًا مكشوفًا لدى الدكتور الذي وظف فكره وخطابه لخدمة مجموعة الريان. ومن اللافت للانتباه اعتماد التحليل السابق اعتمادًا كليًّا على ما ورد في كتاب نقد الخطاب الديني، وما ورد بصفة خاصة في الفصل الأول منه — وهي الدراسة التي سبق نشرها في «قضايا فكرية» عام ١٩٨٩م بعنوان «الخطاب الديني المعاصر: آلياته ومنطلقاته الفكرية» — وتلك دلالة سنعود إليها تفصيلًا فيما بعد.

ومن المؤكد أن هذا التفسير كشف عن بُعد مهم من أبعاد الصراع الذي فجرته «قضية أبو زيد» في الحياة الثقافية والفكرية، وهو يعد أيديولوجية «الدفاع عن المصالح»، وهو ما يفسِّر تحوُّل تقرير عبد الصبور شاهين إلى ما يشبه النص الديني قطعي الدلالة عند كل مَن أسهموا في مناقشة القضية من الإسلاميين، أو من المتعاطفين معهم. تحولت القضية برمتها إلى محاولة «إسكات» خطاب نصر أبو زيد بأية وسيلة من الوسائل: «التكفير» من أهم الوسائل وأنجعها، وقد تمت تجربته في حالات سابقة قريبة معروفة أفضت إلى «التصفية الجسدية». أقل من ذلك، وإن حققت مهمة «الإسكات» أيضًا، «الفصل من الجامعة»، «الاستتابة»، «التعذير»، «التحويل للنائب العام»، «استعداء الأزهر»، بل والتدخل قضائيًّا — تحت دعوى «الحسبة» — للفصل بين نصر أبو زيد وزوجته، لأنه مرتد عن الإسلام. هكذا لم تكتفِ أيديولوجية «الدفاع عن المصالح» بمصادرة أستاذية نصر أبو زيد بالحيلولة بينه وبين الترقية إلى درجة «أستاذ»، أي لم تكتفِ بالعقاب الرسمي والقانوني، بل حاولت ولا تزال تحاول إسكات خطابه إسكاتًا أبديًّا.

هذا السعي المستميت لإسكات «خطاب أبو زيد» بأي شكل وبأي صورة يبرز مدى «الخطر» الذي يمثله هذا الخطاب على نقيضه «الخطاب الديني»، لا على مستوى كشف أيديولوجيا «المصالح» التي يحاول جهده أن يخفيها تحت قناع «الدين» فحسب، بل على مستوى أعمق كثيرًا من مجرد «الفضح» الأيديولوجي. إنه الخطاب النقيض الذي يحاول أن يطرح وعيًا بالدين، ليس مغايرًا فحسب، بل وعلميًّا. وهذا الطرح يمثل خطرًا على الوجود السياسي، بل والاجتماعي، للخطاب الديني السائد والمسيطر، وذلك بشرط أن يتاح له الذيوع والانتشار. من هنا خاض ممثلو الخطاب الديني وأشياعهم المعركة على أرض «الوعي الزائف» لدى الجماهير من جهة، ونقلوا ميدانها من مجال «الخطاب» إلى الخطابة» في المساجد والزوايا من جهة أخرى، بدأ هذه النقلة الشيخ عبد الصبور شاهين، إمام وخطيب مسجد عمرو بن العاص بمدينة القاهرة، وذلك عقب خطبة الجمعة ٢ / ٤ / ١٩٩٣م. ليس في الأمر أي الْتِباس، أو تشابُه في الأسماء، فإمام وخطيب المسجد المشار إليه هو بذاته الأستاذ الدكتور عبد الصبور شاهين شاغل المناصب التي أشرنا إليها، وتلك التي فاتتنا الإشارة إليها بسبب الجهل، وفوق كل ذي علم عليم. قال مولانا الشيخ تعليقًا على تقرير الأستاذ الدكتور: «أنا قلت الحق وربنا يجعله في صحيفة عملي. وأسأل الله أن يجعل لي الجنة ببركة هذا التقرير».

منذ هذه اللحظة التاريخية التي منح فيها الشيخ تقرير الأستاذ بركاته، وبعد صك البركة الذي فتح له أبواب «الجنة»، سارع كل أئمة المساجد وخطبائها في مصر يتلمسون بركة التقرير بإعادة إنتاج كل الشتائم والاتهامات التي يتضمنها، مع مزيد من الإضافات والمبالغات سعيًا للَّحاق بإمامهم في طريق الجنة، وإنْ فاتهم اللحاق به في الحصول على «صك البركة». هذا الانتقال بالمعركة من أرضها ومن مجالها يكشف عن الوعي بالخطورة التي يمثلها «نقد الخطاب الديني» على الوجودين السياسي والاجتماعي لذلك الخطاب. ولكن الأهم من ذلك من منظور نقد الخطاب الديني أن تحليلاته ونتائجه المستنبطة من تلك التحليلات قد وجدت مزيدًا من الدعم الذي يؤكد صحتها — ناهيك بمشروعيتها — في كل ما كُتب من جانب الإسلاميين، أو من جانب أشياعهم، في المعركة التي أثارتها «قضية أبو زيد».

يمكن القول إذَن إن «قضية أبو زيد» قد يكون لها وجهها الضار، ولا أعني بذلك مسألة الحرمان من الترقية بقدر ما أعني «عمليات التشويه» المتعمدة على جميع المستويات. لكن هذا الوجه الضار يمثل خدشًا يجب عدم الوقوف عنده طويلًا، لأن الوجه المشرق أكثر بروزًا، وأعني بالوجه المشرق بهجة الباحث لتيقُّنِه من سلامة تحليلاته، ومن صدق النتائج التي توصل إليها. وتتزايد بهجة الباحث حين يجد في كل ما كُتب — بهدف تشويهه والإضرار به — مادة للتحليل والاستنباط تعمِّق أطروحاته السابقة، وتمنحها مزيدًا من الدعم.

من هنا تأتي هذه الدراسة استكمالًا وتعميقًا للدراسات السابقة عن الخطاب الديني، استكمالًا يضيف للآليات التي سبق اكتشافها في بنية الخطاب الديني آليات جديدة تكشَّفَت في معركة «قضية أبو زيد». هذا بالإضافة إلى الكشف عن بنية «التطرُّف» وما تُفضي إليه من إرهاب، كان مستترًا ومضمرًا، لكنه كشف عن نفسه جليًّا واضحًا في المعركة الحالية. وإذا كان تقرير عبد الصبور شاهين لا يحتاج للكشف عن مبررات تحامُله أكثر من بيان وجه الصلة التي ربطته بشركات توظيف الأموال، فإن هذا التكتل الإعلامي ذا الطابع السياسي الواضح خلفه يحتاج إلى بيان لا يتحقَّق إلا بالتحليل العلمي. وبهذه الدراسة نسعى إلى تحقيق كل ذلك، أو بعضه، ويجب ألَّا يغيب عنا مغزى تحويل الخطاب القمعي، الساعي إلى اغتيال الخطاب الناقد، إلى موضوع يتناوله الخطاب الناقد بالدرس والتحليل. بهذا تتأكد القيمة المعرفية للوعي في مرحلة الوعظ، وللنقد في مواجهة النقل، وللحقيقة في مواجهة الزيف، لأن الأول من كلٍّ من هذه الأزواج هو الأصدق دائمًا.

١

في كتاب نقد الخطاب الديني، وفي فصله الأول على وجه التحديد عن «الخطاب الديني المعاصر: آلياته ومنطلقاته الفكرية»، قررت أن الخلاف بين «الاعتدال» و«التطرف» في بنية الخطاب الديني ليس خلافًا في النوع، بل هو خلاف في الدرجة، وكان من أهم الأدلة التي استندت إليها لإثبات هذا الحكم أن كلًّا من الخطابين يعتمد «التكفير» وسيلةً لنفي الخصم فكريًّا عند المعتدلين، ولتصفيته جسديًّا عند المتطرفين، وإذا كنت قد امتنعت في ذلك الكتاب عن استنباط وجود أيٍّ من «التعاون» أو «تقسيم العمل» بين التيارين فإنني هنا أقرِّر — وبضمير مستريح — أن هذا الضرب من التعاون و«التعاضد» قائم بالفعل على مستوى الخطاب على الأقل.

لكن هذه ليست قضيتي هنا على أي حال، لأن ما عُرف في سياق الشجار الإعلامي طَوال الشهور الثلاثة الماضية باسم «قضية أبو زيد» قد أثبت بما لا يدع مجالًا للشك صحة التحليل السابق. بدأت عبارات التكفير في الانتشار منذ نُشر تقرير اللجنة العلمية الدائمة للترقيات، وهو التقرير الذي صاغه الدكتور عبد الصبور شاهين أساسًا، في الصحف والمجلات. ورغم أن بعض عبارات التقرير قد تم شطبها في محاولة لتخفيف حِدَّة التكفير، فإن مَن نقلوا عن التقرير دون تثبُّت قد أزالوا الكشط وأبرزوا من أحكام التقرير ما كان خافيًا. بل وأضافوا من اجتهادهم التكفيري، من باب استعراض المهارة ومن باب المزايدة في قوة الإيمان والتعصُّب للدين والعقيدة، عبارات تتضاءل أمام حدتها وقسوتها، بل وشناعتها، عبارات التقرير الأول.

كل ذلك يؤكد أن «التكفير» سِمة أساسية من سمات الخطاب الديني، ويُبرهن على أنها سِمة لا تفارق بنية هذا الخطاب، سواء وصفناه بالاعتدال أم وصفناه بالتطرف، وأظن أن هذه السمة التي أبرزتها «قضية أبو زيد» تمثِّل دليلًا دامغًا على عدم مشروعية استخدام الوصف «معتدل»، وتؤكد أن «التطرف» جزء جوهري في نسيج الخطاب الديني المعاصر. قد تكون هناك بعض الاستثناءات في هذا الخطاب، وهو أمر لا نُشكِّك فيه، ولكنها الاستثناءات التي تتوارى الآن في الظل والهامش تاركةً دائرة الضوء والحضور والمتن للتطرف ليعيث فسادًا في أرض هذا الوطن.

نضيف اليوم دليلًا جديدًا على اعتماد هذا الخطاب على آلية «النقل» دون تثبُّت أو تدبر، حتى لو كان الأمر يتصل بالحكم بالارتداد على فِكر منشور، ومعروفة مصادره. وبدلًا من معرفة الرجال بالحق كما قال الإمام علي بن أبي طالب أثبت كلُّ مَن أسهم في تكفير نصر أبو زيد إلى حد المطالبة بدمه أن «الرجال» هم المعيار في معرفة «الحق»، وكان حال لسانهم جميعًا يقول: أَوَقال الإمام عبد الصبور شاهين ذلك حقًّا؟ ما دام قد قاله فقد صدق، وهو منهج التقليد الذي يلغي العقل والمنطق، بل ويتعارض مع جوهر الشرائع السماوية كافة. إنه العقل النقلي المفتقد لأبسط آليات التفكير العقلي، بَلْهَ النشاط الذهني، الذي لا يُسمى كذلك إلا بالقيام على أساس من حاسة «نقدية» مهما كانت بسيطة وساذجة.

لكن البحث عن حاسة «نقدية» في كلِّ ما قيل وكُتب من جانب المتأسلمين في قضية أبو زيد هو بحث عن «قطة سوداء» — لا وجود لها — في «غرفة مظلمة»، وكيف نبحث عن وجود لأي حاسة نقدية وإمامهم الذي ينقلون عنه. ويعيدون إنتاج عباراته وأحكامه، ينفر من النقد الفكري، ويتهم إنتاج أبو زيد بالإسراف في النزعة النقدية؟ وإذا كانت النزعة النقدية هي الأداة الأساسية في البحث العلمي، وهي المرحلة الأولى للنفاذ إلى الجديد واكتشافه، فإن نعي ذلك على «الإنتاج العلمي» ينفي عن التقرير إياه صفة العلمية نفيًا تامًّا. وإذا كان هذا حال الإمام الذي لا ينطق لسانه إلا بالحق في نظر أتباعه ومريديه، فما بالنا بالمريدين والأتباع أنفسهم، وأي حاسة نقدية يمكن أن نبحث عنها في خطاب واحد منهم

منهج «النقل» يُفضي إلى الأتباع وكلاهما يناهض «الإبداع» ويُعاديه، بل ويسعى للقضاء عليه، ولا يتحقَّق ذلك إلا بالتكفير العقلي الذي يُفضي بدوره إلى التصفية البدنية، إلى القتل بالقنابل والرشاشات. هل كان من قبيل المصادفة اللغوية أن ترتد المادتان اللغويتان «كفر» و«فكر» إلى جذور واحدة؟ ليس ذلك منطقيًّا من منظور علم اللغة، فالفارق في ترتيب الحروف بين الصيغتين فارق دال على أن «التفكير» حين ينقلب على نفسه، ويخون أدواته، تحل الكاف محل الفاء وتتقدمها، فينقلب التفكير «تكفيرًا»، هنا يفقد كل خصائصه السابقة، كما فقدت الكلمة خصائصها الصوتية عن طريق هذا التقديم والتأخير، ويتحول إلى «جهالة» عمياء لا هَمَّ لها إلا القتل. ولا فارق أن يكون القتل بالكلام أو أن يكون بالسلاح، ما دام «الجهل» متجذِّرًا في بنية العقل في الحالتين.

بعد هذه المقدمة نستعرض نماذج من أقوال «التكفير» ونحللها كاشفين عن منهج النقل والاتِّباع من جهة، وعن أسلوب المزايدة في التعصُّب من جهة أخرى. سنتحاشى ذكر أسماء هؤلاء المكفِّرة، لأن الأسماء — رغم أهمية بعضها وشهرتها — لا تهمُّ كثيرًا في إطارٍ تحليلي يهتم بالنسق العام، ويتخذ من الأقوال مجرد شواهد كاشفة عن بنية النسق. نكرِّر مرة أخرى: نحن هنا في مجال تحليل «أقوال» تدل على «أذهان» تشترك في بنية نسقية مشتركة، هي محور التحليل هنا والتفسير. إنه «تحليل الخطاب» التخصصي العلمي الدقيق المعتمد على إجراءات ومناهج بحثية وأدوات تحليلية ليس هنا مجال شرحها. نشير هنا فقط إلى أن «تحليل الخطاب» يهتم بكل أنواع «القول» موضوعًا له، لكن كلمة «قول» لا تنصرف فقط إلى الأقوال اللغوية، بل هي مصطلح يتناول كل أنماط القول اللغوية وغير اللغوية.

لكي نزيد مفهوم «القول» وضوحًا من منظور «تحليل الخطاب» نقول إن الرسم قول، سواء كان رسمًا كاريكاتوريًّا أم رسمًا تعبيريًّا رمزيًّا. في عرض موضوع ما في صحيفة أو مجلة، تعتبر أدوات إبراز بعض العبارات عن طريق وضعها «مانشيتات» قولًا مضافًا، وكذلك «الإخفاء» عن طريق نشر رأي في زاوية صغيرة يمكن أن تخطئها عين القارئ يُعتبر قولًا من الصحيفة أو المجلة، أعني قولًا مضافًا للتقليل من شأن القول المكتوب. الاحتفاء بنشر صور أصحاب الأقوال، وكذلك الطباعة باللون الأحمر يُعدَّان نوعًا من الإبراز الذي يدخل في مفهوم «الأقوال» من منظور تحليل الخطاب. نضيف إلى ذلك كله عناوين الأبواب الثابتة بما تحمله من دلالة تضفي على دلالة المكتوب داخل الباب أو تحت العنوان دلالات مكتسبة من صيغة العنوان الثابت. كان الأستاذ محمد حسنين هيكل — مثلًا — يكتب تحليلاته السياسية في الأهرام بعنوان «بصراحة»، ثم غيَّرَ الأستاذ إبراهيم نافع العنوان وجعله «بهدوء» وفي كلتا الحالتين يُعتبَر العنوان دلالة تريد أن تندمج في القول المكتوب عن طريق توجيه وعي القارئ — أو لا وعيه — إلى القراءة بهَدْيٍ من العنوان وتأثُّرًا بدلالته.

إذا انتقلنا إلى الأقوال اللغوية، فهناك مستويات للتحليل تبدأ من دلالة المنطوق لنصل إلى المفهوم. وليس من الضروري دائمًا تطابُق المنطوق والمفهوم، لأن المفهوم من قولٍ بذاته في سياق معيَّن يختلف عن المفهوم من القول نفسه في سياق مغاير، وهذا أمر نلاحظه كثيرًا في حياتنا اليوم وفي استخدامنا للعبارات والأساليب. فأسلوب الأمر مثلًا قد يُراد به الامتثال والاستجابة في سياق، وقد يُراد به التهديد في سياق آخَر، وكذلك أسلوب التعجُّب قد يُراد به التعبير عن الدهشة في سياق، وقد يُراد به السخرية في سياق آخر، والاستفهام كما هو معروف قد يُراد به الإجابة عن السؤال، وقد يكون للتقرير، وقد يكون استنكارًا … إلخ كل ما هو معروف للطلاب في مراحل التعليم المختلفة.

لكن تحليل القول لا يقف عند مستوى اكتشاف «المفهوم» من خلال «المنطوق»، بل يتجاوز ذلك إلى ما يُطلَق عليه «فحوى» القول أو لحن الخطاب، وهو ما يُطلَق عليه في مصطلحات علم تحليل الخطاب اسم «المسكوت عنه»، هذا المستوى الأخير يمثِّل الدلالة المستنبطة من مفهوم القول. فحين ينهانا القرآن مثلًا في قول الله تعالى فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا يجب عدم الوقوف في تحليل هذا القول عند حدود «المفهوم»: النهي عن الإيذاء بالقول والدعاء للوالدين بالرحمة. إن هذا المفهوم يُشير بدلالة النهي عن الإيذاء القولي إلى النهي عن الإيذاء البدني، وعن كل أنماط القسوة ولو بالنظرة أو بالإشاحة بالوجه … إلخ. هذا المسكوت عنه إذَن ليس ضربًا من التفتيش عن دلالة غائبة تمامًا من سياق القول، كما أنه ليس ضربًا من التحايُل لإلباس القول دلالة لا يتضمنها. إنه اكتشاف للدلالات الضمنية الكامنة والخَفيَّة داخل بنية الخطاب أو القول، وذلك من خلال تحليل «المفهوم».

وكما يمكن أن يكون «المسكوت عنه» يمثِّل دلالة إضافية لدلالة المفهوم بالمعنى الإيجابي كما في مثال القول القرآني السابق، فقد يمثِّل مستوى «المسكوت عنه» دلالة إضافية كذلك، ولكن بالمعنى السلبي، أي بدلالة المُخالَفة. بمعنى أن المنطوق يدل على مفهوم يستدعي ما يخالفه لا ما يطابقه أو يتماثل معه، ولنأخذ مثلًا على ذلك يافطة «فرع المعاملات الإسلامية» في أحد البنوك: هل هي مجرد عبارة واصفة؟ أم أنها تشير — بدلالة المخالفة — إلى أن ما سواه من الفروع للبنك نفسه هي فروع معاملات «غير إسلامية». ويتطابق مع هذا المثال استخدام الوصف «إسلاميين» للدلالة على فئة أو جماعة بذاتها، فهو وصف يُشير — بدلالة المخالفة — إلى أن مَن هو خارج الفئة أو الجماعة ليس كذلك.

كان هذا الشرح ضروريًّا رغم اختصاره الشديد، لأن مستويات المسكوت عنه تتعدَّى المستويين السابقين وتتعدَّد بحسب السياق الذي يَرِد فيه القول، وعلى أساسه يتحدَّد «المفهوم» منه. ومن الضروري كذلك الإشارة هنا في عجالة إلى أن «المسكوت عنه» ليس من قبيل كشف النيات والضمائر، لأن صاحب القول قد لا يكون عامدًا من حيث العقد والنية التعبير عن تلك الدلالات. لكن للأقوال قدرتها على إنتاج الدلالات، بصرف النظر عن قصد القائل ونيته، لأن قوانين اللغة لها استقلالها عن إرادة الفرد. إن علم «تحليل الخطاب» يركِّز على الدلالات التي يمكن استنباطها من الأقوال، لأن تلك الدلالات تمارس تأثيرها على المتلقي سواء كانت دلالات مقصودة أم كانت غير مقصودة.

إن تحليل الخطاب يهتمُّ أساسًا بالبُعد التداوُلي للغة؛ أي بما تقوم به من تأثير من خلال عملية الاتصال، وهذا ينفي عنه تمامًا التفتيش في النيَّات والضمائر، أو الدخول على عالَم ما قبل «القول». ولذلك يُسمِّي نفسه «علم تحليل الخطاب» وينبو عن استخدام مصطلح «تحليل الأفكار» لأن الأخير يوهم الدخول في نوايا المتكلِّم ويتوهَّم الوصول إلى المقصد الأصلي قبل الكلام. وهذا فارق مهم جدًّا يستحق التأكيد والإبراز.

من هذا المدخل نهتم بتحليل أقوال المفكرة، أو جوقة التكفير التي انطلقت من أقاويل عبد الصبور شاهين وادعاءاته، وتجاوزت ذلك إلى حدود المطالبة بتطبيق حد «الردة» على نصر أبو زيد. ولكن قبل تحليل الأقوال من الضروري التوقُّف عند أهم الاتهامات التي صاغَها عبد الصبور شاهين، والتي تكرَّرَت بعد ذلك بألفاظ وعبارات مختلفة مضافًا إليها أحكام ومطالب وصَلَت إلى حدِّ رفع دعوى قضائية — دعوى حسبة — للتفريق بين نصر أبو زيد وزوجته، هذه الاتهامات يمكن إجمالها على الوجه الآتي:

  • (١)

    العداوة الشديدة لنصوص القرآن والسنة، والدعوة إلى رفضها وتجاهُل ما أتَتْ به.

  • (٢)

    الهجوم على الصحابة ونعتهم بصفات لا تليق بهم، مثل اتهام عثمان بن عفان بأنه وحَّد قراءات القرآن — التي كانت متعددة — في قراءة قريش وحدها، وذلك استمرارًا لمؤامرة «السقيفة» لتكريس سيطرة قريش على الإسلام والمسلمين.

  • (٣)

    الهجوم على القرآن وإنكار مصدره الإلهي، والحديث عن أسطورة وجوده الأزلي القديم في اللوح المحفوظ.

  • (٤)

    إنكار مبدأ أن الله سبحانه وتعالى هو الخالق لكل شيء، وأنه العلة الأولى، وإنكار الغيب والهجوم عليه مع أن الإيمان بالغيب من شروط الإيمان.

  • (٥)

    الدفاع عن الماركسية والعلمانية، الفكر الغارب، ونفي صفة «الإلحاد» عنهما.

  • (٦)

    الدفاع عن سلمان رشدي وروايته «آيات شيطانية» مع ما تتضمَّنه من عفونة فكرية ونتن أدبي.

وفي ردِّنا على تلك الاتهامات سنعتمد أساسًا على مجمل الأقوال دون إشارة لأصحابها، وربما تعرَّضنا لبعض التفاصيل التي يصعب إدراجها — بسبب كثرتها — تحت بند واحد بعينه من البنود السابقة. ونبدأ بالاتهام الأول الجامع لكل الاتهامات الأخرى.

٢

نعود مرَّة أخرى إلى كتاب نقد الخطاب الديني لنرى إلى أي حد يُعادي صاحبُه الدينَ أو يُعادي النصوص الدينية. في مقدمة الكتاب (ص٨) من طبعة دار سينا (الطبعة الأولى) يقول المؤلف بالحرف، ونعتذر عن طول الاقتباس ولكنه ضروري لكشف القراءة الزائفة لعبد الصبور شاهين وأتباعه:

«وإذا كان هناك مَن لا يزال يتشكَّك في جدوى التصدِّي بالدرس والتحليل والتمحيص للفكر الديني بمختلف اتجاهاته وفصائله، بدعوى أن الدين مكوِّن جوهري أصيل من مكوِّنات هذه الأمة، وأنه لا بدَّ من ثَم أن يكون عنصرًا أساسيًّا في مشروع النهضة، فإن عليه ألَّا يأخذ الخطاب الديني بظاهر أطروحاته الدعائية والإعلامية. وعليه أن يفهم اليافطات في سياق المواقف السياسية المباشرة من قضايا التنمية والعدل الاجتماعي والاستقلال الاقتصادي والسياسي.»

ونلاحظ أن التحليل والنقد إنما ينصبَّان على الفكر الديني وليس على الدين، هذا من جهة، ومن جهة أخرى هناك تفرقة بين اليافطات المعلنة للخطاب الديني والممارسات العلمية على صعيد السياسة والاقتصاد والفكر. اليافطات جميلة وبرَّاقة: «الإسلام هو الحل»، «النهضة الإسلامية»، «المشروع الحضاري الإسلامي» … إلخ. والمؤلف يتفق مع الخطاب الديني في أهمية الدين بوصفه عنصرًا جوهريًّا من عناصر النهضة، ويتركَّز الخلاف حول المقصود بالدين. وهنا لا يخالف المؤلف اليمين الإسلامي فقط، بل يختلف مع اليسار الذي يتزيَّا بالإسلام كذلك، ويحاول الباحث أن يطرح فهمًا علميًّا للدين بعيدًا عن التوظيف الأيديولوجي، هذا التوظيف الذي ضرب المؤلف له مثلًا بعملية النصب الكبرى التي وقعت في تاريخ الاقتصاد المصري باسم الإسلام وتحت يافطة «التوظيف الإسلامي للمال» أو «الاستثمارات الإسلامية»، وفي هذا السياق تمَّ الحديث عن الفكر الذي يكرِّس الخرافة والأسطورة ويقتل العقل، وهذه نقطة سنعود إليها في سياقنا هذا.

يقول المؤلف بوضوح لا يتجاهله إلا مكابر أو مُعاند أو مَن في قلبه حقد:

«ولا خلاف أن الدين — وليس الإسلام وحده — يجب أن يكون عنصرًا أساسيًّا في أي مشروع للنهضة، والخلاف سيتركَّز حول المقصود من الدين: هل المقصود: الدين كما يطرح ويمارس بشكل أيديولوجي نفعي من جانب اليمين واليسار على السواء، أم الدين بعد تحليله وفهمه وتأويله تأويلًا عاميًّا ينفي عنه الأسطورة ويستبقي ما فيه من قوة دافعة نحو التقدُّم والعدل والحرية؟».

وأظن الآن أن التفرقة واضحة بين الدين والفكر الديني، وأن المؤلف حريص على أن يتباعد بالدين عن أن يكون موضوعًا للاستغلال الأيديولوجي بالتأويلات النفعية سواء من جانب اليمين أم من جانب اليسار، وتلك نقطة أسهب المؤلف في شرحها وإعطاء أمثلة لها في مقدمة كتاب: مفهوم النص دراسة في علوم القرآن، وأكتفي في هذا السياق بمثال شركات توظيف الأموال باسم الإسلام.

ويتأكَّد هذا الفصل بين الفكر الديني والدين داخل صلب الكتاب، نقد الخطاب الديني، حين يناقش المؤلف واحدة من أهم طرائق الخطاب الديني — أو آلياته — في طرح الأفكار والتصوُّرات والمفاهيم، تلك هي الآلية التي أطلق عليها: «التوحيد بين الفكر والدين». وفي شرحها يحرص المؤلف على إبراز الفارق بين الفكر الديني والنصوص الدينية في ذاتها. يقول (ص٢٨-٢٩):

«منذ اللحظات الأولى في التاريخ الإسلامي — وخلال فترة نزول الوحي وتشكُّل النصوص — كان ثمَّة إدراك مستقر أن للنصوص الدينية مجال فعاليتها الخاصة، وأن ثمَّة مجالات أخرى تخضع لفاعلية العقل البشري والخبرة الإنسانية ولا تتعلَّق بها فعالية النصوص. وكان المسلمون الأوائل كثيرًا ما يسألون إزاء موقف بعينه ما إذا كان تصرُّف النبي محكومًا بالوحي أم محكومًا بالخبرة والعقل، وكثيرًا ما كانوا يختلفون معه ويقترحون تصرُّفًا آخر إذا كان المجال من مجالات العقل والخبرة. الأمثلة على ذلك كثيرة، وتمتلئ بها كل وسائل الخطاب الديني وأدواته: من كتب ومقالات وخطب ومواعظ وبرامج وأحاديث، ورغم ذلك يمضي الخطاب الديني في مد فعالية النصوص الدينية إلى كل المجالات (أي يحاول تكريس شموليتها كما سبق القول) متجاهلًا تلك الفروق التي صِيغَت في مبدأ «أنتم أعلم بشئون دنياكم».»

«ولا يكتفي الخطاب الديني بذلك، بل يوحِّد بطريقة آلية بين النصوص وبين قراءته وفهمه لها. وبهذا التوحيد لا يقوم الخطاب بإلغاء المسافة المعرفية بين الذات (الفكر) والموضوع (النصوص الدينية) فقط، بل يتجاوز ذلك إلى ادِّعاء ضمني بقدرته على تجاوُز كل الشروط والعوائق الوجودية والمعرفية والوصول إلى القصد الإلهي الكامن في هذه النصوص. وفي هذا الادِّعاء الخطير لا يدرك الخطاب الديني المعاصر أنه يدخل منطقة شائكة في منطقة «الحديث باسم الله» وهي المنطقة التي تحاشى الخطاب الإسلامي — على طول تاريخه عدا استثناءات قليلة لا يُعتَد بها — مقاربة تخومها. ومن العجيب أن الخطاب المعاصر يَعيبُ هذا المسلك ويندِّد به في حديثه عن موقف الكنيسة من العلم والعلماء في القرون الوسطى» أ.ﻫ.

كل هذا التحليل النقدي للخطاب الديني قائم على أساس تفرقة واضحة بين الفكر الديني والدين، أي بين فهم النصوص وتأويلها والنصوص في ذاتها. وهذه التفرقة تسعى إلى فهم موضوعي للنصوص لا إلى إلغاء للنصوص، إنها تسعى إلى أن يحتل الدين مكانه الصحيح في الحياة والمجتمع، وفي سلوك الأفراد وعاداتهم وأخلاقهم، وذلك بدلًا من تحويله إلى «وقود»، مجرَّد وقود وأداة للحراب السياسي والاجتماعي والاقتصادي. وهي تسعى من جهة أخرى لنزع قناع «القداسة» عن فِكر بشري وخطاب إنساني يسعى إلى قمعنا واستغلالنا والسيطرة على عقولنا ومستقبلنا باسم الإسلام. وفي هذا السياق يمكن فهم — بل يجب فهم — العبارات التالية التي انتُزِعَت من سياقها في المقدِّمة المُشار إليها وأُلصِقَت بها دلالات لا تعنيها إطلاقًا كما سوف يتضح: تقول تلك العبارات التالية لمسألة أهمية أن يكون الدين — وليس الإسلام وحده — عنصرًا أساسيًّا في أي مشروع للنهضة: «وليست العلمانية في جوهرها سوى التأويل الحقيقي والفهم العلمي للدين، وليست ما يروِّج له المُبطِلُون من أنها الإلحاد الذي يفصل الدين عن المجتمع والحياة. إن الخطاب الديني يخلط عن عمد وبوعيٍ ماكرٍ خبيث بين فصل الدولة عن الكنيسة، أي فصل السلطة السياسية عن الدين، وبين فصل الدين عن المجتمع والحياة.» وهذه هي الفقرة التي ينقلها عبد الصبور شاهين في تقريره متجاهلًا ما سبقها وما تلاها ليصل إلى حُكمه الضال المضل كما سيأتي. وتكملة الفقرة ما يلي ليتضح معناها عند القارئ: «الفصل الأول (أي بين سلطة الدولة وسلطة علماء الدين) ممكن وضروري، وقد حقَّقَتْه أوروبا بالفعل، فخرجت من ظلام العصور الوسطى إلى رحاب العلم والتقدُّم والحرية، أما الفصل الثاني — فصل الدين عن المجتمع والحياة — فهو وَهْمٌ يروِّج له الخطاب الديني في محاربته للعلمانية، وليكرس اتهامه لها بالإلحاد. ومن يملك قوة فصم الدين عن المجتمع أو الحياة؟ وأي قوة تستطيع تنفيذ القرار إذا أمكن له الصدور؟! والهدف الذي يسعى له الخطاب الديني من ذلك الخلط الماكر والخبيث واضح بيِّن لا يخفى على أحد: أن يجمع أصحاب المصلحة في إنتاجه بين قوة الدين وقوة الدولة، بين السلطة السياسية والسلطة الدينية، ويزعمون فوق ذلك كله أن الإسلام الذي ينادون به لا يعترف بالكهنوت ولا يقبله. ولكن عجائب الخطاب الديني لا تنتهي، فيناقض نفسه ويحدِّثنا عن أَسْلَمة العلوم والآداب والفنون! وهل فعلَتْ كنيسة العصور الوسطى في أوروبا أكثر من ذلك؟!» أ. ﻫ.

هل هناك مجال لبيان أكثر من هذا ووضوح أنصح من هذا للفارق بين الدين في ذاته والفكر الديني؟! وأي هجوم على الدين أو على «الغيب» في كل هذا التحليل النقدي للفكر الذي يغالط ويزيِّف المفاهيم. ينتزع عبد الصبور شاهين العبارات من سياقها ليقرِّر في يقين عجيب وحسم قاطع غريب: «في المقدمة يهجم الباحث على «الغيب» بأسلوب غريب، فيجعل العقل الغيبي غارقًا في الخرافة والأسطورة، مع أن الغيب أساس الإيمان» وحديثنا الذي يشير إليه مولانا الشيخ هو ما يتعلَّق بالخطاب الديني الذي ساند شركات توظيف الأموال بالإسلام، ومسألة «العقل الغيبي» لا وجود لها في النص المشار إليه من حديثنا لا تصريحًا ولا تلميحًا، حيث قلنا «إن عملية النصب الكبرى تلك لم يكن يمكن لها أن تحقِّق ما حققته دون تمهيد الأرض بخطاب يكرس الأسطورة والخرافة ويقتل العقل»، فالحديث عن خطاب وليس عن العقل الغيبي، لكن الشيخ أراد أن ينسب لنا إنكار الغيب لكي يدلل بعد ذلك على أن الباحث ينكر «ما هو معلوم من الدين بالضرورة» فيُلقي به وبخطابه في غيابة «الكفر» و«الردة» … إلخ. وفي تعليقه على تفرقتنا بين فصل سلطة الدولة عن سلطة الدين وفصل الدين عن الحياة والمجتمع، وعن خلط الخطاب بينهما بهدف تشويه العلمانية وربطها بالإلحاد … يقول كاذبًا فضَّ الله فاه:

«ولا أدري إن كان ذلك عن جهل بمفهوم العلمانية أو هو يضاعف من خطورة هذا الاتجاه بتزييف المفاهيم» وهذا ينقلنا إلى تزييف عبد الصبور شاهين وأتباعه للمفاهيم، خاصة العلمانية والماركسية، بل وتزييفه للأقوال التي لم نقلها، ونسبتها لنا، وهو ما يكشف عن دلالات خطيرة نناقشها في الفقرة التالية.

٣

إذا كانت دعوة الباحث دعوة للتحرر من سلطة النصوص، فالمقصود التحرُّر من مفاهيم الهيمنة والشمول التي يُضفيها بعضهم عليها، وهم يفرضون تأويلاتهم هم وتفسيراتهم وحدها. إننا ندعو إلى ضرورة التحرر «من عبودية القراءة النصية الحرفية، وبضرورة التأويل بحسب رؤية تاريخية موضوعية للنص، وفي ضوء ما يتحقق من تطور وتغير في الأزمنة والأحوال ومناهج التفكير» كما قال محمود أمين العالم (مجلة القاهرة، العدد ١٢٧، يونيو ١٩٩٣م، ص١٤). هذا التأويل الذي ننادي به يرى فهمي هويدي (الأهرام ٢٦/ ١/ ١٩٩٣م) أنه مسألة «في جوهرها عبث بالنصوص وتعطيل لها».

وفي هذا الفارق بين فهم محمود العالم لأطروحاتي وفهم فهمي هويدي يكمن الفارق بين الفهم «العلماني» والفهم «الحرفي». لقد استخدم هويدي مصطلح «تعطيل» وهو مصطلح استخدمه خصوم المعتزلة، لوصف اجتهاداتهم في مجال «التوحيد» ونفي مشابهة الذات الإلهية للبشر. وهي تلك الاجتهادات العقلية الفلسفية التي أفضت بهم إلى تأويل آيات «الصفات» تأويلًا يتباعد بها عن الفهم الحرفي المفضي إلى «التشبيه» بمعنى مشابهة الله سبحانه وتعالى للبشر. وهنا نعود مرة أخرى إلى مسألة «العلمانية» التي أرى أنها «ليست في جوهرها سوى التأويل الحقيقي والفهم العلمي للدين، وليست ما يروِّج له المبطلون من أنها الإلحاد الذي يفصل الدين عن الدولة والحياة.»

كيف يفهم الخطاب الديني «العلمانية» وكيف يفهمها نصر أبو زيد؟! هذا سؤال مهم يُبرز محور الخلاف، كما يُبرز كمَّ المغالطات والتزييف الذي لجأ إليه عبد الصبور شاهين وتابعه فيه الجمع الغفير من أنصاره ومريديه، وفي سياق فهم «العلمانية» ورد الحديث عن «الماركسية» لخضوع فهمها في الخطاب الديني للآلية نفسها، الآلية التي أطلق عليها في نقد الخطاب الديني آلية «رد الظواهر إلى مبدأ واحد» (ص٣٢–٣٧). وفي تحليلنا هنا لتلك المغالطات سنردُّ بشكل كامل على الاتهامَين الرابع والخامس وهما: إنكار مبدأ أن الله سبحانه وتعالى هو الخالق لكل شيء، وأنه هو العلة الأولى، والدفاع عن الماركسية والعلمانية ونفي صفة «الإلحاد» عنهما.

عن الاتهام الثاني يقول عبد الصبور شاهين بالحرف الواحد وهو بصدد التعليق على نقد الخطاب الديني: «وهو يدافع بحرارة عن الماركسية، الفكر الغارب، ويبرئها من تهمة الإلحاد، بل ويقول بخطأ تأويل الماركسية بالإلحاد والمادية، ولعله يتصور أن ماركس كان مؤمنًا روحيَّ النزعة» والعبارة الأخيرة تعديل مخفف للعبارة الأصلية التي يمكن قراءتها رغم الكشط، وهي (ولعله يصلي ويسلم على ماركس إمام المتقين). وبصرف النظر عن اللغة الخطابية الركيكة لم يبين لنا كاتب التقرير حيثيات الدفاع ولا سياقه في الكتاب، وهو السياق الكاشف عن آليات «الاختصار» و«الابتسار» و«التشويه» التي يعمد لها الخطاب الديني في مناقشة الأفكار والنظريات والاجتهادات، وهي الآليات التي ناقشناها كلها تحت آلية «رد الظواهر إلى مبدأ واحد».

لقد شرح الباحث هذه الآلية قائلًا: «إن الحديث عن إسلام واحد ثابت المعنى لا يبلغه إلا العلماء (وهو التأويل الحرفي الذي سبقت مناقشته) يمثل جزءًا من بنية آلية أوسع في الخطاب الديني. وليست هذه الآلية من البساطة والبداهة التي تبدو بها في الوجدان والشعور الديني العادي والطبيعي، بل نجدها في الخطاب الديني ذات أبعاد خطيرة تهدد المجتمع، وتكاد تشل فعالية العقل في شئون الحياة والواقع. ويعتمد الخطاب الديني في توظيفه لهذه الآلية ذلك الشعور الديني العادي، فيوظفها على أساس أنها إحدى مسلمات العقيدة التي لا تُناقَش (ص٣٢).

هذه التفرقة التي نحرص عليها بين آلية «رد الظواهر إلى مبدأ واحد» في الشعور الديني وتوظيف الخطاب الديني لها تفرقة حاسمة وبارزة. بمعنى أنها تفرقة تنطلق — مرة أخرى — من تفرقتنا الأساسية بين «الدين» و«الفكر الديني». وليس في هذه التفرقة الإنكار الذي يزعمه عبد الصبور شاهين وينسبه للباحث، وهو الاتهام الذي تنامى وتزايد إلى حد الاتهام بالردة. يواصل المؤلف في كتاب نقد الخطاب الديني إبراز هذه التفرقة قائلًا: «وإذا كانت كل العقائد تؤمن أن العالم مدين في وجوده إلى علة أولى أو مبدأ أول — هو الله في الإسلام — فإن الخطاب الديني — لا العقيدة — هو الذي يقوم بتفسير كل الظواهر الطبيعية والاجتماعية، بردها جميعًا إلى ذلك المبدأ الأول، إنه يقوم بإحلال «الله» في الواقع العيني المباشر، ويرد إليه كل ما يقع فيه، وفي هذا الإحلال يتم — تلقائيًّا — نفي الإنسان، كما يتم إلغاء القوانين الطبيعية والاجتماعية ومصادرة أي معرفة لا سند لها من الخطاب الديني أو من سُلطة العلماء» (ص٣٢).

ولنرَ الآن كيف فهم عبد الصبور شاهين — والمتابعون له — هذه التفرقة: يقول التقرير — وهو النص الأصلي هنا — «وهو (يقصد الباحث) ينعي على الخطاب الديني أن يرد كل شيء في العالم إلى علة أولى هي «الله» ويرى أن ذلك إحلال ﻟ «الله» في الواقع ونفي للإنسان، كما أنه إلغاء للقوانين الطبيعية والاجتماعية، ويورد ذلك في مورد الذم والاستنكار والتشكيك في العقيدة». لكن لأن هذا الفهم لا يستقيم لعبد الصبور شاهين، يلجأ إلى التزييف والكذب الصريح، الذي إنْ دلَّ على شيء فإنما يدل على عقل غير قادر على الاستيعاب. يواصل عبد الصبور شاهين في تقريره المشبوه: «ويميل — يقصد الباحث — إلى مقولة الفكر الغربي بأن الله خلق العالم ثم تركه يدور، كما أن صانع الساعة تركها تدور وحدها.»

هكذا يرتكب كاتب التقرير حماقةَ مَن تعرَّض لهم الباحث بالنقد نفسه، ويؤكد بما لا يدع مجالًا للشك صحة الأطروحات، خاصة ما يتعلق منها بآلية «رد الظواهر إلى مبدأ واحد». وقبل المضي في التحليل نحب أن نشير إلى أن القول الذي ينسبه كاتب التقرير للباحث عن الفكر الغربي ومقولته قول ورد في كتاب الصحوة الإسلامية بين الجمود والتطرف ليوسف القرضاوي (دار الشروق، القاهرة ١٩٨٤م، ص٢١٦). وقد استشهد الباحث بهذا القول الواصف للفكر الغربي في كتاب القرضاوي — وهو واحد من ممثلي الخطاب الديني المعاصر — في سياق تحليل الآلية المشار إليها، وواضح أن القرضاوي يجمع «الفكر الغربي» في سلة واحدة، ويلخص تاريخه الطويل والمتنوع والمتعدد الاتجاهات في مقولة واحدة من خلال مثال الساعة وصانعها. وكان هذا التحليل مثالًا توضيحيًّا للاختصار والابتسار والتشويه العمدي من جانب الخطاب الديني للنظريات والأفكار. لذلك كان تعليق الباحث على ذلك القول الذي لخَّص به يوسف القرضاوي تاريخ الفكر الغربي: «وليس مهمًّا هنا أن يكون مثال «الساعة وصانعها» معبرًا عما يسميه الكاتب «التفكير الغربي» كله، فالدقة العلمية ليست مطلبًا في الخطاب الديني، بل المهم هو ما يحمله الوصف «غربي» من دلالات وإيحاءات.»

اتهام كاتب التقرير للباحث إذن بأنه ينكر مفهوم «العلة الأولى» الذي يعني إنكارًا للألوهية اتهام باطل من أساسه، لكنه الاتهام الذي سوَّغ مسألة «عداوة النصوص» وسهَّل تصديقها من جانب النقلة والأتباع. لم يعُد الأمر إذَن مجرد «انتزاع» للعبارات من سياق، بل صار تزييفًا بهدف الوصول إلى غاية «التكفير/القتل» معنويًّا أولًا، ثم يصبح القتل المادي مسألة وقت في مرحلة تنامي العنف والإرهاب. لم يفهم كاتب التقرير — أو لعله تعمَّد ألا يفهم — أن مبدأ «رد الظواهر إلى علة أولى» إذا خرج عن مجال الشعور الديني إلى مجال تفسير الظواهر والأحداث والأفكار يؤدي إلى نتائج وخيمة، والذين يتحدثون عن «التخلف» — والإسلاميون على رأسهم — يتجاهلون هذا البُعد الذي يكرسه الخطاب الديني في بنية العقل العربي منذ الأشاعرة والغزالي — والإمام الشافعي كما حللنا في كتاب عنه — حتى الخطاب المعاصر. وهذا هو المعنى الذي قصد إليه الباحث وعبَّر عنه في العبارات الآتية:

«في هذا الخطاب، وبفضل هذه الآلية، تبدو أجزاء العالم مشتتة، وتبدو الطبيعة مبعثرة، إلا من الخيط الذي يشد كل جزء من العالم أو من الطبيعة إلى الخالق أو المبدع الأول. ولا يمكن لمثل هذا التصور أن يُنتج أي معرفة «علمية» بالعالم أو بالطبيعة، ناهيك بالمجتمع أو بالإنسان. هذا التصور امتداد الموقف «الأشعري» القديم الذي ينكر قوانين السببية في الطبيعة والعالم لحساب جبرية شاملة، تمثل غطاء أيديولوجيا الجبرية الاجتماعية والسياسية في الواقع» (ص٣٢) (انظر أيضًا ص٣٨-٤٠ من الكتاب نفسه في شرح مفهوم الغزالي لعلاقات السببية، وهو المفهوم الذي أسس هذه الآلية موضوع النقاش).

ولعله من الضروري أن نضيف هنا من باب التوضيح — أن سيارة تلك الآلية في نسق الذهنية العربية الإسلامية يناهض بشكل جذري أي محاولات للإصلاح. والخطاب الديني حين يدافع عن هذا المبدأ — خارج حدود الشعور الديني — كأنه يدعو إلى التخلف في حين يزعم أنه يسعى إلى التقدم. الأخطر من ذلك أنه مبدأ يتعارض مع أبسط مبادئ البحث العلمي الذي يهدف إلى اكتشاف الأسباب والعلل المباشرة لتفسير الظواهر. إن البحث العلمي في جوهره كشف عن علاقات وروابط، أي اكتشاف لقوانين من أجل مزيد من الوعي بالظواهر طبيعية كانت أم إنسانية. ومعنى ذلك أن المعرفة العلمية لا تستقيم برد كل الظواهر إلى العلة الأولى دفعة واحدة دون نظر إلى العلل والأسباب المباشرة، وفي الحياة الاجتماعية تؤدي سيادة هذا المبدأ إلى إهدار قوانين الثواب والعقاب في السلوك الاجتماعي، ويمكن تبرير كل شيء برده مباشرة إلى الإرادة الإلهية، كما يحدث في الكوارث والزلازل. ولا شك في أن هناك كوارث طبيعية كالزلازل والبراكين لها أسبابها الطبيعية، وهي حين تحدث تسبِّب كثيرًا من الدمار الإنساني. لكن للإهمال والتسيب وانعدام الإحساس بالمسئولية في إدارة مثل هذه الأزمات تأثير لا شك فيه في تحويل الخسائر الطبيعية إلى كوارث. وهذا هو الفارق بين المجتمعات التي تتبنى النظرة العلمية في التخطيط والإعداد بما في ذلك توقعات المستقبل، والمجتمعات التي تواجه أزماتها بالصبر متخلية عن حساب المهملين وعقابهم استنادًا إلى مبدأ «الإرادة الإلهية».

هذا هو الفارق بين «العقل الغيبي» و«العقل الديني»، في حين يجد الأول تفسيرًا لكل شيء في الإيمان، يسعى الثاني للكشف عن الأسباب المباشرة للظواهر دون أن يتخلى عن «الإيمان». والواقع أن العقل الغيبي هو العقل المستريح القابل لأي تفسير يضع يافطة الإيمان، وهذا بالضبط ما حدث في مأساة شركات توظيف الأموال باسم الإسلام. لقد ظن كثيرون — وهمًا أو خداعًا — أن قوانين السوق يمكن بالإيمان ورفع يافطات الإسلام أن تجعل البعض يحقِّقون أرباحًا خيالية لا تتحقق في أعتى المؤسسات الرأسمالية. كانت كلمة السر في ذلك كله هي «البركة» التي هي قرينة «التقوى» دون إدخال «العمل» عنصرًا فاعلًا في المعادلة. هل يعقل أن يتخلى بعضهم طواعية عن قوانين العلم التي درسوها إلا إذا كان العلم مجرد قشرة على سطح الوعي؟!

والخطاب الديني لا يكرس هذه المقولة في الحياة الاجتماعية فقط، بل يجعلها منهجًا معرفيًّا، فيختصر كل شيء في مقولة واحدة سهلة، يحفظها الدارسون والطلاب ويكررونها عن ثقة ويقين. يتم اختصار «العلمانية» في «فصل الدين عن الدولة» كما يتم اختصارها في «الإلحاد». الأمر نفسه بالنسبة إلى الماركسية والداروينية والفرويدية. ويعجب المرء حين يتشدَّق الطلاب بمثل تلك الأقاويل بوصفها حقائق لا تقبل النقاش أو حتى التأمل. برامج وخطب ومواعظ، لم يقرأ منتجوها كلمة واحدة عن أيٍّ من تلك الاتجاهات والمذاهب، لكنهم قادرون على الحُكم عليها، هكذا استنادًا إلى من نقل عن المصدر الأصلي: سيد قطب الذي نقل بدوره عن أبي الأعلى المودودي. وفي قضية «أبو زيد» أعلن عبد الصبور شاهين ادعاءاته ضد نصر أبو زيد، ونقلها إلى مسجد عمرو بن العاص، ومنه انتشرت إلى كل المقالات والمساجد. كان الإعلان «أبو زيد يدافع عن العلمانية والماركسية، المذاهب الملحدة الكافرة» والاستنتاج أن أبا زيد كافر ملحد يؤمن بالمادية ويرفض التفسير الديني للعالم … إلخ.

والعلمانية لمَن قرأ النزر اليسير عنها في الكتب المدرسية والملخصات ودوائر المعارف ليست نمطًا من التفكير معاديًا للدين، بل هي تُعادي التأويل الكنسي — تأويل رجال الدين — الحرفي للعقائد، وتناهض محاولة الكنيسة فرض تأويلها من أجل هيمنتها وسيطرتها. إنها نمط من التفكير يناهض «الشمولية» الفكرية و«الإطلاقية» العقلية للكنيسة، أي لرجال الدين، على عقول البشر حتى في شئون العلم والحياة الاجتماعية. العلمانية هي مناهضة حق «امتلاك الحقيقة المطلقة» دفاعًا عن «النسبية» و«التاريخية» و«التعددية» و«حق الاختلاف» بل و«حق الخطأ». وفي ظِل «العلمانية» ازدهرت الأديان، وتحرَّر أصحابها من الاضطهاد والمطاردة والمصادرة. قد تخون بعض الأنظمة هذه المبادئ، وقد حدث هذا بالفعل في ظِل الأنظمة «الشمولية» في شرق أوروبا. ولعله يحدث الآن في غربها بفعل التحوُّلات التي بدأت في الحدوث في النظام العالمي بعد الحرب العالمية الثانية، وبحكم محاولة الرأسمالية العالمية «الهيمنة» و«السيطرة» على ثروات العالم الثالث. هذا كله باطل تجب مناهضته، لكن المبادئ العامة تظلُّ صائبة ومشروعة. بل إن الوقوف في وجه التبعية ومناهضة محاولات الهيمنة والسيطرة لا يتم إلا وفق مبدأ «عدم امتلاك الحقيقة» وهو مبدأ العلمانية الجوهري والأساسي، هذا بالإضافة إلى كل ما يمكن أن يتحقَّق لو ساد هذا المبدأ في حياتنا الفكرية والاجتماعية والسياسية.

نخلص من هذا كله إلى أن «العلمانية» ليست بالضرورة مضادة للعقيدة، بل إن الإسلام هو الدين «العلماني» بامتياز لأنه لا يعترف بسلطة الكهنوت، ولأنه كما شرحنا في كتابنا (انظر: ص٥٤-٥٥، ٥٩-٦٠) يمثِّل بداية تحرير العقل لتأمل العالم والإنسان، أي الطبيعة والمجتمع، واكتشاف قوانينهما: سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ. وقد كانت حركة «العلم» عند المسلمين — الحركة الاستدلالية المعرفية — تبدأ بمعرفة «العالم» بوصفه علامة دالة على «الله»، العلم لا يبدأ من «الله» — الغيب — ليصل إلى الإنسان — الشهود — بل تبدأ الحركة من «الشاهد» لتصل إلى «الغائب». ويطول بنا المقام أو توقفنا أمام هذه الحقيقة لندلِّل على «علمانية» الإسلام. وحين تخلى العلماء المسلمون عن مبدأ «قياس الغائب على الشاهد» وعكسوه إلى «قياس الشاهد على الغائب» كان ذلك على حساب «التقدُّم» والازدهار العلميين. وقد ناقشنا هذا التحوُّل في كتاب مفهوم النص — الباب الثالث»، وفي دراستنا عن «إهدار السياق في تأويلات الخطاب الديني». وكان الإمام الغزالي هو بطل هذا التحوُّل، وكأنه كان يمثل نقطة البدء في الانقلاب عن «علمانية» الإسلام إلى «كهنوت» الفكر الديني.

لذلك، نرى أن معاداة «العلمانية» في الخطاب الديني المعاصر وهذا ما شرحناه في نقد الخطاب الديني: «يرتد — في أحد جوانبه — إلى أنها تسلبه إحدى آلياته الأساسية في التأثير (ونقصد رد الظواهر إلى مبدأ واحد)، ويرتد — في جانب آخَر — إلى أنها تجرِّده من «السلطة المقدسة» التي يدَّعيها لنفسه حين يزعم امتلاكه للحقيقة المطلقة الكاملة. ورغم استنكار الخطاب الديني لموقف رجال الكنيسة في بدايات عصر النهضة فإنه يقترف الخطيئة نفسها حين ينادي بأسلمة العلوم والآداب والفنون، ويجعل من ذاته «مرجعية» شاملة تكرر موقف الكنيسة الذي يستنكره نظريًّا» (ص٣٣). وفي سياق هذا النقد لموقف الخطاب الديني من العلمانية، تم الاستشهاد بمقولة الساعة وصانعها التي وردت في كتاب يوسف القرضاوي تلخيصًا لاتجاهات الفكر الغربي. وهي المقولة التي كذَّب عبد الصبور شاهين — أو زيَّف، ولا فارق كبير بين الكذب والتزييف على كل حال — فنسبها للباحث.

وقد تم الاستشهاد في سياق الكتاب بكثير من الأمثلة على عمليات التزييف والتشويه التي يلحقها الخطاب الديني بكل فكر يخالفه، وذلك دون أي محاولة لنقد ذلك الفكر من داخله، إن الخطاب الديني يكتفي عادةً بإلصاق يافطة «الإلحاد» أو «المادية» وأحيانًا «الصهيونية»، وهو الأمر الماثل في مناقشة فكر «نصر أبو زيد». وكما فعل ذلك بالعلمانية يفعله بالماركسية فيربط بينهما وبين الإلحاد من جهة، وبينهما وبين الصهيونية من جهة أخرى. ولم يكن الباحث في سياق تحليل آليات الخطاب الديني في الكتاب مشغولًا لا بالدفاع عن العلمانية، ولا عن الماركسية، ولا عن غيرهما من النظريات والأفكار. والسبب في ذلك بسيط وهو أن موضوع الكتاب ليس العلمانية ولا الماركسية بل هو تحليل الخطاب الديني بالكشف عن آلياته ومناقشة منطلقاته. لذلك تصبح مقولة الدفاع عن الماركسية والعلمانية — وهي المقولة التي تصوَّرَ عبد الصبور شاهين وأتباعه إمكان إلصاق تهمة الإلحاد بالباحث عن طريق نسبتها إليه — مقولة زائدة لا سند لها من داخل الكتاب. هذا بالإضافة إلى ما قام به التحليل من «فضح» آلية الابتسار والاختصار والتشويه. يقول المؤلف في نهاية التحليل:

«وليس هذا الخلط (بين العلمانية والماركسية والصهيونية) مما يعنينا مناقشته هنا بقدر ما يعنينا الكشف عن توظيف آلية (رد الظواهر إلى مبدأ واحد) في الخطاب الديني، وقد ألمحنا إلى اختزال الماركسية في الإلحاد والمادية، فليس مهمًّا على الإطلاق في أي سياق ورد قول ماركس إن «الدين أفيون الشعوب»، وليس مهمًّا كذلك أن يكون هذا القول موجَّه إلى الفكر الديني والتأويل الرجعي للدين، لا إلى الدين ذاته، بل المهم أن يؤدي هذا الاختزال غايته الأيديولوجية. وهكذا يؤكد الخطاب الديني — بمثل هذا التأويل والاختزال — مقولة ماركس، في حين أراد أن يدحضها» (ص٣٥).

ويواصل المؤلف (ص٣٦): «ليس مهمًّا أيضًا في سياق الخطاب الديني إهدار مبدأ «الجدل» الذي يُعد من أسس الفكر الماركسي ومن أولياته، وليس مهمًّا دعواه أنه فكر يهدف إلى تغيير العالم — لا مجرد تفسيره — بتغيير وعي الإنسان بوصفه أداة التغيير و«الفاعل» في التاريخ والواقع، فالخطاب الديني لا يستهدف الوعي بقدر ما يهدف إلى التشويش الأيديولوجي.»

إن الكشف عن أخطار التشويه والاختصار، بل والابتذال في مناقشة الأفكار، يُعد من أهم أدوات «النقد» في الكتاب. لأن سيطرة الخطاب الديني على وعي العامة أدى إلى اقتناع كثير من الناس — وكثير من المتعلمين للأسف — بأنهم يعرفون ما هي العلمانية وما هي الماركسية وما هي الداروينية وما هي الفرويدية، بل يتناقش الناس علنًا حول هذه الاتجاهات بطريقة مبتذلة. الأخطر من ذلك أن يشيع ذلك في كتابات بعض الأساتذة — الذين صاروا مشايخ ووعَّاظًا — وللكتابة سحرها، خاصة إذا كان الكاتب حاملًا لألقاب علمية لها خطرها. يتصدى الكتاب للظاهرة كاشفًا عن مدى خطورتها في تزييف الوعي العام، وفي تكريس التخلف على جميع الأصعدة. الأخطر من ذلك تحويل المعرفة إلى «كبسولات» تُغني عن الدخول في التفاصيل، استمرارًا لعصر التلخيصات الذي كان إيذانًا بأفول عصر «التقدم» والازدهار في تاريخ المسلمين، إن الكشف النقدي عن الابتذال الفكري واحدة من أهم المهام التي نذر لها صاحب نقد الخطاب الديني حياته، دفاعًا عن الإسلام في نقاوته العلمانية، ودفاعًا عن «العقل» الذي كان الإسلام بداية مرحلة تحريره من قيود الكهنوت والوثنية.

٤

ومن الضروري هنا أن نحاول إزالة كثير من الالتباس في الوعي العربي الإسلامي السائد، الالتباس الذي يُفضي إلى تزييف المفاهيم أولًا، ثم إلى رفضها ثانيًا. مفهوم «العلمانية» من المفاهيم الملتبسة غاية الالتباس، حيث تم وضعها وللأبد في خانة «معاداة الكنيسة» التي تمثل «الدين» فهي من ثَم تعني معاداة «الأديان»، وباختصار تساوي الإلحاد. يُعزَى الفضل للمفكر سيد قطب في خلق هذا الالتباس، حين تحدث عن صراع العلماء ضد الكنيسة في أوروبا في العصور الوسطى تحت يافطة: «الفصام النكِد». ونقول من باب المساجلة ليس إلا، لا لسيد قطب وحده بل لكل معاندي العلمانية باسم الإسلام: إذا كانت الكنيسة وسلطة الكهنوت ظاهرات لا وجود لها في الإسلام — كما تزعمون — فلماذا هذا التعاطف مع الكنيسة ضد العلماء والعلمانيين؟ لكن القضية ليست في التعاطف مع الكنيسة بقدر ما هي في مناهضة العلم والعلمانية.

وهنا نأتي لالتباس آخَر في اشتقاق كلمة «علمانية»: هل هي من العلم أم من العالَم. والأساس الاشتقاقي للكلمة هو من «العالم» وليس من «العلم»، وإن كان هذا لا يعني أن دلالة الكلمة في تطورها التاريخي مفصولة عن دلالة «العلم». إن الاهتمام بالعالم وبشئونه، وبالإنسان بوصفه قلب العالم ومركزه، هو جوهر دعوة «العلمانية». وكان هذا الموقف مناقضًا لموقف الكنيسة الذي يجعل من «الآخرة» ومن «العالم الآخر» الهدف والغاية. الصراع إذن كان بين «الدنيويين» إذا صحَّت الترجمة، و«الأخرويين»، وهذا معناه تركيز الدنيويين على الناسوت/الإنسان دون إهدار اللاهوت/الدين، في حين يركِّز الأخرويون على اللاهوت/الدين مع إهمال الناسوت/الإنسان. لكن السؤال هنا: هل أهملت الكنيسة حقًّا شئون «الدنيا» وعكفت على الانشغال بشئون الآخرة؟ التاريخ — تاريخ الكنيسة — يقول إنها كانت منغمسة في شئون الدنيا لحسابها ولحساب الإقطاع الذي تسانده، في حين تدعو الإنسان/الفن المستغل للبحث عن خلاصه الأخروي في طاعة الكنيسة، أي في طاعة سيده الإقطاعي. وبعبارة أخرى كانت الكنيسة تمارس إنتاج أيديولوجيا القهر والاستغلال في صراع دنيوي لا علاقة له باللاهوت أو بالدين.

وهذا يقودنا إلى الْتِباس ثالث حول الفارق بين المسيحية والإسلام، وهو الْتِباس يروِّج له الإسلاميون استنادًا إلى نص إنجيلي — رغم أنهم جوهريًّا يؤكدون تزييف الإنجيل الأصلي — يقول: «أعطِ ما لقيصر لقيصر وما لله لله»، كما يستندون إلى نص آخر يقول: «إذا ضربك أحد على خدك الأيمن فأدِر له الأيسر». يستنبط بعضهم من أمثال هذه النصوص أن المسيحية في جوهرها ديانة أخروية، أي غير علمانية. ويرون لذلك أن الكنيسة أخطأت حين تخلت عن دورها وانغمست في شئون الدنيا وتدخلت فيها. وأصحاب هذا الاستنتاج يرون أن «العلمانية» كانت بمثابة حركة تصحيح دينية في أوروبا، أي أنهم يخالفون سيد قطب — دون أن يشيروا إلى ذلك — في مسألة «الفصام النكِد» تلك. ومن خلال علاقة التعارض التي يقيمونها بين الإسلام والمسيحية، حين يرون أن الإسلام دين ودنيا أو دين ودولة، يقولون إن العلمانية حالة غربية لا يحتاج إليها الإسلام.

هكذا نتحرَّك إلى الالتباس الرابع الخاص بالتعارض، بل والتضاد، بين الإسلام والمسيحية، على أساس أن المسيحية دين الخلاص الأخروي في حين أن الإسلام لا يفرِّق بين الدنيا والآخرة ولا بين الدين والدولة. وأساس هذا الالتباس يمكن تلمُّسه بصفة عامة في هذا الفصل غير التاريخي بين «الدين»، أي دين في نشأته ومرحلة تأسُّسه، وبين تاريخه الاجتماعي البشري. التجربة التاريخية لكلٍّ من الإسلام والمسيحية في مرحلة النشأة والتأسيس مختلفة: نشأت المسيحية دين أقلية في مجتمع خاضع لسلطة خارجية. لذلك كان من الطبيعي أن تنحو تعاليمه ناحية المُسالَمة والموادعة. لكن ذلك لم يستمرَّ بعد أن تبنَّت الدولةُ المسيحيةَ وجعلت منها دينًا لها، وهنا نشأت الفِرَق والاتجاهات والتفاسير المختلفة. ومعنى ذلك أن الحديث عن مسيحية جوهرية ثابتة خطأ منهجي فادح، والحديث عن الطبيعة الأخروية الثابتة إنتاج لوعي أيديولوجي زائف.

الأمر نفسه ينطبق على الإسلام الذي اجتاز فترتَين حاسمتين في مرحلته التأسيسية: الفترة المكية، حيث كانت التعاليم ترتبط بالعقيدة وبالوعد والوعيد، لكنها تنحو اجتماعيًّا منحى المُسالَمة والموادعة. لم يكُن لمحمد أي سلطة في مكة سوى مساندة قومه بني هاشم له ضد عداء قريش. وفي الفترة المدينية صار الإسلام دولة، وتوحدت السلطتان الزمنية والروحية في يد القائد الروحي والنبي الذي يتلقى الوحي. ونلاحظ هنا أن التعاليم الدينية أخذت منحًى دنيويًّا، وأن ممارسات النبي صارت ممارسات قائد الدولة. هذا التحوُّل، هل هو تحوُّل في بنية الدين ذاته، أم هو تحوُّل تاريخي؟ وماذا لو لم يلقَ النبي تأييد أهل المدينة ومساندتهم؟! لكن السؤال الأخطر: هل هذا التوحُّد التاريخي الذي حدث في المدينة بين السلطتين خاص بشخص النبي أم أنه توحُّد أبدي دائم يجب الحفاظ عليه؟ من الواضح أن الخلاف بين الأنصار وأهل مكة حول مسألة «الحكم» انصبَّ على هذه النقطة، ومن الواضح أنه كان ثمَّة اتجاهان: اتجاه للفصل تَزَّعَمه أهل المدينة، واتجاه للدمج تَزَّعَمه أهل مكة. وتغلَّب اتجاه الدمج، وهذه غلبة تاريخية تفسرها نظرية العصبية عند ابن خلدون، بمعنى أنها غلبة اجتماعية سياسية لا إقرار لمبدأ ديني. هكذا نرى العودة للتاريخ الاجتماعي السياسي لكلٍّ من المسيحية والإسلام تنفي هذا التعارض الذي يضع الأولى في خانة «الآخرة» ويضع الثاني في خانة «الدنيا».

ويقودنا ذلك إلى الالتباس الخامس، وهو التباس خاص بأيديولوجيا الإسلام السياسي الراهنة: إذا كان الإسلام دينًا ودنيا، وإذا كانت العلمانية هي الدنيوية، فلماذا رَفْض العلمانية ومعاداتها؟ في هذا السؤال ينكشف المستور: يُجيب بعضهم إن الإسلام لا يحتاج إلى العلمانية لأنه لا يُعادي العِلم من جهة، ولا يُهمل الدنيا من جهة أخرى، وهذا لا يفسِّر ذلك العداء الشديد للعلمانية الذي يصل إلى حد التحريم. وهنا نصل إلى تعارُض الشعار الإسلاموي (الإسلام دين ودنيا) مع موقف أيديولوجيا الإسلام السياسي من القضايا الدنيوية: السياسية، الاقتصادية الاجتماعية من جهة، والثقافية الفكرية الإبداعية من جهة أخرى. اتجاهات أَسْلَمة العلوم والفنون والآداب، وكذلك المؤسسات والبنى، تُفضي إلى تحكيم المعايير الأخروية/الأخلاقية في الممارسات الدنيوية. وبعبارة أخرى، المطلوب ارتهان الدنيا لمصلحة الدين، أو بالأحرى لمصلحة التأويل السلطوي للدين، وهو ما يؤدِّي إلى نفي الإنسان وإلى نفي العالم. في تاريخ الفكر الإسلامي يجب الفحص فيما إذا كان الفكر يوجِّه حركة الإنسان ناحية الله (الأشعرية والصوفية) أو فيما إذا كان ينطلق من بنية اللحظة التأسيسية الأولى في الوحي: الله يُخاطب الإنسان بلُغته موجِّهًا له رسالة لتحقيق مصلحته الدنيوية أولًا. وسنجد أن سيادة الاتجاه الأول السلطوي سيادة لها أسباب اجتماعية تاريخية، وليست نابعة من صدق موضوعي يتماهى مع جوهر الدين.

هنا نصل إلى الخلاصة: إذا كان التوحُّد بين السلطة الزمنية والسلطة الروحية حدثًا تاريخيًّا وواقعة اجتماعية، فمعنى ذلك أنها ليست جوهر الإسلام. ويكون النداءُ العلماني الراهن نداءً في معركة اجتماعية يتم فيها ارتهان العالَم والإنسان لمصلحة التأويل السياسي النفعي البراجماتي (السلطوي) للإسلام. ثانيًا: إن واقعة الوحي ذاتها واقعة تاريخية وليست واقعة أزلية ميتافيزيقية، بدليل أن المسلمين اختلفوا في علم الكلام حول «قِدَم الكلام الإلهي أو حدوثه» (قِدَم القرآن وخلقه). وهذا الخلاف يؤكد أن سيطرة مفهوم «القِدم» يجد تفسيره في التاريخ الاجتماعي السياسي، ولا يُعطي للمفهوم صدقًا موضوعيًّا. ومن منظور فلسفي لاهوتي يجب التفريق بين الفعل الإلهي في التاريخ والفعل الإلهي خارج التاريخ. الفعل الإلهي في التاريخ فعل تاريخي خاضع لمنهج التحليل التاريخي، وهذا الوحي والكلام الإلهي والقرآن. إن سعي لغة النص لتحويل اللحظي والتاريخي إلى دائم وأبدي وثابت هو جزء من بنية اللغة بشكل عام، وواحد من أهم آليات اللغة الدينية بشكل خاص. لكن هذا التسامي والتعالي بالدلالات لا ينفي أهمية الفحص التاريخي للدلالات. لذلك نجد أن استناد الخطاب الإسلاموي إلى بعض النصوص لطرح مفاهيمه وأفكاره يحتاج إلى تفكيك لكشف بنية الدلالة واكتشاف تاريخيتها، وهنا تنكشف كل أيديولوجيا التزييف للدين وللدنيا، كما يتبيَّن حجم الفزع الأيديولوجي من النداء العلماني.

بقيت كلمة أخيرة:

إن العلمانية هي الحماية الحقيقية لحرية الدين والعقيدة والفكر وحرية الإبداع، وهي الحماية الحقة للمجتمع المدني ولا قيام له بدونها. إن الذين يتحدَّثون باسم الإسلام عن المجتمع المدني ويرفضون العلمانية يقعون في تناقُض مبدئي، وأقل منهم تناقضًا أولئك الذين ينادون صراحة بالدولة الدينية المؤسسة على «الحاكمية». خطر الخطاب الإسلامي بشقَّيْه (المدني والديني) أنه يحوِّل «الدين» إلى مجرَّد وقود سياسي، وبذلك يحرم المجتمع من الطاقات الروحية والأخلاقية للدين. ومن أجل هذا يلجأ إلى تزييف المفاهيم وعلى رأسها «العلمانية»، حيث ينتقل من مسألة «فصل الدين عن الدولة» إلى تعبير «فصل الدين عن المجتمع»، وهكذا يقوم بعملية خداع دلالي عن طريق هذه النقلة غير الملحوظة غالبًا. العلمانية كما شرحناها في سياقها التاريخي وفي دلالتها الفكرية لا تعادي الدين، ولكن بما أنها تعتمد على مبادئ كلية مهمة فهي التي تحرِّر الإنسان حتى من الاضطهاد الديني. من أهم مبادئ الفكر العلماني أنه لا سلطان على العقل إلا العقل، ونقصد بذلك العقل كفعالية ونشاط باستمرار، وليس العقل بما هو معقولات ثابتة كما يتوهَّم الإسلامويون.

الإسلام في حركته الأساسية يُعد — من جانب آخَر — نفيًا للجاهلية، إلى السلوك الفردي والاجتماعي القائم على الطائفية والعصبية العرقية. وحين يؤكد هذا النفي يؤكِّده بالاحتكام إلى «العقل». وعلينا أن نوسِّع مفهوم «العقل»، لا يعني «القيد» كما هو في التراث الإسلامي لنؤكد مفهوم «الحرية»، وهو مفهوم تأسيس في النصوص الدينية. وإذا أضفنا لمفهوم «العقل» و«الحرية» مفهوم «العدل الاجتماعي» نكون هكذا صُغنا مبادئ ثلاثة يمكن اعتبارها «مقاصد كلية» جديدة للمشروع الإسلامي. وهنا نتجاوز «المقاصد الكلية» التي أنجزها الشاطبي منذ عدة قرون. لكن الأمر يحتاج لقراءة علمانية لا للنصوص وحدها بل للتاريخ الاجتماعي للمسلمين وللواقع الذي تدور المعركة على أرضه. هنا تصبح «العلمانية» مطلبًا ملحًّا لحماية الإسلام ذاته، بدلًا من اللجوء إليه كمجرد ملاذ أو ملجأ أو مهرب.

ربما لا تصل الرسالة إلى الإسلاميين، لكن من المهم أن تصل إلى «العلمانيين» الذين يخضعون للابتزاز الديني في أغلب الأحوال، فيتحاشون استخدام مصطلح «العلمانية» تقيةً وخشيةَ الاتهام بالكفر والإلحاد. لكنهم بهذه التقية يؤكدون بالصمتِ التزييفَ الذي كشفناه، هذا إلى جانب أن تركيزهم على مسألة «المجتمع المدني» دون ذكرٍ للعلمانية يؤدي إلى تزييف مفهوم «المجتمع المدني» ذاته، لأنه لا يمكن أن ينهض إلا على أساس علماني. والأهم من ذلك كله أن تصل الرسالة إلى الجمهور الصامت الحائر بين «الإسلام» و«العلمانية» والمتردد بالصمت الذي يُفضِي صمتُه إلى استمرار الحال على ما هو عليه، لأنه بالصمت يؤيد السلطة أو السلطات القائمة المترددة بدورها، والتي تزايد على كلا الاتجاهَين فتبدو ذات وجهَين، وتؤكِّد تبعيتها في جميع الأحوال.

٥

ينقلنا ذلك إلى «الكهنوت» الذي يدافع عنه الخطاب الديني حين يتهم «أبو زيد» بأنه يهاجم الصحابة والأئمة. لقد صدر كتاب عنوانه: نقض مطاعن نصر أبو زيد في القرآن والسنة والصحابة وأمة المسلمين (المختار الإسلامي للطبع والنشر، القاهرة ١٩٩٣م). وهو كتاب إنْ دلَّ على شيء فإنما يدلُّ على تحوُّل الصحابة والأئمة — في وعي أستاذ جامعي — إلى آلهة لا يجوز المساس بهم بالنقد، حتى لو كان النقد متوجهًا لما يُسمى ﺑ «العقل الجمعي» في فترة تاريخية محدَّدة، ولأن مستوى النقاش في الكتاب لا يترفَّع كثيرًا عن مستوى مواعظ شيوخ المساجد والزوايا وإنْ فاقهم في استخدام مفردات الشتائم التي تصل إلى حد البذاءة، فإننا لن نتوقَّف هنا عند تفاصيل ما ورد فيه. ويكفينا هنا مسألة «الطعن في الصحابة» للاعتبارات الآتية:

  • الاعتبار الأول: أن الطاعن في الصحابة لا يضيره كثيرًا أن يطعن في غيرهم، لأنه «لا يضر الشاة سلخها بعد ذبحها». الصحابة من منظور أمثال صاحب الكتاب ربَّاهم النبي ومدحهم الله سبحانه في كتابه ووصفهم بصفات التقوى والسكينة … إلخ (انظر ص٥٠–٥٤ من الكتاب) فلا يجوز المساس بهم ولا بعصرهم، ولا يجوز أن يخضع مجتمعهم للتحليل بمعايير التحليل الاجتماعي، ولا يجوز النظر إلى صراعاتهم وخلافاتهم بوصفها صراعات وخلافات بشرية: إنها مجرَّد خلافات في الفهم والتأويل والتفسير، ولكلٍّ منها وجه من الحقيقة، وما علينا إلا التسليم بذلك.
  • الاعتبار الثاني: ما تُثيره مسألة «الطعن في الصحابة» من الاتهام الذي شاع وانتشر عن الباحث بأنه «يطعن في القرآن» أو «يشوِّه تاريخه»، وذلك في سياق مناقشتنا لمسألة «الأحرف السبعة»، وقد وصل أمر الاتهام بالطعن في القرآن إلى أن نقلته الصحافة من لغة «المجاز» إلى لغة الحقيقة حين صدَّرت صحيفة «الشعب» — لسان حال حزب العمل (الإسلامي) — تحقيقها بتاريخ ١٣/ ٤/ ١٩٩٣م بكاريكاتير يصوِّر شخصًا مكتوبًا على رأسه «نصر أبو زيد» يمسك خنجرًا يطعن به المصحف فتسيل من المصحف الدماء. وهذا عن يمين الرسم، أما الجانب الأيسر منه فيحتلُّه وجه امرأة محجَّبة ذات ملامح هادئة وضَّاءة، وفي وسط الرسم شخص مزدوج الوجه: وجه بسم ينظر إلى جهة اليمين — نصر أبو زيد والمصحف الذي يسيل منه الدماء — قائلًا «حرية رأي»، والوجه الآخَر عابس متجهِّم ينظر إلى المرأة في اليسار قائلًا: «تطرُّف». مكتوب على الصورة المزدوجة الوجه في منتصف المشهد الكاريكاتوري: «العلمانيون».

لذلك كله يمكننا أن نعتبر أن اتهام «الطعن في القرآن» هو الاتهام المركزي الذي تفرَّعَت منه باقي الاتهامات الخاصة بالطعن في الصحابة والأئمة، وعلى رأسهم الإمام الشافعي بالطبع. ولبيان تزييف المفاهيم وتشويه الأفكار وصولًا إلى هذا الاتهام — الذي بدأه تقرير عبد الصبور شاهين — نتوقَّف أمام أهم الأفكار المطروحة في دراسات الباحث عن القرآن، طبيعته وتاريخه ومنهج دراسته وتحليله. وهناك كتاب كامل عن الموضوع هو مفهوم النص: دراسة في علوم القرآن، صدرت طبعته الأولى عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، وصدرت الثانية عن المركز الثقافي العربي (بيروت، الدار البيضاء)، وطبعته الثالثة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب.

اعتمدت دراستنا في ذلك على ما أطلقنا عليه اسم «الحقائق الإمبريقية» المعروفة جدًّا في «علوم القرآن» من مثل «المكي والمدني» و«أسباب النزول» و«الناسخ والمنسوخ» و«طبيعة الوحي» وأضفنا إليها في الباب الأول «المتلقي الأول للوحي». وقد أوصلتنا تلك الحقائق إلى علاقة وثيقة بين مفهوم الوحي في ثقافة ما قبل الإسلام ومفهوم الوحي في القرآن. واستنبطنا من ذلك أن الوحي ليس ظاهرة مفارقة للواقع التاريخي الاجتماعي الذي نزل فيه القرآن، وأن على الباحث دائمًا أن يضع هذا الواقع التاريخي في اعتباره. وشرحنا بما لا يدع مجالًا للتوهم أن التحليل التاريخي الاجتماعي لظاهرة الوحي لا يتعارض من المصدر الإلهي للوحي. وأكَّدنا أن فهم القرآن بوصفه بناءً لغويًّا ومنتجًا ثقافيًّا لا يعني إنكار جانبه الإلهي إطلاقًا. وفي الباب الثاني من الدراسة تناولنا علوم «المناسبة بين الآيات والسور» و«الخاص والعام» و«الإعجاز» و«الوضوح والغموض» و«التفسير والتأويل». كانت تلك العلوم كاشفة عن تأثير النص القرآني في تشكيل ثقافة ما بعد الإسلام. وقلنا إن النص المنتَج (بفتح التاء) مع ظاهرة الوحي تحول — في سياق التاريخ الاجتماعي — إلى نص منتِج (بكسر التاء). وقلنا إن علوم الثقافة العربية — بما فيها الفلسفة والشروح على الفلسفة اليونانية — لم تخلُ من تأثُّر بهذا النص الذي صار هو «المعيار» في تاريخ الثقافة.

في «الباب الثالث» ناقشنا «التحوُّل» الذي أصاب مفهوم النص — نكرِّر مفهوم النص لا النص ذاته — في الثقافة مع تطوُّر الفكر في إطار تاريخ المجتمع العربي. وحللنا في هذا السياق أطروحات الإمام الغزالي كاشفين عن أبعادها الاجتماعية والسياسية ودلالتها الأيديولوجية، وهي الأطروحات التي صارت مهيمنة في مجال الفكر الديني، وهي التي يعتمد عليها الخطاب الديني المعاصر في مجمله.

كان من الطبيعي أن يُثير الكتابُ كثيرًا من التساؤلات، لكنها كانت تُطرح جميعًا في الندوات وقاعات الدرس. وكانت تدور كلها حول «الخشية» من منهج التحليل اللغوي لِما يمكن أن يؤدي إليه من مَسَاس بقداسة النص. لكن العجيب والغريب أن أحدًا من أقطاب الخطاب الديني لم يكتب عن الكتاب ولم يناقش أطروحاته، وذلك باستثناء أستاذ أزهري كتب مقالًا في مجلة الأزهر (سبتمبر ١٩٩١م) عن «دراسة القرآن على الطريقة اليسارية» وهو مقال لا قيمة له؛ لأنه لم يناقش شيئًا. وكتب الشيخ عبد الجليل شلبي سلسلة مقالات في جريدة الجمهورية لم تتناول من الكتاب إلا الفصل الأول، ثم تناولت بالهجوم والتجريح محمد أحمد خلف الله صاحب رسالة «الفن القصصي في القرآن» التي أثارت ضجة شبيهة في الجامعة وخارجها عام ١٩٤٨م، والأستاذ الذي كان مشرفًا على الرسالة الشيخ أمين الخولي (جريدة الجمهورية ٢٦، ٢٧، ٢٨، ٢٩ مايو ١٩٩١م).

ومن الطريف أن الشيخ عبد الصبور شاهين زعم، في سياق الضجة الإعلامية حول تقريره المشبوه، أنه تدخَّل لحماية هذا الكتاب «مفهوم النص» وصاحبه من الأزهر، حيث وجد هذا الكتاب في مجمع البحوث الإسلامية مكتوبًا عليه كلمة «كافر». زعم الشيخ أنه عارض الأزهر ومسئوليه في موقفهم من هذا الكتاب (روز اليوسف، ٥/٤/١٩٩٣م، ص٥٥). ولا نريد أن نكذِّب الشيخ لأنه هو نفسه يكذِّب نفسه حين يُدلي في التصريح نفسه أن قضية «أبو زيد»: «لو تحوَّلت إلى النائب العام فربما يُصبح مستقبله (…) مهددًا بالضياع (…) لقد أرضيت ضميري العلمي بالتقرير الذي كتبته ولست مستعدًّا لقبول السقوط والانحراف في الفكر.» وهذه أقوال متناقضة، فأغلب الظن أن الشيخ عبد الصبور شاهين — إنٍ لم يكُن كاذبًا في مسألة موقف الأزهر من مفهوم النص — أراد بتقريره أن يقدِّم للأزهر مبررات إضافية للتكفير وبأثر رجعي، لكن الدليل على كذب الشيخ إعلان الأزهر على لسان مدير إعلام مكتب شيخ الأزهر — محمود الحنفي — ردًّا على ما نشر في جريدة عقيدتي (٢٧/٤) عن قيام الأزهر برفع دعوى للتفريق بيني وبين زوجتي، وعن اجتماع مجلس مجمع البحوث الإسلامية برئاسة الإمام الأكبر الشيخ جاد الحق علي جاد الحق لبحث قضية (…) والآثار التي ترتَّبَت عليها من هجوم قادة العلمانية على الفكر الإسلامي ودراسة التقارير التي وردت حول الموضوع: أعلن الأزهر (روز اليوسف ٣ مايو ١٩٩٣م، ص٣) أن لا علاقة للأزهر بما نُشر في صحيفة «عقيدتي»، وأضاف المتحدث الإعلامي: «إن الأزهر يضم لجنتَين فقط: اللجنة العليا للدعوة، ولجنة الوعظ والإرشاد، ولم تتم إثارة «قضية أبو زيد» في أيٍّ منهما.»

وبصرف النظر عن أكاذيب عبد الصبور، فإن دفاعه المزعوم عن مفهوم النص — إن صحَّ — لم يشفع لمؤلفه في أن يحظى إنتاجه العلمي بالقراءة الموضوعية نفسها غير المتربصة. وأغلب الظن أن «التربص» كان قائمًا منذ صدور مفهوم النص، وما أحدثه من أثر إيجابي فيما كتب تقريظًا له، وهو كثير. وكان عبد الصبور شاهين في انتظار الفرصة لكي ينقضَّ على خطاب «أبو زيد» النقدي. ومن هنا فقد أثار مسألة العدوان على قداسة النص والطعن فيه من زاوية أخرى لا بد من شرحها قبل إيراد اتهامات شاهين في تقريره المُغرِض، والذي تولَّدَت عنه — بآليات النقل والإتباع — كل الاتهامات التي تتصدَّر مانشيتات بعض الصحف.

في أكثر من بحث تعرَّضنا لمسألة التخوُّف على قداسة النص القرآني من دراسته وفق مناهج التحليل اللغوي المعاصر وأدواته. وكان استدلالنا لتبديد تلك المخاوف يعتمد على الطبيعة المزدوجة للنص، تلك الطبيعة التي تجمع بين الإلهي والبشري. الله سبحانه وتعالى هو المتكلم، لكن اللغة التي أوحى بها كلامه هي اللغة العربية (لسان القوم الذين نزل فيهم الوحي). وشرحنا أن الوقوف عند جانب «المتكلم» ينفي — أو يكاد — صفة «الرسالة» عن القرآن، وهي صفة متواترة. والرسالة تعني الاهتمام بالمخاطَب (بفتح الطاء)، هذا من جهة، ومن جهة أخرى لا يمكن تجاهُل «بشرية» اللغة، لأنها ظاهرة اجتماعية. وحتى إذا كنا من الذين يتصوَّرُون أن الأصل في اللغة تعليم الله سبحانه وتعالى لآدم الأسماء كلها — بحسب ما ورد في سورة البقرة وبناءً على فهمه فهمًا حرفيًّا — فإن ظاهرة «تعدُّد اللغات» واختلافها تؤكد أن البشر قد أبدعوا عن هذه اللغة الأصلية — التي لا نعرف كُنهها ولا طبيعتها — لغاتهم البشرية. ومعنى ذلك أن الجانب البشري في الوحي، سواء من جهة المتلقي الأول وهو النبي أو من جهة اللغة، هو الذي يجب أن يحتل اهتمامنا.

ولكي نزيد القضية وضوحًا وبروزًا جاء الحديث عن طبيعة السيد المسيح، وقلنا إن معجزة ميلاده لا تنفي بشريته، وكونه بشرًا من لحم ودم لا ينفي المعجزة الإلهية لهذا الميلاد، وهنا عقدنا المقارنة بين القرآن والمسيح من حيث إن كليهما «كلمة الله»، الأولى أُوحِيَت إلى محمد ليبلِّغها إلى قومه، والثانية أُلقِيَت إلى مريم. وهي مقارنة تهدف إلى كشف تهافُت منطق الذين يقفون فقط عند الجانب الإلهي من القرآن، ويدافعون عنه في مواجهة خطر مزعوم. إن سعي الباحث لإنتاج وعي علمي بالدين وتفسير عقلاني للنصوص يدخل التاريخ ومصالح البشر عنصرًا جوهريًّا فيه هو الخطر الذي يحسه الخطاب الديني. ولعلَّ هذا الخلاف — إلى حد التكفير — يستدعي إلى الأذهان معركة الخلاف حول «قِدم القرآن وحدوثه» مع الفارق بين الصيغتَين وبين المعركتين بالطبع. وهذا الخلاف الأخير تعرض له الباحث بالتحليل والتفسير في أكثر من بحث من بحوثه.

أصحاب مقولة «القِدم» يقفون عن الإلهي، ويتصوَّرون للقرآن وجودًا أزليًّا في اللوح المحفوظ خارج التاريخ، أي إن للقرآن وجودًا خارج مصالح البشر وخارج قوانين علاقاتهم الاجتماعية. ومثل هذا التصوُّر ينتج «الكهنوت» بكل تفاصيله وظلاله الكنسية في العصور الوسطى. لكن ذلك لم يمنع الباحث في أكثر من سياق من نقد أصحاب مقولة «خلق» القرآن وحدوثه، لما قاموا به — حين ناصرهم الخليفة المأمون — من اضطهاد لخصومهم، الأمر الذي حوَّل الخلاف الفكري إلى نزاع سياسي تحسمه السلطة (مجلة القاهرة، أكتوبر، ١٩٩٢م).

الخلاف إذَن خلاف تصورات وليس خلاف عقيدة، وهناك فارق يعرفه الباحثون جميعًا بين «الظاهرة» في ذاتها، و«التصور» الذي ينتجه الناس في عصر معيَّن من الظاهرة. والعلوم الإنسانية — التي ينتمي إليها تحليل الخطاب — تدرس «التصوُّرات» وتحلِّل مفاهيم الناس. من هنا حين يسعى الباحث إلى إبراز البُعد البشري لظاهرة الوحي — والقرآن من ثَمَّ — فإنه لا يريد إلغاء البُعد الإلهي. إنه يسعى لتأصيل وعي كلِّي للظاهرة نقيضًا للوعي الجزئي المؤدي إلى خلق «الكهنوت» الذي يحتكر حق التأويل ويرفض الاختلاف، بل ويسعى لامتلاك الحقيقة الدينية، ومن ورائها الاجتماعية والسياسية والثقافية والفكرية. في هذا السياق وقعت المقارنة بين القرآن والمسيح وبين محمد والسيدة العذراء. ويمكن أن نضيف هنا كثيرًا من الأدلة الخطابية التي يمكن لأصحاب الخطاب الديني أن يفهموها: هل آدم الذي خلقه الله بيدَيه ونفخ فيه من روحه — طبقًا لما جاء في القرآن — بشر أم إله؟! هو بشر بالقطع رغم مصدره الإلهي، فلماذا إذا قلنا إن للقرآن من حيث لغته — التي هي اجتماعية بشرية — جانبًا بشريًّا هو الذي يعنينا في الدراسة ويمهِّد لنا مناهج الفهم، لماذا إذا قلنا ذلك صِرنا كفارًا ملاحدة طاعنين في القرآن والعقيدة؟!

يقول عبد الصبور شاهين في تقريره المشبوه تعليقًا على مقالة «الكشف عن أقنعة الإرهاب» بالحرف الواحد، ولاحظ الإحساس الطاغي بامتلاك الحقيقة في الحُكم على الأفكار: «والباحث في هذا المقال يكشف أيضًا عن خَلل في الاعتقاد؛ إذ يرى أن الإلهي إذا تجلى في اللغة يكاد يكون بشريًّا، وأن الإلهي تجلى في القرآن (التنزيل) كما تجلى في المسيحية في صورة المسيح البشر، ابن الإنسان، وهذا كفر صريح (ثم شطب العبارة الأخيرة واستُبدِلَت بها للتخفيف عبارة: وهذا تصوُّر غريب ومرفوض).» ويواصل التقرير «ففي رأيه (يقصد الباحث) أن هناك جدلية الإله/الإنساني، وهي صيغة من التلازم بين الطرفَين لكلٍّ منهما أثر في الآخر، وهل هناك إهانة للعقيدة أشنَع من هذا؟» ويعود عبد الصبور شاهين في تعليقه على دراسة «إهدار السياق في تأويله الخطاب الديني» ليكرِّر الاتهامات نفسها مضيفًا إليها تزييف الأفكار، والكذب على لسان الباحث بأقوال لم تَرِد. ومن الجدير بالذكر أن البحث يقدِّم تحليلًا في قسمه الأول لمستويات السياق التي يجب الاهتمام بها ومراعاتها في فهم النص القرآني. هذا التحليل يتجاهله التقرير تجاهلًا تامًّا، قافزًا بشكل مباشر إلى النتائج التي يرفضها، عارضًا لها بشكل مُشوَّه مبتذل، بل وخائن لأبسَط قواعد الأمانة العلمية. يقول عبد الصبور شاهين ناقلًا:

«يتم في تأويلات الخطاب الديني للنصوص الدينية إغفال مستوى أو أكثر من مستويات السياق التي ناقشناها في القسم الأول. وفي كثير من الأحيان يتم إغفال كل المستويات لحساب الحديث عن نص يفارق النصوص الإنسانية من كل وجه. إن التصوُّرات الأسطورية المرتبطة بوجود أزلي قديم للنص القرآني في اللوح المحفوظ باللغة العربية ما تزال (كذا) تصورات حية في ثقافتنا.» ثم يواصل عبد الصبور شاهين معلقًا ومصدرًا أحكامه التي لا تقبل الرد: «وهذا الكلام الغريب ناشئ عن المقولة التي يؤمن بها وهي «أن القرآن منذ أن نزل على محمد أصبح وجودًا بشريًّا منفصلًا عن الوجود الإلهي»، فإعجاز القرآن بهذا المعنى أسطورة، وكونه كلام الله أسطورة وانتماؤه للمصدر الغيبي أسطورة، فهو (الباحث) يتحدَّث بحسم عن أسطورة وجود القرآن في عالَم الغيب إنكارًا لما لا يقع تحت الحس، وعالَم الغيب لا يصلح «موضوعًا» للفكر، بل هو موضوع للاعتقاد فقط، فضلًا عن استخدام كلمة «أسطورة» في وصف وجود القرآن، وهو تعبير لا يليق، إن لم يكُن تجاوزًا قبيحًا» أ. ﻫ.

لن نتوقف طويلًا عند الأستاذ الجامعي (عضو اللجنة العلمية الدائمة للأساتذة) الذي لم يقرأ من دراسة مطوَّلة سوى هذه السطور التي تمثِّل واحدة من نتائج التحليل الموجودة في القسم الأول. أقصد بالطبع «القراءة» بمعناها الحقيقي لا مجرَّد التلاوة. ولنا على تلك الأحكام مجموعة من الملاحظات التي تكشف عن خطاب شاهين المتربص. الملاحظة الأولى البارزة: تصوُّر الشيخ امتلاكه للحقيقة، لأن وجود القرآن في اللوح المحفوظ منذ الأزل باللغة العربية مجرد «تصور» وليس حقيقة يمكن التأكد منها. إنه «تصور» — ضمن «تصورات أخرى» — لعالم الغيب الذي لا يصلح كما قال بحق موضوعًا للفكر. لماذا إذَن يجعل الشيخ من «تصوُّره» — وهو تصوُّر كثير من أصحاب نظرية «القِدم» — الحقيقة الثابتة في عالم الغيب؟! هل اطَّلع الشيخ وأسلافه الأشاعرة على ذلك «الغيب»؟! أم هو الإرهاص؟! إن قول الله تعالى عن القرآن: بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ لا يعني بالضرورة المعنى الحرفي للوح، فثمَّة إمكانية أكثر توافقًا مع المنهج العقلي للإسلام للتأويل المجازي للَّوح وللكرسي وللعرش … إلخ. والخلاف حول ذلك يا مولانا ليس خلافًا في «العقيدة»، بل هو خلاف «تصوُّرات». مَن الذي منحَ «تصوُّرك» صفة الحقيقة المطلقة؟ إنه الاستناد إلى سلطة السلف والتراث، الآلية التي حلَّلناها في نقد الخطاب الديني.

الملاحظة الثانية: استنتاجك أن إعجاز القرآن أسطورة وكونه كلام الله أسطورة مغالطة، بل تزييف وخيانة لأبسَط قواعد الأمانة. الحديث كان عن «أسطورة» تصور الوجود الأزلي في اللوح المحفوظ. وبقية «التصور» الذي لا يعلمه الشيخ: أن القرآن مكتوب في اللوح المحفوظ باللغة العربية، كل حرف من كلماته في حجم جبل يُسمَّى جبل «قاف». هل يدري الشيخ ما هو جبل «قاف» هذا؟! هو جبل أسطوري يحيط بالأرض من كل جهة، أسهب المتصوفة في الحديث عنه وربما نبع تصوره من تحليل الصورة الكتابية للحرف «ق» الذي تقع على طرفه الأيمن دائرة، تصور المتصوفة — والحروفيون منهم بصفة خاصة — أنها دائرة الأرض. هل أحيل الشيخ إلى قراءة كتابي: فلسفة التأويل، خاصة ما كتب عن تأويل الحروف؟! لقد كان الكتاب ضمن الإنتاج المقدَّم ليفحص العضو المحترم ما إذا كان هناك استغلال لبعض الأفكار أو الأطروحات أم لا. هل فعل الشيخ ذلك؟ كلا، بل اكتفى بتوزيع الاتهامات والأحكام القطعية بالكفر … إلخ.

الملاحظة الثالثة: الأحكام الصريحة مثل «خلل الاعتقاد» و«الكفر الصريح» و«إهانة العقيدة» أحكام تُفضي إلى ما أفضَت إليه من نتائج، لكن الأهم من ذلك أنها تؤكد ما سبق شرحه في نقد الخطاب الديني من محايثة مقولة «التكفير» لبنية الخطاب الديني. وفي سياق هذه الملاحظة يعيب التقرير على الباحث نقده لخطاب سيد قطب في الكتاب المشار إليه لأنه يصم كل المخالفين بالكفر. هنا يثور عبد الصبور شاهين لأنه يرى أن وصف المخالفين في العقيدة بالكفر جزء من عقيدة الإسلام. وهذا التصوُّر يوافق عبد الصبور شاهين فيه كثيرون، وقد دافعَ المدافعون عن تقرير عبد الصبور شاهين على أساس أن «التكفير» منهج إسلامي قرآني. يقول عبد الصبور شاهين في تقريره:

«وقد تتبَّع الباحث فكر سيد قطب حتى فيما أثبتته نصوص القرآن، فهو يستنكر أن يوصف المخالفون للإيمان بالكفر، وكأنه اعتراض على القرآن ذاته الذي جاء فيه في سورة البينة لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ كما جاءت آيات كثير في وصف المخالفين للإسلام بالكفر.»

ونلاحظ هنا أن كاتب التقرير يخلط بين «الخطاب القرآني» والخطاب الديني، فاتهامات الكفر يوزِّعها الخطاب الديني على الأعيان والأشخاص — كما هو الحال في التقرير — في حين أن الخطاب القرآني يحكم على أوصاف وتصورات وعقائد دون تحديد أو تخصيص.

ولا نريد أن نلفت انتباه صاحب التقرير — أستاذ اللغويات أو رئيس قسم اللغويات — إلى أن كلمة «كفر» تُستخدَم بدلالات متدرِّجة ومتفاوتة في الخطاب القرآني، بدءًا من المستوى اللغوي — الذي يعني الستر والتغطية — إلى المستوى الاصطلاحي. والخطاب القرآني في النهاية — كما يعلم الشيخ — لا يستدل به بمثل هذه البساطة والخفة، التي يعيبها أمثاله — شاشات التلفاز في المناسبات العصيبة — على شباب الجماعات الإسلامية. وهذا يقودنا إلى ملاحظة رابعة وأخيرة هي أن أستاذ اللغويات — أو رئيس قسمها — لم ينتبه أو يشير — ولو من باب النقد والاعتراض — إلى أيٍّ من أدوات التحليل المستخدمة في الأبحاث وهي كثيرة. ويعني ذلك أن «الخيانة» العلمية التي يقترفها التقرير تبدأ من التزوير لتنتهي إلى الابتذال فالتضحية بالعلم من أجل الوعظ. السبب معروف، فلا يمكن مقارنة ما يدره الوعظ للشيخ من أرباح بما يمكن أن يدره العلم. ولم يخجل الشيخ أن يقول لطلابه ذلك في إحدى محاضراته: لو كنت أعرف أن كل هذه الضجة ستحدث؟ كل هذه الضجة ومكافأتي على قراءة الإنتاج — كل هذا الإنتاج — خمسة وأربعون جنيهًا فقط!

٦

يتضاءل إلى جانب اتهام «الطعن في القرآن» مسألة «الطعن في الصحابة»، فالصحابة من منظور الخطاب العلمي بشر يخطئون ويصيبون. لقد اختلفوا إلى حد التقاتل بالسيف كما هو معروف، فكان طلحة والزبير والسيدة عائشة في جانب مناهض لعلي بن أبي طالب. وقبل ذلك اختلف كلٌّ من أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب حول السياسة الاقتصادية، أي حول توزيع الثروة، فكان اجتهاد أبي بكر التوزيع بالتساوي وعدم منح السابقة في الإسلام أي ميزة على أساس أنها ميزة دينية يكون الثواب عليها أخرويًّا. وكان رأي عمر بن الخطاب أنه لا يصح التسوية بين مَن تحمَّل العنت وكافح من أجل الإسلام قبل الهجرة، ومَن آمن بعد الفتح. هذا الخلاف أفضى إلى نتائج في السياسات انعكس أثرها على الأوضاع. حين يتصدى البحث العلمي بالتحليل للعوامل التي كانت تؤثِّر في هذه الخلافات: هل يخرجه ذلك من دائرة الإسلام؟ هذا ما يحاول الخطاب الديني أن يصوره.

الخلاف في السقيفة عشية وفاة النبي بين المهاجرين والأنصار، ألم تكُن للعصبية — التي حاول الإسلام القضاء عليها — دخلٌ فيها؟ كيف نقرأ التاريخ إذَن؟ نقرؤه وندرسه أم نغمض العين فلا نتعلم؟ أليس التاريخ هو خبرة الماضي التي يؤدي الوعي بها إلى حُسن التخطيط للمستقبل؟! كل تلك أسئلة يتجاهل الخطاب الديني ما تتضمَّنه من إمكانيات لفتح باب المعرفة والوعي. يتجاهل ذلك لحساب «التسبيح» بالماضي وإضفاء هالة من القداسة حول الأشخاص، وهذا هو «الكهنوت» الذي يكرِّسه الخطاب الديني، ويزعم لنا أن لا كهنوت في الإسلام. مرَّة أخرى نعود لمناقشة عبد الصبور شاهين لمقالة الكشف عن أقنعة الإرهاب، حيث يتنكَّر بشكل سافر لمسألة «الأحرف السبعة» التي ذكرتها كل المصادر، والتي اختلف العلماء في تحديد المقصود بها، وهي ظاهرة تتعلَّق باختلافات في قراءة القرآن وصلت ببعضهم — ومنهم عمر بن الخطاب في إحدى المرويات — إلى تخوم التشكيك في صحة قراءة القارئ الذي استمعَ إليه. ومن الغريب أن عبد الصبور شاهين — قبل أن يتحوَّل إلى واعظ متكسب — درس هذه القضية في أطروحته للدكتوراه التي نشرها بعنوان «تاريخ القرآن» وصدرت عن دار القلم بالقاهرة ١٩٦٦م، أي منذ ربع قرن من الزمان. في هذا الكتاب يقول عبد الصبور شاهين:

«فالذي نرجحه في معنى الأحرف السبعة ما يشمل اختلاف اللهجات وتباين مستويات الأداء الناشئة عن اختلاف السن، وتفاوت التعليم، وكذلك ما يشمل اختلاف بعض الألفاظ وترتيب الجمل لما لا يتغير به المعنى المراد» (ص٤٣).

ثم يعود في (ص٧٧) ليطلق عليها مصطلح «القراءة بالمعنى» ويرى أنها نتيجة طبيعية لإباحة قراءة القرآن بسبعة أحرف، ويتساءل هل كل هذه القراءات مصدرها النبي ؟ أي هل هي قراءات بالسماع تندرج في مفهوم «السنة»؟ ويجيب عن هذا السؤال قائلًا (ص٤٤): «ليس من حقنا، ولا في مقدورنا أن نُعطي عن ذلك إجابة محدَّدة. ولكن الذي يعين سياق الأحاديث على القول به، أن بعضها كان إقرارًا منه ، وبعضها الآخَر كان إقرارًا لمَن أقرأه، أو استمع إلى قراءته، ولم يستطع أن يأتي بحروف النبي على وجه الدقة، لاختلاف اللهجة، وتفاوت القدرة.»

هذا هو عبد الصبور شاهين عام ١٩٦٦م، يدرك أن «الأحرف السبعة» هي اختلاف لهجات وقدرات، وأنها ليست قراءات مسموعة من النبي، بل ويقول إنها من روح التيسير الذي تميَّز به الإسلام. هل زعم أحدٌ أن عبد الصبور شاهين يتحدث عن قرآنات كثيرة؟ لكن عبد الصبور شاهين — الواعظ وخطيب جامع عمرو بن العاص بالقاهرة — يُنكر الحقائق العلمية التي يَعلمُها، وينفر من محاولة تحليل دلالة الأحرف السبعة، ومن محاولة الكشف عن الأسباب التي أدَّت إلى إلغاء التيسير والرخصة بتثبيت القراءة على قراءة قريش. الفارق بين الباحث وعبد الصبور شاهين أن الباحث يحاول تفسير الظاهرة التي قضت على تعدُّدية القراءة. وقد يكون التفسير الذي يطرحه الباحث غير مقبول من عبد الصبور شاهين، فيدخل في دائرة الخلاف الفكري. لكن أن يتنكَّر عبد الصبور للحقائق ويتجاهل ما سبق له أن درسه فهذا هو التزييف والخلط، بل والخيانة العلمية. يرى الباحث — وهذا اجتهاده — أن المشروع الإسلامي — كما يُعبَّر عنه في القرآن وفي مسلك النبي — مشروع عربي إنساني، من هذه الزاوية فهو مشروع مضاد للعصبية التي أطلق عليها اسم «جاهلية» بالمعنى الذي شرحناه في نقد الخطاب الديني. هذا المشروع تحوَّل في المدينة إلى «دولة» وجمع الرسول بين الزعامتَين الدينية والسياسية، وبعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى حدث الخلاف. وكان هناك إصرار من جانب قريش على استمرار الزعامة السياسية فيها، لكن ذلك كان يستدعي الحرص على الزعامة الدينية كذلك.

ويمكن تحليل الصراعات التي حدثت بعد ذلك في ضوء هذه الحقيقة، فهناك صراعات بين بطون قريش — بني هاشم وبني أمية — وهناك صراعات ضد قريش، والخوارج خير مثال لها، وكان قبول الخوارج للتحكيم توقُّعًا منهم لإمكانية إخراج الأمر من «مضر» كما ورد في كتاب صفين لنصر بن مزاحم أن بعضهم كان يصيح: «حتى لا يحكمنا مُضَري إلى قيام الساعة.» كان انتقال السلطة إلى عثمان بن عفان إيذانًا بانتقالها إلى البيت الأموي، الأمر الذي أجَّجَ الصراع. قد يكون هذا التحليل صائبًا، وقد يكون مخطئًا، لكنه لا يفسِّر التاريخ على أساس أنه «مؤامرة» كما تقوَّل عبد الصبور شاهين على الباحث. في سياق هذا الصراع يمكن تقديم تفسير للإصرار على الحرف القرشي، أو قراءة قريش، في تسجيل القرآن، وكل قارئ لكتاب المصاحف للسجستاني يدرك أن بعض الصحابة لم يعجبهم ذلك، ولم يقُل أحد إنهم كانوا معادين للإسلام، لا نريد أن نطيل في قضية لم يكُن يصح لعبد الصبور شاهين أن يتناولها بمثل ذلك الابتذال العلمي.

ماذا يقول عبد الصبور شاهين (١٩٩٣م) عن القضايا السابقة بعد أن يورد ما قاله الباحث عن تعدُّد القراءة في عصر النبوة وعن تثبيتها في عصر عثمان: «وهذا كلام خطير لا يمكن قبوله إلا في مجال معيَّن من الانتماء الأيديولوجي الذي يعمد إلى تشويه تاريخ القرآن نتيجة عدم فهم العلاقة بين القرآن والقراءات. بل وقصدًا إلى التشويه، كأن المسلمين عرفوا في عهد النبوة «قرآنات» كثيرة فوحَّدتها خيانة عثمان في قرآن واحد.» هل تحدث أحد عن «خيانة عثمان» أم المسألة تحليل لاتجاهات عصر واختلافات قوى وصراعات اجتماعية وسياسية طبيعية في المجتمعات البشرية؟ وغنيٌّ عن البيان أن وعي الفرد أو نيته — في التحليل الاجتماعي — ليس هو بؤرة الاهتمام، فللتاريخ قوانينه، وللمجتمعات آلياتها في التطور، بصرف النظر عن «نوايا» الأفراد وضمائرهم. لكن عبد الصبور شاهين يصرُّ على استخدام مفردات «التآمر» فيتقوَّل على لسان الباحث: «إن أبا بكر كان يحكم باسم القبيلة، وكذلك باقي الخلفاء الراشدين من سلسلة التآمُر. وقد ذهب — ويقصد الباحث — إلى أن عثمان كان يعمل لحساب قريش حين قضى على تعدُّدية النص التي تمثَّلَت في السماح بقراءاته وفقًا للهجات العربية المختلفة، فألغى كل القراءات لحساب القراءة القريشية، وهو كذب وجهل وافتراء، «أما الكذب والجهل» فلأن القراءة لم تكُن باللهجة، بل هي بالرواية، والقراءة سُنة متبعة، وأما الافتراء فهو القول بأن عثمان كان يعمل بنزعة قبلية استثمارًا لمؤامرة السقيفة واستمرارًا لطغيان قريش.» أ. ﻫ.

ها هو شاهين ١٩٩٣م يتنكَّر لشاهين ١٩٦٦م، فينكر أن الأحرف السبعة اختلاف لهجات، ويقرِّر في ثقة يُحسد عليها أنها «سُنة متبعة» وهو ما تردَّد في قبوله سنة ١٩٦٦م، مَن الكاذب ومَن الجاهل؟ «مَن المفتري» ومَن تحدَّث عن تآمُر ومؤامرات، إلا عبد الصبور شاهين. لكن عجائب عبد الصبور شاهين الواعظ ١٩٩٣م لا تنتهي فيعود ليكرِّر ذلك في تقريره مرَّة ثالثة، حيث يقول «ثم نجده (الباحث) يخوض مرَّة أخرى في موقف الإسلام من القبيلة، فيرى أن الإسلام لم يَنفِها، بل احتفظ لها بأهم خصائصها الثقافية مُمثَّلة في اللهجة الخاصة إلى درجة السماح بتعدُّد قراءات النص الديني — القرآن — وفقًا للسان كل قبيلة، وذلك ما عُرف بالأحرف السبعة، وهو رأي مردود على صاحبه، لا يُقبَل منه إطلاقًا، ولأنه يمثِّل إساءة إلى القرآن ذاته، عن جهل فاضح لم يكلِّف نفسه عناء البحث عن الحقيقة في مظانها.»

٧

هذا الكم من المغالطة والخلط الذي مارسه عبد الصبور شاهين ضد نقد الخطاب الديني اعتمد على قراءة عدَّة صفحات من الكتاب، أي من الفصل الأول تحديدًا علاوةً على المقدمة. ولم يتعرَّض أستاذ اللغويات ورئيس قسم الدراسات اللغوية بكلية دار العلوم بالتحليل أو النقد للمنهجية المستخدمة في الكتاب للكشف عن «آليات» الخطاب الديني، أو في تحليل «منطلقاته». كل ذلك غائب تمامًا رغم أنه موضوع الفصل الأول من الكتاب.

من العبث بعد ذلك كله أن نسأل عبد الصبور شاهين عن عرضه وتحليله ونقده للفصلَين الثاني والثالث من الكتاب. لم يرَ الرجل الفصلَين المذكورين فضلًا عن أن يقرأهما، لأن غمامة «العداء» والرغبة العارمة في «القتل» و«الاغتيال» حوَّلَت عضو لجنة الترقيات إلى ما يُشبه الكائن الهائج الذي يضرب برأسه في كل اتجاه. ومن شأن مثل ذلك الهياج أن يصيب صاحبه بالعمل الأكاديمي. والأعجب من ذلك ما حدث في اجتماع اللجنة التي تبنَّت هذه المغالطات لتعبِّر عن رأيها الجماعي. ويزداد العجب ليصل إلى درجة الذهول حين تقف الإدارة الجامعية — مُمثَّلة برئيس الجامعة آنذاك الدكتور مأمون سلامة ونائبه آنذاك أيضًا محمد الجوهري — وراء هذا «الهراء» ضاربة عرض الحائط بتقريرَي مجلس قسم اللغة العربية ومجلس كلية الآداب.

الفارق بين تقرير عبد الصبور شاهين وتقرير محمود علي مكي يجسِّد الفارق بين «الواعظ» و«الأستاذ». الأول لا يقبل الاختلاف لأنه يتصوَّر امتلاكه للحقيقة بحُكم الأقدمية وبحكم الزي والسمت والهيئة والمنصب، بينما يقف الثاني هادئًا راسخًا شامخًا يقدِّر كل جهد ويختلف اختلاف الأنداد، ولا ينقص من قدره أن يلمس نبوغ التلميذ وتفوقه. «الواعظ» يسوءُه أن يتفوَّق عليه أحد لأنه يتصور ذلك نزاعًا على السيادة، بينما يغمر «الأستاذ» السرور والبهجة لأنه ينشغل بتقدُّم المعرفة لا بنمو حسابه — أو حساباته — في البنوك.

وعبد الصبور شاهين هجر «الأستاذية»، أو لنقُل بالأحرى إن الأستاذية هجرته، حين اختار أن يكون وكيلًا «للريان»، أي حين اختار أن يكون طالب «مال» متوهمًا أنه قد نال كفايته من «العلم». توهَّمَ أنه شبع من «العلم» فانشغل بجمع المال مع أنهما شأنان متعارضان. كانت هذه النقلة علامة تحوُّل «الأستاذ» إلى «واعظ». وليته كان واعظًا حقًّا يدعو الناس إلى قيم الحق والخير والخُلق القويم، بدل أن يتحوَّل إلى «واعظ» بالأجر ومُفتٍ تحت الطلب. هكذا يخسر الإنسان — ناهيك بالأستاذ — نفسه، حتى لو كسب العالَم كله، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

ينزعج عبد الصبور شاهين انزعاجًا لافتًا من «النقد»، ويرى أن «النقد» سِمة مَعيبة، وينعى على الكتاب في فصله الأول نقد الأزهر والدولة، ويكاد عبد الصبور شاهين يستعدي الدولة ومؤسسة الأزهر على الباحث حين يصف المؤلف بأنه يتحدَّث بنغمة «حادة». ورغم أن نقد الدولة ومؤسساتها جزء من مهمة المواطن، ناهيك بالأستاذ الجامعي — وعبد الصبور شاهين نفسه لا يكفُّ عن مهاجمة كثير من مؤسسات الدولة في خطبه بمسجد عمرو بن العاص — فإن هذا العداء للنقد من جانبه ينصبُّ على نقد الخطاب الديني في المحل الأول.

وهذا ما يفسِّر نفور عبد الصبور شاهين من نقد الباحث لفكر «سيد قطب» الذي يتصوَّره عبد الصبور شاهين فوق النقد. إن فهم «الواعظ» للنقد كما هو واضح فَهْم مُبتسَر ومختل، إنه يخلط بين «النقد» و«النقض»، في حين أن الأول لا يعني ما يعنيه الثاني من «هدم». وهنا نلاحظ أن فهم عبد الصبور شاهين للنقد لا يكاد يتجاوز فهم العوام وصغار الكتاب والشعراء الذين لا يتقبلون من الناقد لكتاباتهم وأشعارهم أقل من «الإطراء» و«المديح». «النقد» أداة وشرط من شروط المعرفة، أداة لتأسيس الجديد، وشرط للتمييز بين الجوهري والعارض في القديم أو السابق.

ونقد خطاب سيد قطب، بل ونقد الخطاب الديني جملةً، لا يُخرج الباحث من دائرة الإيمان كما أراد عبد الصبور شاهين أن يوهم الناس — ونجح للأسف مع بعض أعضاء اللجنة العلمية — بقوله: «إن الباحث وضع نفسه مرصادًا لكل مقولات الخطاب الديني، حتى ولو كلَّفَه ذلك إنكار البداهيات، أو إنكار ما عُلِم من الدين بالضرورة». ولا نريد أن نطيل في هذه النقطة فقد تكفَّل رد قسم اللغة العربية بإبراز هذا الخلط والتزييف من جانب كاتب التقرير.

تبقى جزئية مضحكة مبكية في تقرير عبد الصبور شاهين في مناقشته، أو بالأحرى في هذيانه، لكتاب نقد الخطاب الديني، تلك هي النقطة المتعلقة بالدفاع عن «سلمان رشدي»، والربط بين روايته آيات شيطانية ورواية أولاد حارتنا لنجيب محفوظ. عبد الصبور شاهين يدَّعي قراءة رواية «سلمان رشدي»، بدليل أنه يدعي أن الباحث «غالبًا لم يقرأها»، وبدليل المخالفة نفهم أنه قرأها. الدليل الثاني الذي نستشفُّ منه أنه قرأها قوله عنها: إنها اشتهرت بالفساد والهلوسة، وأنها حفلت بنتن أدبي وعفونة خرجت من أحشاء كافر مرتد.

هل هذه أحكام مَن قرأ الرواية؟ لكن ليست هذه هي المشكلة، بل المشكلة أن عبد الصبور شاهين يُزايد على الباحث، فضلًا عن أنه يدَّعي عليه بالباطل. لم يكُن الباحث مشغولًا بقيمة رواية «سلمان رشدي»، وإنما ورد الاستشهاد باسم سلمان رشدي وروايته في سياق تحليل آلية المسارعة إلى «التكفير» في خطاب الإسلاميين دون قراءة أو تثبُّت، أي إن الباحث كان في سياق تحليل منظور عام وأفق ذهني يتحرَّك فيه الخطاب الديني ويحرِّك من خلاله الجماهير. لكن تعليق عبد الصبور شاهين حين أهدر السياق الذي ورد فيه الاستشهاد أكَّد تحليل الباحث تأكيدًا لا يحتاج إلى بيان حين وصف ما لا يعلم بالفساد والهلوسة والنتن الأدبي والعفونة، وحين وصف الكاتب بأنه «كافر مرتد».

والذي لا يعلمه عبد الصبور شاهين أن الباحث قرأ الرواية «آيات شيطانية» حين صدورها، وقبل تلك الضجة التي أثارها الخميني. وفي رأي الباحث إنها رواية «رديئة» من المنظور الأدبي والجمالي. والروايات الرديئة يتجاهلها النقاد عادةً فتموت موتًا طبيعيًّا، لكن «الضجة» التي أثارها الخميني لحشد الجماهير خلف قضية وهمية أعطت للرواية قيمة نابعة من هذا «السعار» الذي تلبَّس بعضهم لقتل كاتب. هذا «السعار» نفسه أحاط — وما زال — برواية أولاد حارتنا لنجيب محفوظ، مع الفارق الأدبي والغني بين الروايتين. وكثيرًا ما يستطيل الجهال على الأعمال الأدبية باسم الدين والعقيدة فيخلقون حالة «تربُّص» بين «الدين» و«الإبداع». تلك هي القضية: أن يتصدى غير المتخصصين للحديث في مجالات لا يجيدون الحديث فيها. وهذا ما فعله عبد الصبور شاهين متوهِّمًا — أو مُوهمًا الآخرين — أن نقد الخطاب الديني يدافع عن «سلمان رشدي» ويضعه في سلة واحدة مع «نجيب محفوظ».

وعبد الصبور شاهين «الواعظ» لا يكف عن المزايدة، فيتهم الباحث بأنه «يزيد في الخروج على معايير النقد الموضوعي، ويتجاهل أمانة الكتابة الفكرية، بل هو يُسقطها حين يضع سلمان رشدي في موقع مُشابِه لموقف الكاتب نجيب محفوظ في «أولاد حارتنا».»

والحقيقة التي يتجاهلها عبد الصبور شاهين ضاربًا عرض الحائط بأمانة الكتابة الفكرية أن رواية أولاد حارتنا في موقف مشابه تمامًا لرواية آيات شيطانية من حيث موقف الخطاب الديني منهما. لكن عبد الصبور شاهين يريد أن يتظاهر بالدفاع عن «نجيب محفوظ» وعن رواية أولاد حارتنا، والأولى به لو كان هذا قصده أن يدافع عن الرجل والرواية من على منبر مسجد «عمرو بن العاص» أو أن يناقش الشيخ محمد الغزالي وغيره من أقطاب الفكر الديني في موقفهم من الرواية.

والسؤال الآن: هل يجرؤ عبد الصبور شاهين على الدفاع العلني عن رواية أولاد حارتنا، أم أن القصد من وراء هذه المزايدة تشويه نقد الخطاب الديني؟! ومَن الذي يتجاهل هنا «معايير النقد الموضوعي»؟ عبد الصبور شاهين أم نصر أبو زيد؟ الخطاب الديني الذي يمثله الأول، أم نقد الخطاب الديني بالخروج عن معايير النقد الموضوعي ويتجاهل أمانة الكتابة الفكرية؟ فإنه في الواقع يكشف عن حقيقة ما حدث له حين رأى صورته متجلية واضحة في الكتاب.

لقد نجح نقد الخطاب الديني في أن يعكس لعبد الصبور شاهين ولأمثاله صورتهم، إنْ على مستوى الخطاب أو مستوى السلوك، وهذا ما يفسِّر حالة «الذعر» التي أصابته حين رأى صورته منعكسة على سطح مرآة نقد الخطاب الديني. وكان رد الفعل الأولي — وغير المتعقل بالطبع — محاولة التخفي وكسر المرآة، وذلك بإلحاق الصفات التي كشفها الكتابُ بالكتابِ وصاحبه. هكذا يتصور كثير أن ما ينعكس في المرآة يرتد إلى المرآة ذاتها، فيسعون إلى تدميرها، وهذا بالضبط ما يحاوله عبد الصبور شاهين حين يعكس صفاته هو على الكتاب: الخروج على معايير النقد الموضوعي، وتجاهُل أمانة الكتابة الفكرية.

ولنرَ الآن كيف يختتم عبد الصبور شاهين حُكمه على نقد الخطاب الديني، وهو الختام المسك الكاشف عن كل السمات التي شرحناها. وحللناها في الكتاب أو في هذه المقدمة. ها هو «الواعظ» يعتلي منبر الخطابة حاملًا سيفه الخشبي طارحًا وراء ظهره كل ما تعلمه في سنوات حياته المبكرة، ملخِّصًا لنا وعيه ومستعرضًا فصاحته وبلاغته:

«ولسوف يطول بنا الحديث ولن ينتهي إلى نتيجة، كما أن الكتاب كله لم يصل إلى أي نتيجة سوى تلك النغمة المسرفة، فهو بحق: جدلية تضرب في جدلية لتخرج بجدلية تلد جدلية تحمل في أحشائها جنينًا جدليًّا متجادلًا بذاته مع ذاته، إنْ صح التصور أو التعبير.»

•••

وتعليقنا الأخير أن الشيخ شاهين أحكمَ الحصار — فيما تصوَّرَ — على نقد الخطاب الديني وعلى مفهوم النص وعلى الإمام الشافعي بكل هذه الافتراءات التي بدأت بالعداوة للنصوص، وانتهت بالطعن في القرآن والصحابة، مرورًا بإنكار مبدأ «العلة الأولى» والتهجم على الغيب. وكلها اتهامات أُعِيدَ إنتاجها عبر منابر الإعلام الديني المختلفة في مصر وخارجها. إنه الحصار بهدف القتل، لكن العقل النقدي لا يكف أبدًا عن العمل، فحوَّل الخطاب الديني إلى موضوع للتحليل وبسلاح النقد وضعه في حجمه الطبيعي: خطاب مبتذل ركيك، قد ينجح في قتل الشخص أو في حصاره، لكنه أبدًا لن ينجح في إسكات الصوت. ها هم يحاولون تطبيق أحكام «الردة» على نقد الخطاب الديني الذي لن يكفَّ أبدًا عن النقد حتى تنجلي الظلمة عن العقل، وتنفتح نوافذه للنور.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٥