ردود سريعة
(١) ضد الكتابات المذعنة
منذ الصفحة الأولى «نقد مطاعن نصر أبو زيد في القرآن والسنة والصحابة وأئمة المسلمين» منذ البدايات الأولى وقبل الدخول في الموضوع، يُصدِّر المؤلف كتابه بالآية الكريمة وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (الأنعام، ٥٥)، وليس هذا الاستشهاد بريئًا من دلالة إسقاط المعنى — معنى كلمة «المجرمين» — على «نصر أبو زيد». لكن الأخطر من ذلك هو دلالة امتلاك المؤلف — إسماعيل سالم — لضمير المتكلم في الآية الكريمة. ومعنى ذلك أن إسماعيل — متحدثًا بضمير الجمع — سيفصل الآيات (العلامات والدلائل) لتستبين سبيل المجرم «نصر أبو زيد». هكذا يعطي المؤلف لنفسه كل حقوق الله سبحانه وتعالى عن طريق هذا الافتتاح، حق امتلاك الحقيقة التي تجعل كل مَن يخالفها في عداد «المجرمين» الذين يستحقون اللعنة والعذاب. وحين نقول إن «البعض» يتحدث باسم الله ويحل نفسه محله سبحانه وتعالى تشمئزُّ نفوسٌ من هذا الاتهام المبالَغ فيه، وأكثر من ذلك حين نقول إن «البعض» يحوِّل النصوص الدينية إلى سلطة يستخدمها لمنازلة الخصم والنيل منه يتداعون إلى اتهام «نصر أبو زيد» بأنه ينادي بالتحرر من سلطة النصوص، وينادي كبيرهم — عبد الصبور شاهين أستاذ إسماعيل سالم — بالويل والثبور وعظائم الأمور، لأن هذه الدعوة تهدِّد وجود الأمة، ويتساءل في مكر لا يخلو من خبث «وماذا يبقى للأمة إذا تخلت عن كتاب ربها وسنة نبيها؟!»
هكذا يخلط عبد الصبور شاهين بين التحرر من السلطة التي يضيفها أمثاله على النصوص مستخدمين إياها في غير ما أنزلها الله من أجله، ومن «النصوص» ذاتها، فما بالنا بالتلميذ الذي يتصوَّر أنه يناصر أستاذه فإذا به يقع من حيث لا يدري في إثبات قضية نصر أبو زيد «ضرورة التحرُّر من سلطة النصوص» ولم يقل نصر أبو زيد «التحرر من النصوص» كما أراد عبد الصبور شاهين أن يوهم الناس بخبث ماكر. التحرر من سلطة النصوص هو ما قام به الخليفة الثاني عمر بن الخطاب في مسألتين: حق المؤلفة قلوبهم في الزكاة، ومسألة حد السرقة في عام الرمادة. هل كان ابن الخطاب يعادي النصوص أم كان يفهمها في سياقها، ويدرك مغزاها، ويرفض الخضوع لسلطة الدلالات الحرفية؟! لكن السلطة التي يُضيفها إسماعيل سالم على الآية المشار إليها لا تقف عند حدود سلطة امتلاكه لها وإحلال نفسه محل الله عز وجل، وإحلال «نصر أبو زيد» محل «المجرمين». تمتد سلطة إسماعيل سالم إلى إصدار الأحكام النهائية والقاطعة في خاتمة الكتاب.
الصفحات الأخيرة
إن نصر أبو زيد كافر كفرًا يخرج عن الملة (ص٥٩). هكذا أصدر إسماعيل سالم حكمه النهائي — أليس متحدثًا باسم الله سبحانه وتعالى؟ الذي يترتب عليه مجموعة من الأحكام الفرعية، يطالب إسماعيل سالم المجتمع المسلم بالامتثال لها وتنفيذها:
-
(١)
على كل مسلم غيور على دينه أن يرفع دعوى أو يشارك في إقامتها ضد الدكتور نصر حامد أبو زيد لإيقافه عن التدريس، لأنه يدرس الكفر في قسم اللغة العربية (ص٦٠).
-
(٢)
على جميع الطلاب — طلاب الدكتور نصر أبو زيد — أن يمتثلوا أمر الله فلا يجالسوه للعلم ولا للتلقي على يديه ما دام معتقدًا في هذه الطعون (انظر عنوان الكتاب) … فليمتثل طلاب د. نصر أمر الله نفسه بعدم الجلوس بين يدي المستهزئين بكتاب الله وآيات رسوله وهذا ليس مستهزئًا فقط بل طاعنًا في الدين كله وإلا صاروا كفارًا مثله (ص٥٩-٦٠).
-
(٣)
على كل مسلم غيور ممَّن ابتُلي بجيرة هذا الطاعن في القرآن والسنة والصحابة وأئمة المسلمين (تكرار لعنوان الكتاب) بجيرة في المسكن أو العمل أو السفر ألَّا يعامله بيعًا أو شراءً، أخذًا أو عطاءً (ص٦٢).
-
(٤)
على زوجة الطاعن في القرآن والسنة والصحابة وأئمة المسلمين (تكرار لعنوان الكتاب) أن تعلم أنه يحرم عند جميع الفقهاء، بلا استثناء، معاشرة الزوجة المسلمة لزوجها المرتد الجاحد بآيات الله المتمرد على أوامره، فإن عاشرته بعد معرفة الحكم فهو زنا صراح تُعاقَب عليه عقوبة الزاني المحصن (ص٦٣).
-
(٥)
نهيب بالدولة وبقضائها أن تطبق حد الردة على أمثال هؤلاء الطاعنين في عقيدة الأمة، وذلك بأن يستتابوا أولًا فإنْ تابوا علنًا وإلا قتلوا، مع إبعادهم فترة بعد التوبة، عن كل موقع يتوقع تأثيرهم في عقيدة الأمة ودينها، وإن أصروا على كفرهم وجحودهم قُتلوا، وأُخذت أموالهم لبيت المال، حيث لا يرث الكافر المسلم ولا المسلم الكافر (ص٦٣).
وهكذا يطمئن ضمير إسماعيل سالم الذي يمتلك كلام الله تمامًا ويتحدث باسمه جل جلاله، بكل هذا الجهد الذي بذله والذي يراه من الأعمال الصالحات، يطمئن اطمئنان المؤمن الواثق كل الوثوق من صحة أحكامه، لأنها أحكام الله سبحانه وتعالى، هكذا يُنهي كتابه: «والله من وراء القصد والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات».
مقدمة
الشاغل الأساسي لإسماعيل سالم — كما هو شاغل أستاذيه عبد الصبور شاهين ومحمد بلتاجي — هو الضجة الإعلامية التي أثارها كثير من الكتاب والمفكرين دفاعًا عن حرية البحث العلمي في الجامعة وحرية الفكر في المجتمع. ومن الطبيعي أن يشغل ذلك إسماعيل سالم وأستاذيه الذين تعودوا — ويعودون طلابهم — على نمط من السلوك العقلي يتسم بالإذعان والتسليم بسلطة الأكبر سنًّا والأعلى درجة وظيفية، مشكلة إسماعيل سالم أن مسألة «رفض الترقية» أمر معتاد، ويكاد إسماعيل سالم يكرر كلمات شيخه عبد الصبور شاهين كما عبَّر عنها في خطبته بمسجد عمرو بن العاص يوم الجمعة ٢/ ٤/١٩٩٣م، حين يقول: «إن لنا زملاء كثيرين قدموا إنتاجهم العلمي ورد من اللجنة العلمية ويعاود الإخوة الأساتذة النظر مرة أخرى في الإنتاج تبديلًا له أو إضافة إليه، ولم يحدث مرة أن قامت هيئة كاملة كالهيئة المصرية العامة وبعض الصحفيين والأساتذة بالتدخل السافر في تقويم الإنتاج العلمي مثل هذا التدخل كما حدث في إنتاج الدكتور نصر حامد أبو زيد» (ص٦).
دعنا من هذه المغالطة في القول بالتدخل السافر في تقويم الإنتاج العلمي، فالذين كتبوا ناقشوا جوهر القضية التي يتعامى عنها إسماعيل سالم: تقريرًا لا علاقة له بالتقويم العلمي من قريب أو من بعيد، ولا يتضمن عبارة واحدة تناقش إجراءات بحثية أو قضايا منهجية، فضلًا عن العجز عن إبراز أخطاء تبرر النتيجة التي انتهى إليها التقرير.
التقرير الذي كتبه عبد الصبور شاهين عبارة عن بلاغ كاذب واتهامات زائفة ناتجة عن قراءة مغرضة أحيانًا للإنتاج، وعن جهل بالمفاهيم والاصطلاحات المستخدمة في أغلب الأحيان، هذا جوهر القضية: حرمان إنتاج علمي من الترقية على أسس تقرير غير علمي، حتى لو وافقت عليه اللجنة ووافقت عليه الجامعة، فالخطأ الفادح لا يحوله الإجماع إلى صواب، وأخطر أخطاء البشرية — وعلى رأسها الحروب — تم عليها إجماع، ثم أفاق الناس إلى خطأ إجماعهم فتنازلوا عنه، لكن التقرير قصة أخرى ليس هنا مجال الخوض فيها.
ذُعْر إسماعيل سالم مَنشؤُه التربية المذعنة التي تلقاها عن أساتذته. التربية التي لا تجرؤ على الرفض، حرصًا على فتات الدرجة التي يسعى إليها، ضعف الطالب والمطلوب إنْ كان الثمن هو التضحية بأهم القيم الجامعية فزعًا من سلطة تتصور أنها تعطي وتمنع. لكن أنى لأمثال إسماعيل سالم أن يفهموا ذلك وقد أمضى حياته العلمية من الفرقة الأولى لا يناقش أستاذًا ولا يفكر. وبفضل هذا الإذعان ونعمة «عدم التفكير» — التي يتصور أن الله حباه بها — استطاع الانتقال من مكان الطالب المتلقي ووصل إلى درجة «الأستاذ» المساعد، وسيصل إن شاء الله إلى درجة الأستاذ، دون أن يذوق حلاوة الرفض القائم على «لعنة التفكير». ولعل هذا الكتاب عن نصر أبو زيد، والمكتوب تقرُّبًا إلى أساتذته عبد الصبور وبلتاجي أن يكون أهم خطوة، بل الخطوة الأهم، على طريق «الأستاذية» … لكنها «الأستاذية» العقيم، أي التي لا تنتج طلابًا حقيقيين يفكرون ويختلفون فيدفعون حركة العلم والمعرفة إلى الأمام، إنها أستاذية على الورق وفي كشف المرتب والإعارات، والأهم من ذلك أنها أستاذية «الوجاهة الاجتماعية» والانتفاخ الكاذب، وما أبعد ذلك من أستاذية العلم والفكر والمعرفة.
والذي يؤكد أن هاجس إسماعيل سالم الزلفى والقربى إلى نفوس أرباب نعمته هجومه على طه حسين وأمين الخولي ومحمد أحمد خلف الله، حين كانت مدرسة دار العلوم دائمًا رأس الحربة في الهجوم على أولئك المفكرين. يهاجم الرجل ويتقوَّل دون أن يكون قد قرأ كلمة واحدة لأي من هؤلاء باستثناء ما تلقاه شفاهًا من بعض أساتذته. أستاذ مساعد بجامعة القاهرة، ويا للعار! ما زال يعيش عصر الثقافة الشفاهية، «النقل»، والثقة في الراوي دون فحص المروي، وهل يستطيع العقل المذعن — ولو كان عقل أستاذ مساعد — أن يناقش — فضلًا عن أن يتشكك في — ما يقوله أساتذته؟ ومن الهجوم على الأشخاص والمفكرين يوسع إسماعيل هجومه على قسمي اللغة العربية والفلسفة في كلية الآداب على أساس أن «الطعن» في الإسلام والشريعة خرج من هذين القسمين (ص١١).
لكن الهجوم على أعلام الفكر وقسمي اللغة العربية والفلسفة بكلية الآداب مجرد جزء من هجوم شامل يشنه الأستاذ المساعد على الفكر المصري الحديث ممثلًا في أهم تياراته. ليست المسألة أن أحد أعداد مجلة القاهرة — أبريل ١٩٩٣م — تناول موضوع تقرير عبد الصبور شاهين ونشر الوثائق التي تثبت زيف أحكام عبد الصبور شاهين على إنتاج نصر أبو زيد، كما تكشف النوايا الخفية والمصالح التي تحرك عبد الصبور شاهين. وليست المسألة أن هذه المجلة تصدرها الهيئة المصرية العامة للكتاب، فالأخطر من ذلك والذي يثير فزع إسماعيل سالم وأمثاله أن الهيئة أعادت طبع كتب التنوير طبعات شعبية بأثمان زهيدة إسهامًا في توسيع دائرة قراء هذه الكتب. وبدلًا من أن تكون هذه خطوة نطالب هيئة الكتاب بأن تتبعها خطوات، حرصًا على توسيع دائرة الثقافة والمعرفة، يفزع «أستاذ مساعد» جامعي من هذا النشر للمعرفة، يفزع لا شك لأن الناس سيقرءون، ثم يتساءلون، وفي التساؤل معنى الرفض، رفض «الإذعان» الذي يعتبره أستاذ مساعد جامعي السبيل الأقوم إلى نيل الدرجات. هنا يكمن الخطر على أمثال هؤلاء الأساتذة، خطر أن يكتشف الناس زيف أستاذيتهم.
من حق الأستاذ المساعد أن يتساءل ونتساءل معه: لماذا لم تنشر أيضًا الكتب التي ناقشت طه حسين، أو علي عبد الرازق، وردَّت عليهما. هذا سؤال مشروع من منظور إتاحة مجال المعرفة العميقة للقارئ ليتعرَّف إلى التيارات بشكل متكافئ، لكن تساؤل الأستاذ المساعد ليس من قبيل التساؤل الذي نطرحه، بل هو تساؤل المنكِر الممتعض والمستنكر لنشر تلك الكتب أصلًا. والدليل على ذلك أنه يتجاهل أن الهيئة نشرت أيضًا في سياق هذه السلسلة كتابات الشيخ محمد عبده ممثل الاتجاه السلفي، لكن الأخطر والكاشف عن الداء الوبيل في عقل الأستاذ المساعد أن يضع تلك الكتب كلها في خانة الطعن في العقيدة والدعوة إلى الكفر ويتساءل في لغة خطابية لا تليق بمدرس مساعد فضلًا عن أستاذ مساعد — أي لا تليق بمَن مارس الخطوة الأولى في طريق البحث العلمي والكتابة الأكاديمية — «أهكذا يُؤخَذ مال المسلمين ويُستغل الدعم المالي في إفساد عقائدهم تحت اسم التنوير والعلمانية ومواجهة الإرهاب؟ ألا يسأل صاحب قلب حي هؤلاء المفسدين في الأرض والمضلين المخربين للعقائد لماذا تختار هذه الكتب بصفة خاصة وتعاد المعارك القديمة معارك جديدة؟ ولماذا تبدد أموال المسلمين في طمس عقيدتهم والطعن فيهم وفي دينهم؟ إنهم يريدون أن ينفخوا في نار تكاد تنطفئ، ويسكبوا البنزين على النار لكي تحرق عقائد المسلمين» (ص١٠).
كيف يصدر كل هذا الذعر عن أستاذ مساعد لمجرد نشر كتب، أيًّا كان ما تحويه تلك الكتب من أفكار؟ ها هو أستاذ مساعد متلبس بمعاداة القراءة، إلا قراءة ما يشير عليه به أساتذته. وها هو متخصص في «الفقه المقارن» (كما كتب على غلاف الكتاب) يعادي كل فكر مخالف سمع أساتذته ينكرونه. ها هو نمط الأستاذ المساعد الذي يحظى بالرضا والقبول لأنه عاجز عن الفحص والرفض، بل وعاجز عن تصور، مجرد تصور، «الاختلاف». هذا هو الأستاذ الذي يستعذب دائمًا قول «نعم» مطأطئ الرأس، فكيف له أن يفهم كتب زميل له «مختلف» تعلَّم أن يفكر وأن يختلف، وحريص كل الحرص على أن يعلِّم طلابه كيف يختلفون معه؟!
(٢) أبو زيد … يرد على البدراوي١
نشرنا قبلًا ثلاث مقالات للدكتور البدراوي زهران يعرض فيها بالنقض لقضايا طرحها الدكتور نصر حامد أبو زيد حول القرآن والسنة النبوية … وننشر اليوم مقالًا للدكتور أبو زيد يرد فيه على الدكتور البدراوي، ونحن في الأولى والآخرة لا هدف لنا إلا البحث عن الحقيقة والإسهام في فتح كل الطرق للوصول إليها، ولأننا نؤمن أن قيام فكرة عظمى في مواجهة فكرة عظمى أمر تنشرح له قلوب كل محبي الحقيقة والساهرين في محاريب العلم والمعرفة … وبمقال الدكتور أبو زيد اليوم نختتم الحوار في هذا الموضوع … ونحن نعرف أنه ليس للحق طريق واحد، وأنه لا أحد يحتكر الصواب، وكل واحد يؤخذ ويرد عليه فيما عدا المعصوم ﷺ، كنت أتمنى ألا يتورط الدكتور بدراوي زهران فيما تورط فيه كثير من تجاوز حدود النقاش والحوار، بل والاختلاف، إلى الدخول مباشرة في دائرة التشكيك في العقيدة.
كنت أتمنى ذلك بحكم سلسلة الألقاب «العلمية» التي يحملها الدكتور ويحرص دائمًا على ذكرها، لكنه للأسف الشديد وقع في محظور «التكفير» الذي كنت أتمنى له ألا يقع فيه. ثلاث مقالات نشرها الأستاذ الدكتور في صحيفة الأخبار، والمقالة الثالثة، وهي الأخطر، بتاريخ ١١/ ٦ يصر الدكتور فيها بطريقة مريبة على أنه يتخذ موقفًا موضوعيًّا. وتكمن الريبة في تكرار القول، والتكرار كما يعلم أستاذ اللغويات هدفه التأكيد، وقد يكون تعبيرًا عن تشكك المتكلم نفسه في «الموضوعية». والدليل على تشكك الدكتور في موضوعيته المزعومة تصاعُد نغمة خطابه من مقالة إلى أخرى.
في المقالة الأولى أبدى مجموعة من الملاحظات التي لا قيمة علمية لها في مجال المصطلحات التي استخدمها لأن المصطلح جزء من منظومة، ولذلك يكتسب دلالته في إطار تلك المنظومة العلمية والمنهجية والإجرائية. وعدم إدراك المنظومة الاصطلاحية في مجال استخدامها العلمي يجعل المصطلح غائمًا ولا أريد أن أطيل في هذه النقطة الأكاديمية جدًّا حتى لا أبدو مشكِّكًا في علم الأستاذ الدكتور.
•••
في المقالة الثانية انتقل الدكتور من مناقشة المصطلح إلى السعي الحثيث لإثبات أنني لا أدافع فقط عن سلمان رشدي، بل أدافع عن روايته آيات شيطانية. ولكي يؤكد «موضوعيته». ولكي يؤكد «موضوعيته» و«علميته» أتى ببعض أقوالي عن قضية سلمان رشدي في كتاب نقد الخطاب الديني. لكنه — وهو أستاذ اللغويات — انتزع القضية كلها من سياقها في الكتاب ذي الموضوع المحدَّد. يتساءل الدكتور مثلًا: ولماذا لم أناقش الرواية؟ وهذا سؤال معيب من أستاذ يعلم أن السياق قد يطرح ضرب أمثلة، مجرد ضرب أمثلة، لا يتوقف أمامها الباحث إلا بمقدار ما يبرز الفكرة التي يناقشها. كانت قضية سلمان رشدي كما كانت قضية أولاد حارتنا لنجيب محفوظ وغيرها مجرد أمثلة على اندفاع البعض إلى التفكير دون تثبت.
•••
لكن الدكتور في مقالته الثالثة يقفز قفزته الأخيرة نحو التكفير، حيث ينسب إليَّ في مفتتح المقال موقفًا عجيبًا — على حد تعبيره — من القرآن الكريم ومن الحديث الشريف. يدَّعي الدكتور بالباطل أنني أنفي عن القرآن الكريم نسبته إلى الله وكذلك الحديث الشريف.
عزيزي الدكتور أتحداك وأتحدى كل من سبقوك في هذا الزعم المغلوط. ومن باب الحرص على وعي القارئ الذي تزيفه عمدًا سأشرح للقارئ، لا لك، معنى كلامي الذي لم تحسن قراءته، فضلًا عن أن تحسن عرضه بموضوعية. هنا أيضًا كما في المقالة السابقة يحرص الدكتور على القراءة خارج السياق.
•••
الفكرة ببساطة أن القرآن كلام الله سبحانه وتعالى المنزل على محمد ﷺ باللغة العربية، لا خلاف حول هذه الحقائق، وإنما تقع دائرة الخلاف حول تحليل مضمون القضية المتفق عليها.
اللغة كما يعلم الدكتور ظاهرة اجتماعية بشرية. وحتى لو كان الدكتور من أنصار نظرية الأصل الإلهي للغة — وهو ما يسمى بالتوقيف — فتعدد اللغات واختلافها يؤكد أن البشر قد تواضعوا على لغات مختلفة. والظاهرة الاجتماعية كما يعلم الدكتور ظاهرة بشرية.
ومعنى ذلك أن القرآن إلهي المصدر بشري اللغة، أي إنه يتمتع بطبيعتَين: الطبيعة الإلهية من حيث هو كلام الله، والطبيعة البشرية من حيث هو بلغة عربية بشرية.
هذا التحليل قد يبدو صادمًا من الوهلة الأولى للقارئ العادي، خاصة إذا استخدمنا اللغة الفلسفية السابقة. لكن لغة العلم يا دكتور تشرح نفسها، لأن ازدواج الطبيعة أمر طبيعي، فالله سبحانه وتعالى يخاطب البشر بلغتهم وعلى قدر فهمهم.
ويعلم الدكتور أن قضية الإعجاز — كما قال الإمام عبد القاهر الجرجاني — لا يمكن إثباتها إلا بمعرفة قوانين الكلام البشري. ومعنى ذلك أن قوانين الكلام البشري التي تُدرس بمناهجنا نحن البشر هي التي تحدد مستوى فهمنا للقرآن الكريم. هل يخالفني الدكتور في هذه البداهيات؟!
•••
يعلم الدكتور أيضًا أنه بسبب الطبيعة المزدوجة تلك اختلف علماء المسلمين — وهو خلاف معروف في تاريخ الفكر الإسلامي بين القول بأن القرآن صفة أزلية قديمة، والقول بأنه مخلوق محدث. وهذا الخلاف في التحليل العلمي يمكن تفسيره بالقول بأن أصحاب نظرية «القِدم» نظروا إلى الجانب الإلهي، أما أصحاب نظرية «الخلق» فقط نظروا إلى جانب اللغة، أي إن كل فريق منهم تمسك بجانب واحد فقط، دون إهمال الجانب الآخر بالطبع، لذلك جاء الأشاعرة، كما يعلم الدكتور والمتخصصون، فقالوا إنه أزلي قديم من حيث هو «العلم الإلهي»، لكنه من حيث النزول والتلاوة محدث مخلوق.
•••
نحن يا سيدي في دراستنا للقرآن وفهمنا له ندرسه من جانب اللغة، أي من جانب الظاهرة الاجتماعية البشرية التي نملك بمناهجنا البشرية وعقولنا القدرة على الوعي بها.
وهذا يقودني إلى المثال التوضيحي الذي أسأتَ وأساء قبلك كثيرٌ عرضَه وفهمه، لأنهم تجاهلوا كونه مثالًا ووقفوا عند دلالته الحرفية كما فعلوا وفعلتَ في مسألة سلمان رشدي. إن الوقوف عند جانب الأصل الإلهي للقرآن وحده هو موقف يمكن أن يتماثل مع موقف لقائلين بألوهية السيد المسيح.
أين إنكار الأصل الإلهي للقرآن يا دكتور في كل هذا؟ آدم خلقه الله بيدَيه ونفخ فيه من روحه، فهل آدمك إله أم إنسان؟! كل ما في الكون مخلوق لله سبحانه وتعالى بكلمته وإرادته فهل يعني هذا الأصل المشترك خروج الكل عن حدود البشرية والحدوث؟!
كنت أتمنى أن تكون أمينًا في عرضك وموضوعيًّا كما زعمتَ. لكنك انزلقت بوعي أو من غير وعي لتنضم إلى جوقة المكفرين لي والمهدرين لدمي. سامحك الله يا دكتور! لا بالأصالة عن نفسي فقط، بل عن طلابك الذين لا أدري كيف تعلِّمهم، وعن القراء الذين لم تتقِ الله فيهم.
ويا عزيزي القارئ: اعرف الرجال بالحق ولا تعرف الحق بالرجال، وتثبت وتبين قبل أن تتورط بدورك فيما تورط فيه الدكتور وآخرون، ما كتبته متاح لكن احذر من القراءة المتربصة المغرضة، وسلام على كل من يجعل «الحق» وجهته أصاب أم أخطأ.
(٣) معرفة الحق بالرجال
في تراثنا العربي الإسلامي قول مأثور يتردد كثيرًا هنا وهناك في كتابات المعاصرين، وخاصة في كتابات أئمة الوعاظ والداعين إلى الفضائل الإسلامية. هذا القول المأثور هو: «اعرف الرجال بالحق ولا تعرف الحق بالرجال»، لكن كثيرًا ممن يرددون هذا القول تلفُّظًا أو كتابة يفعلون العكس تمامًا فيجعلون «الرجال» مقياسًا لمعرفة «الحق» فيكون القول حقًّا أو باطلًا من حيث نسبته إلى قائل بعينه لا من حيث هو في ذاته، وأخطر ما في هذا السلوك الذهني ما يترتب عليه من إيقاف نشاط «العقل» وفرملته كي يكون تابعًا لعقل آخر، عقل بشري مهما يكُن قدر صاحبه من الشهرة والجاه والسلطان. وهكذا لا يصبح «القول» في ذاته موضوعًا للبحث والتحقق والتأمل للحكم عليه وتقويمه، ومناقشته من خلال معايير «موضوعية» يحتكم إليها المتحاورون انطلاقًا من مبادئ التكافؤ والتساوي للوصول إلى «الحق» في ذاته.
هذا «لا معقول» آخر يحكم حياتنا الفكرية والعقلية، وهو «لا معقول» ينبع من التعارض بين «الأقوال» و«السلوك الذهني». وفيما أصبح يعرف الآن باسم «قضية أبو زيد» مثال واضح على هذا التمسُّك بمبدأ معرفة الحق بالرجال لا معرفة الرجال بالحق. منذ ذاع نبأ التقرير «غير العلمي» الذي كتبه عبد الصبور شاهين ضد كتابات نصر أبو زيد، وانحازت له إدارة الجامعة متجاهلة كثيرًا من الحقائق والملابسات التي شابت التقرير نفسه، ناهيك بتجاهلها لتقريرَي قسم اللغة العربية وكلية الآداب — انقسم الناس فريقَين: فريق هالَهُ ما وصل إليه حال الجامعة من خضوع لسطوة الابتزاز باسم الدين. وفريق تجاهل الأمر كله وجعل همه الأكبر التصدي للفريق الأول. هذا الفريق الثاني وجد أن المدافعين عن حرية البحث في الجامعة يمثلون في أغلبهم «اليسار» بالمعنى الفكري والسياسي.
وبما أن «اليسار» من وجهة نظر ممثلي هذا الفريق الثاني هم الشيوعيون والعلمانيون الملاحدة، وفلول الناصرية المهزومة على حد تعبيرهم، فلا بد أن تكون القضية التي يدافعون عنها ضد الإسلام، ولا بد أن تكون كتابات نصر أبو زيد كتابات هدفها هدم الإسلام.
من الطبيعي أن يساعد في تثبيت هذا التصور عند كثير أن كاتب التقرير هو «عبد الصبور شاهين»، وهو مَن هو: أستاذ جامعي مرموق، ورمز من رموز الخطاب الديني المعاصر، وعضو لجنة ترقيات الأساتذة المساعدين والأساتذة، وعضو لجنة الشئون الدينية بالحزب الوطني الحاكم، ونجم تليفزيوني لامع في العالم العربي كله.
أما «نصر أبو زيد» فهو أستاذ مساعد ما زال يجاهد في طريق الوصول إلى الأستاذية: رجل من «غمار الموالي، بسيط الأرومة والمنبت» على حد تعبير الشاعر الراحل «صلاح عبد الصبور» على لسان الحلاج الشهيد الصوفي في مسرحيته عنه. هكذا يكون من المستحيل — في نظر الفريق الثاني — إلا أن يكون الحق في جانب «عبد الصبور شاهين».
وحين حاول الفريق الأول أن يتساءل عن سبب هذا «العداء» في تقرير شاهين ضد كتابات نصر أبو زيد — وصل إلى حقيقة بسيطة مفادها أن نقد الخطاب الديني — أحد كتب أبو زيد — قد كشف عن الدور الذي قام به أمثال شاهين في عملية النصب الكبرى باسم الإسلام التي قامت بها شركات توظيف الأموال، وأن هذا النقد الذي لم يُرَد به اسم شاهين أو اسم غيره — قد أصاب شاهين بالعمى الأكاديمي فلم يصبر على قراءة باقي الكتاب، واكتفى ببضع صفحات، منه ثم خلع رداء الأستاذ فكشف عن مسوح «الكاهن». هنا ثارت ثائرة الفريق الثاني دفاعًا عن شاهين ودفاعًا عن المصالح المشتركة. ولم يكُن من سبيل للدفاع سوى تثبيت الاتهامات والمبالغة فيها، وهكذا أصبح «تكفير» أبو زيد هو قضية القضايا والهدف الذي يسعى إليه كل المنتمين إلى هذا الفريق الثاني مهما اختلفت اللغات والأساليب.
انبرى الشيخ مصطفى محمود في لغته الطنانة يتحدث عن «رجلنا» — يقصد شاهين — ورجلهم، ويقارن بين الأستاذ المرموق والأستاذ الفاشل الملحد الذي يعلِّم أولاد المسلمين «الكفر». وانبرى جمال بدوي — دون أن يعلم من الأمر شيئًا — فأرسل مقالة لجريدته الوفد من أمريكا ينعى سوء الحال والمآل ويرفض «الإلحاد» في الجامعة. وكتب «محسن محمد» عن الذين لا يرعون الله والوطن ويشوهون وجه مصر بدفاعهم عن حرية البحث في الجامعة. وكانت ثمة مفاجأتان: الأولى تصدى شيخ اتحاد الكتَّاب — ثروت أباظة — المفروض أنه مؤسسة للدفاع عن حق الكتَّاب وحريتهم، ليصوغ في مقالتين أن ذلك الأستاذ «كافر لا شك في ذلك». والمفاجأة الثانية الشيخ محمد الغزالي الذي بخل بالصفة فاستخدم صيغة التحقير «كويفر». هكذا كان لسان حال الجميع يقول: إن كان مولانا شاهين قد قال في أبو زيد ما قال فقد صدق، ولا داعي للتثبت أو التحقق فقد كفانا مولانا شاهين شر الفحص والتدقيق. الأعجب من ذلك أن محمد الغزالي استخدم مقال مصطفى محمود مرجعًا يستند إليه، بمعنى أن تكفير «أبو زيد» يكفي فيه فتوى الشيخ مصطفى محمود المنقولة عن الإمام الأكبر عبد الصبور شاهين.
ليست المسألة هنا قاصرة على أن «الرجل» صار معيار الحقيقة، خلافًا للقول المأثور الذي يردِّده دومًا هؤلاء جميعًا، بل وصلت إلى حد المطالبة بالفصل من الجامعة أولًا، وبالفصل بين أبو زيد وزوجه ثانيًا، ثم يأتي الفصل النهائي بالمطالبة بفصل رقبته عن جسده تطبيقًا لحد الردة. هنا تجاوزت قضية أبو زيد حدود الدفاع عن حرية البحث والاجتهاد ودخلت دائرة الدفاع عن «حق الإنسان» في الحياة. وتجاوز الحوار حول الموضوع حدود الإعلام المحلي المصري والعربي إلى الإعلام العالمي في أمريكا وأوروبا وآسيا وأمريكا اللاتينية.
عند هذه النقطة الحرجة في الموضوع كله انتقل خطاب بعضهم — من أتباع الرجال لا أتباع الحق — من الهجوم والتكفير إلى «الضغينة» و«الحسد» اللذين اتخذا أشكالًا متعددة. كتب صحفي يُدعى «أحمد أبو زيد» وهو مجرد تشابه في اللقب — عن نصر أبو زيد قائلًا: «الرجل كان يسعى إلى الشهرة وقد نالها وهو لا يستحقها»، وكتب «محسن محمد» — مرة أخرى — يقول كلامًا غريبًا يظنه لسذاجته دفاعًا عن مصر وسمعتها. يقول معترضًا على الضجة التي حدثت نتيجة للدعوى القضائية ضدي وضد زوجتي: «إنها دعوى عادية تنظر المحاكم المصرية عشرات مثلها»! ولا يدري الإنسان هل الرجل غائب عن وعيه أم أنه يزور الحقائق عامدًا؟ وكلا الأمرين — أو أحدهما — كافٍ للحجر على مَن يقول هذا القول. ولا يكتفي بذلك بل يسخر سخرية بذيئة من قيمة «الحب» في الحياة الزوجية، وينعى علينا أنا وزوجتي أن ظهرنا في لقطات تليفزيونية بإحدى المحطات متماسكي الأيدي «مثل روميو وجولييت» على حد تعبيره.
هكذا يصبح الحب الزوجي الذي هو عماد تماسك الأسرة وتكوين المجتمع، وهو المعبر عنه في لغة القرآن الكريم بمجازات مثل «السكن» و«اللباس»، موضوعًا للسخرية دفاعًا عن مصر وسمعتها.
ومن المؤكد أن نمط التعليم الذي تلقاه كشك، التقليد والاتباع والنقل بالسماع، هو نمط التعليم الذي يسعى إلى استمراره في مؤسساتنا التعليمية. من هنا يمثل نموذج «المعلم نصر» خطرًا على هذا النمط من التعليم. هكذا يدافع كشك عن بنية عقله هو ومَن لفَّ لفه من الكسالى التابعين الذين يلوذون بالرجال يفرغون في آذانهم أقوالًا يرددونها على أساس أنها الحقيقة التي لا تقبل الجدل أو الرد أو النقاش. هكذا كانت ماركسية الرجل، نقلية اتباعية تقليدية، وهكذا أيضًا للأسف يتصور الإسلام، والإسلام بريء من تصوراته. ومن كان متعصبًا في الأولى فهو متعصب في الثانية، ومن كان عبدًا لماركس أو لشراحه فهو عبد لعبد الصبور شاهين ومن كان على شاكلته. وفي مثل هذا النموذج العقلي من السهل أن ينتقل المرء من النقيض إلى النقيض. وما أدراكم برجل يقول عن «الولدان المخلدون» في الجنة أنهم لمَن يحبون «اللواط» لكنهم امتنعوا عنه في الدنيا طاعة لله؟! ما أدراكم بمن ينتج باسم الإسلام خطابًا لشيوخ النفط يتبع فيه خُطى أستاذه شاهين الذي ادعى في بعض مواعظه في الخليج أن «تعدد الزوجات» سنة شريفة واجبة الاتباع؟!
وهناك سؤال لا بد من طرحه على جلال كشك ومصطفى محمود بصفة خاصة: كيف انتقل كلاكما من معسكر الإلحاد والشيوعية إلى معسكر الإسلام؟ أليست الحرية التي كانت متاحة لكما في الستينيات والخمسينيات هي التي سمحت بهذا التحول؟! ومع ذلك لا يفتأ كلٌّ منكما يردِّد اتهاماته للفترة الناصرية التي لولا مساحة الحرية التي أتاحتها — رغم كل سلبياتها — ما استطاع واحد منكما أن يتحول ذلك التحول. ولنفترض أنه كان قد أقيم على أحدكما أو على كليكما حد «الردة» بوصفكما مسلمين بالميلاد، فهل كانت ستتاح لأيٍّ منكما فرصة «التوبة» والعودة إلى حظيرة الإسلام؟! ما هو هذا السعار الذي أصاب خطاب كلٍّ منكما ضد «العقل» رغم الحرية التي نعمتما بها في النقلة من «الإسلام» إلى «الإلحاد» ثم في العودة إلى «الإسلام» مرة أخرى. أليس في كل تلك الأسئلة ما يستوجب النظر والتأمل والتدبر أيها الفارسان على أحصنة من خشب وسيوف من طين؟!
ولنفترض على قدر فهمكما انصياعًا لأقوال زعيمكما أن «أبو زيد» ملحد، فكيف تحرمانه من «الحرية» التي أتاحت لكما أن تكتبا ما كتبتما من إلحاد ثم أتاحت لكما من بعد أن تكتبا عن الإسلام، وتصبحا من أقطاب الخطاب المسمى إسلامية والمثقل بأموال النفط والخليج؟! وما يدريكما — وما يدري أتباعكما من أمثال إسماعيل سالم وصميدة عبد الصمد — أن يتوب الملحد ويعود المرتد إلى حظيرة الإسلام كما فعلتما؟! أم إن حرية العقل والتفكير حكر عليكما حرام على غيركما بعد أن تصورتما — أو تصورتم جميعًا — امتلاك الحقيقة المطلقة. هذه مجرد أسئلة افتراضية تكشف أن هاجسكم ليس الدين وليس الإسلام أيها السادة الأفاضل!
وما دام الأمر قد وصل بالخيال السقيم إلى حد عبقرية تصور أن «أبو زيد» يسعى إلى الشهرة بالتواطؤ مع آخرين لرفع دعوى قضائية تثبت ردته، فلن يكون المستغرب أن يطلع علينا محمد جلال كشك بمقال جديد يثبت فيه أن «نصر أبو زيد» هو الذي وضع القنابل تحت سيارة مصر الجديدة فقتلت من قتلت من الأطفال والرجال. إن الخيال السقيم ليس له حدود، وخلل الفكر يُفضي إلى أي شيء مهما كان مستحيلًا. وهكذا يصبح اللامعقول معقولًا، فيصبح المدافعون عن الدين والعقيدة طالبي شهرة، ويصبح المدافعون عن الوطن والعقل مسيئين إلى صورة مصر في الخارج. وإلى هؤلاء الذين يشغلهم أمر صورة مصر والهم السياحي أن يبحثوا في أصل الداء، وهو الخطاب المتعصب، ولا يقتصروا على بعض ظواهره، وهو الشباب المتعصب. الأمر جد خطير لأن الداء ينخر الآن في العظام ويكاد يفتك بالجسد كله. اللهم احمِ هذا الوطن ممَّن يتظاهرون بالدفاع عنه بالتزوير والبهتان ولوي عنق الحقائق ومغازلة مَن يدفعون لهم أكثر.
لكن للوطن من يدافعون عنه ومن يحمونه بكل ما يملكون من وسائل: هؤلاء الذين نفروا للدفاع عن الجامعة وعن حرية الفكر والبحث من الكتاب والمفكرين والمبدعين من داخل الوطن وخارجه. وهؤلاء الذين استنفرهم العبث بالقانون واستخدامه لمصالح معروفة وظاهرة لا تحتاج إلى بيان. ولا أنسى هذه الكوكبة من رجال القانون الذين تطوعوا دون أجر — أكرِّر دون أجر — لا للدفاع عن نصر أبو زيد وزوجته بل للدفاع عن الوطن كله وعن الإسلام الذي لا يعرف محاكم التفتيش أو الكهنوت.
يكفي هنا أن أذكر الشيخ «خليل عبد الكريم» مايسترو هيئة الدفاع الذي جعل من القضية شغله الشاغل وهمه الدائم. ويقف إلى جواره رجل — لم نلتقِ حتى الآن وجهًا لوجه — يأتي من دمنهور خصوصًا ليناصر الحق والعدل ويدافع عن الإسلام الحقيقي، هو الأستاذ «رشاد سلام» والأسماء كثيرة، رجال ونساء، شباب وكهول، يبرزون الوجه الآخر الذي يعرف الرجال بالحق، فيتطوعون للدفاع عنه. أما الذين يعرفون الحق بالرجال فيدافعون عن الرجال طمعًا في الغالب، ورهبةً أحيانًا.
(٤) انتصار الجهل بملكوت الله
قطب كبير من أقطاب الخطاب الديني — لعله القطب الذي يفترض أنه يتربع على قمته الإدارية والرمزية في الوقت نفسه — تعرض في حديث صحفي نشر في مجلة المصور المصرية في عددها رقم ٣٦١٨ الصادر في أول رمضان ١٤١٤ﻫ/١١ فبراير ١٩٩٤م — لموضوع من أهم الموضوعات التي يجب أن تشغل العقل الإسلامي في محاولته لتجاوز حالة الحصار والضيق التي يعيشها بسبب حالة التردي العام التي تعيشها المجتمعات العربية الإسلامية على كل المستويات والأصعدة. لكن الذي يصيب القارئ بالذهول من هول الصدمة والمفاجأة عجز القطب الكبير عن «فهم» الموضوع المطروح أساسًا، ومن ثَم جاءت إجابته عن السؤال الذي يثير الموضوع كاشفة عن عجز بيِّن ناتج عن خلل واضح في آليات اشتغال ذهن القطب الرمز. وحتى لا يكون الكلام ملقى على عواهنه، أو وصفًا لا يستند إلى بينة، فإليك عزيزي القارئ السؤال وجوابه مع تعليقنا على كلٍّ من السؤال والجواب.
السؤال: ماذا عما يدعيه الغرب من أن العقل الإسلامي المسلم لا يفهم مبدأ السببية المباشرة للظواهر الطبيعية. وأنه يؤكد بأن العلة الحقيقية للظواهر كلها هي المشيئة الإلهية (ص٣٥ من المجلة المذكورة).
هل يحتاج السؤال إلى شرح؟ من الواضح أنه لا يحتاج لمن يعرف ما هو «مبدأ السببية» أولًا، سواء في «الظواهر الطبيعية» — وهي محور السؤال — أو في الظواهر الاجتماعية، إنه المبدأ الذي يعتمد عليه التحليل العلمي الذي يراقب الظواهر في سيرورتها، وعلى أساسه يحاول العالم أن يستنبط العلاقات بين الظواهر لاكتشاف القوانين التي تحكمها. في العلوم الطبيعية يتأكد العالم وبالتجربة المعملية من صحة الاستنباط أو من عدم صحته. وفي العلوم الاجتماعية والإنسانية تُستنبط القوانين عن طريق عمليات استقراء قبل تقديم أي تفسير أو تقنين في أي مجال من مجالات النشاط الإنساني. «مبدأ السببية» هذا يمثل المحور الأساس في إنتاج المعرفة المعملية، وهو يقوم على التسليم الفكري بوجود قوانين طبيعية تحكم الظواهر الطبيعية، وأخرى اجتماعية تحكم مجالات النشاط الإنساني. والفارق بين القوانين الطبيعية والاجتماعية أن القوانين الأولى قوانين حتمية لا تتخلف النتائج فيها عن الأسباب؛ لأن العلاقة بين السبب والنتيجة هي علاقة العلة بالمعلول. أما القوانين الاجتماعية فهي ليست قوانين حتمية صارمة لأنها قوانين ترتبط بالفعل الاجتماعي الإنساني، حيث يمثل «الاختيار» و«المبادرة الفردية» عناصر ليست لها بالضرورة قوة الحتم والاطراد الموجودة في القوانين الطبيعية. من هنا منشأ الاختلاف بين القوانين الطبيعية والقوانين الاجتماعية.
في الفكر الإسلامي الكلاسيكي تياران أساسان فيما يتصل بالقضية موضوع السؤال: التيار الديني العلمي العقلاني الذي يمثله المعتزلة وابن رشد أساسًا، والتيار الديني ذو النزعة الروحية الخالصة المتمثل في الأشعرية التي وجدت صياغتها النهائية في كتابات أبي حامد الغزالي (ت٥٠٥ﻫ) الذي جمع بين النزعة الأشعرية والنزعة الصوفية في بناء فكري واحد مستخدمًا نسق الاستدلال العقلاني الاعتزالي، ولكن بعد إفراغه من مضمونه الفكري الاعتزالي وملئه بالمضمون الأشعري. وكان الغزالي في ذلك مخلصًا أشد الإخلاص لمنهج سلفه أبي الحسن الأشعري — تلميذ المعتزلة — الذي استخدم منهج الاستدلال الاعتزالي لمعارضته والخروج عليه. ولعل هذا ما يفسر النزعة العقلانية الشكلية التي نجدها مبثوثة في كتب الأشاعرة بصفة عامة وكتابات الإمام الغزالي بصفة خاصة.
والذي يؤكد أن النزعة العقلانية عند التيار الثاني نزعة شكلانية خالصة، المنهج الذي اتبعه الغزالي في كتابين من أهم كتبه: أما الكتاب الأول فهو تهافت الفلاسفة، حيث ناهض الفكر الفلسفي وحكم بتكفير الفلاسفة في مجموعة من المسائل، وهو الكتاب الذي رد عليه ابن رشد ممثل التيار الأول بكتاب تهافت التهافت. أما الكتاب الثاني الذي يكشف عن شكلانية النزعة العقلانية عند أبي حامد الغزالي فهو كتاب فضائح الباطنية الذي كتبه استجابة لتعليمات من الخليفة «المستظهر بالله» للرد على الشيعة، الذين كان قد اشتد خطرهم على النظام ودولة الخلافة، يتصدى الغزالي بمنهج عقلاني واضح لتفنيد دعاوى الشيعة في «العلم الباطني» و«عصمة الإمام» وكون الخلافة «بالنص والتعيين» وليست بالشورى والبيعة. ولكن في الفصل الأخير من الكتاب يسند الغزالي إلى الخليفة العباسي «المستظهر بالله» تقريبًا كل الصفات التي يسندها الشيعة إلى أئمتهم، وهي الصفات التي كان كتابه كله يحاول نفيها لتأكيد مبادئ العقل والاجتهاد والشورى والبيعة … إلخ. وفي هذا التناقض يثبت لنا أن النزعة العقلانية مجرد نزعة شكلانية نفعية برجماتية وليست منهجًا أصيلًا لإبداع المعرفة.
هذا التيار الثاني — على عكس التيار الأول — ينكر علاقات «العلية» بين الظواهر، وذلك لحساب نزعة روحانية تكتفي بأن تجعل «الله» سبحانه وتعالى هو علة كل ما يحدث في العالم — الطبيعي والاجتماعي — بإرادته الشاملة وقدرته المطلقة. وعلى ذلك صاغ الغزالي مبدأ «السببية» على نحو مغاير لمفهوم «العلية»، فاكتفى بالقول إن السبب يمثل مجرد «شرط» لحدوث النتيجة، لكنه ليس «علة» للنتيجة. والفارق بين «الشرط» و«العلة» أن الشرط قد يقع وليس من المحتم أن تقع النتيجة. ولكن العلة في علاقتها بالمعلول مختلفة، فحيث توجد العلة يوجد المعلول، وحيث يوجد المعلول لا بد من البحث عن علة. وبعبارة أخرى نقول إن العلاقة بين العلة والمعلول علاقة حتمية ضرورية، وليست كذلك العلاقة بين «الشرط» وما يقع نتيجة له. من هنا يمكن للغزالي أن يقول إن النار قد تلامس الحطب ولا يحترق، لأن النار شرط لحدوث الحريق، ولكنها ليست علة وكذلك قد تلامس السكين الرقبة ملامسة ذبح، ولكن الذبح لا يقع لأن السكين شرط وليست علة. إن العلة لا بد أن ترتبط بالإرادة. وليس في عناصر الطبيعية إرادة، فلا بد من أن تكون الإرادة التي تمثل العلة هي الإرادة الإلهية. في المثالين السابقين ينظر الغزالي إلى واقعتين في التاريخ الديني — إلى قصة إبراهيم بصفة خاصة — لكنه لا ينظر إليهما بوصفهما استثناءً (معجزة) خارقة للطبيعة، بل يجعل من هذا الاستثناء قاعدة.
ولا شك في أن هذا التحليل الذي يقدمه الغزالي لمبدأ السببية ينطلق من قاعدة نفي حرية الإرادة الإنسانية نفسها في الفكر الديني عند «الجبرية» الذين قالوا إن الإنسان لا إرادة له، ولا اختيار، وإنما هو كالريشة في مهب الريح. وقد حاول الأشاعرة بتأثير المعتزلة أصحاب مبدأ حرية الإنسان في فعله لأنه هو الذي يخلقه — أن يُخفِّفوا من صرامة مبدأ «الجبر»، فَلَجئُوا إلى مقولة «الكسب» التي فحواها أن الفعل الإنساني من خلق الله ويتم بإرادته سبحانه وتعالى، ولكن الله يخلق للإنسان قدرة يكتسب بها الفعل، أي إن الله هو «الخالق» للأفعال الإنسانية، والإنسان «يكتسب» فقط هذه الأفعال. وهذا الاكتساب هو الذي يعرِّض الإنسان للثواب والعقاب ويجعلهما مبررين. في حين أن المعتزلة قالوا إن الثواب والعقاب يدل على مبدأ العدل، الإلهي، وهو مبدأ لا يقبل عقاب الإنسان على فعل لم يخلقه ويختره بإرادته الحرة.
هذا النفي لحرية الاختيار عند الإنسان، ونفي مبدأ السببية العِلِّي بين ظواهر الطبيعة — اكتفاءً بعلاقة الشرط — يتسق مع تصور كلي للألوهية وعلاقة الله سبحانه وتعالى بالعالم والإنسان. وهو تصور يعكس الرؤية الأشعرية للعالم والإنسان، وهي الرؤية التي تختزل الألوهية في مفهوم «الملكية» المطلقة، والتصرف الحر غير المقيد بأي قوانين في العالم والإنسان، وخضوع هذين الأخيرين خضوعًا جبريًّا صارمًا لإرادة لا يحكمها قانون أو دستور. الرؤية المعتزلية الرشدية مغايرة لأنها تفهم الألوهية من خلال مبدأ «العدل» الذاتي القائم على «الاستغناء» و«المغايرة» بين الله والعالم، تلك المغايرة التي تفضي إلى «التوحيد» المطلق والتنزيه الكامل من المنظور الاعتزالي الرشدي. ومبدأ «العدل» هو الذي يقيم العلاقة بين الله والعالم والإنسان، وهو مبدأ يقتضي وجود قوانين كلية هي «السنن الإلهية» في الطبيعة والعالم. وهي قوانين حتمية في الطبيعة لا تنكسر أو تُخترق إلا في حالة «المعجزات» التي هي تدخلات استثنائية لا تلغي القوانين ولكنها تؤكدها.
لكن الذي ساد في الفكر الديني المتأخر في عصور الانحطاط هو النسق الأشعري الذي أمكن استخدامه وتوظيفه بطريقة فعالة من قبل النظم السياسية الديكتاتورية الحاكمة التي جمعت بين الأوتوقراطية الشمولية والثيوقراطية الدينية في منظومة واحدة، حيث يحل الحاكم محل الله (الملك) بإرادته الحرة وقدرته المطلقة دون أن يكون ثمة قانون أو دستور ينظم علاقة الحاكم بالمحكوم. هذا إلى جانب ما تقدمه تلك الرؤية الأشعرية في أشد تطبيقاتها بؤسًا من نزع العلاقة بين الفعل ونتائجه، وبالتالي إسقاط المسئولية المباشرة عن مظالم الحكام وفساد الأمراء … إلخ. وبذلك صار هذا النسق الفكري هو «العقيدة» الدينية الصحيحة، وتم تصنيف كل ما خالفه في خانة «البدع» و«الزيغ» والضلال، بعد إقرار ذلك التصور بوصفه «عقيدة» أهل السنة والجماعة.
في سياق هذا التحليل الفكري التاريخي لأهم تيارين في الفكر الديني الإسلامي لا بد لأي مفكر — مهما كان تواضع قدره الفكري — يتناول مسألة «مبدأ السببية» أن يكون مدركًا لمغزى السؤال: الغرب يتهم المسلمين بأنهم لا يفهمون مبدأ السببية المباشرة للظواهر الطبيعية لأنهم يؤكدون أن العلة الحقيقية للظواهر كلها هي المشيئة الإلهية. ولننظر الآن ماذا كان جواب القطب الإسلامي الكبير، الكبير إداريًّا ورمزيًّا. قال فضيلته بالحرف الواحد:
«هناك سوء فهم من قِبل الغرب. وأقول نحن مسلمون نؤمن بأن الأمر كله لله؛ فالله هو الذي خلق الإنسان وخلق كل شيء وأوجده ثم علَّم الإنسان أن يأخذ الأمور بأسبابها. ألا نرى أن الله جمع بين العبادة والعمل في عبارة واحدة. «فإذا قُضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله» وفسَّر عمر بن الخطاب رضي الله عنه هذا السؤال (أي سؤال يا تُرى؟!) عندما وجد بعض الناس يقيمون في المسجد ولا يسعون إلى الرزق. فقال لهم إن السماء لا تمطر ذهبًا ولا فضة، ووجَّههم إلى أن يسعوا إلى رزقهم. أوَليس هذا أمرًا بالأخذ بالأسباب؟ (ما شاء الله يا مولانا. هذا والله فصل الخطاب في المسألة!) هذا هو مبدأ الإسلام: السعي في الأرض والسير فيها في الزراعة والتجارة. لكننا نؤمن مع الأخذ بالأسباب بأن الله سبحانه وتعالى له مشيئته وأن مالك الإنسان وعمله وكل ما فيه هو الله سبحانه وتعالى.»
يهمنا قبل أن نعلِّق على الإجابة، أن نشير إلى أن الجملة الأخيرة من الجواب تكشف إلى أي حد تقمص القطب الإسلامي الكبير النسق الفكري الأشعري. لا على أساس أنه نسق فكري، بل على أساس أنه «العقيدة» الصحيحة و«الدين» الذي أنزله الله سبحانه وتعالى. القطب الإسلامي يتقمص ذلك النسق الفكري تقمُّص العوام، أي بطريقة غير واعية، الأمر الذي يكشف عن حدود اطلاعه وقراءاته ومعرفته بالتراث الذي يُعتبر فضيلته من أهم وأخطر مرجعياته.
وإذا تأملنا الجواب نفسه هالنا مستوى السذاجة في الفهم والركاكة في الاستدلال. إن «مبدأ السببية» تحول في وعي القطب الإسلامي إلى السعي في طلب الرزق دون تكاسل أو تواكل أو توانٍ اعتمادًا على قوله تعالى وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ، أي تحول إلى مفهوم «السبوبة» — وسيلة الحصول على الرزق — في العامية المصرية. إذا كان هذا مستوى وعي واحد من النخبة التي تمثِّل أعلى مستويات ومراتب «الهيراركية» الدينية في مصر المحروسة. فأبشروا يا عباد الله من مسلمين ومسيحيين بتخلُّف يرد الجميع إلى أدنى مستوى. ولا تتعجبوا من الصبية الجهال يُفتونكم في أمر دينكم ويقيمون عليكم الحدود إنْ خالفتم اجتهادات جهلهم، فالجهل استشرى في ملكوت الله من «القمة» وليس من «القاعدة». ويتشدَّق المتشدقون بعد ذلك كله بواجب احترام الرموز وتوقير المكانة في دعوة صريحة إلى «وثنية» جديدة تقدِّس الأشخاص حين تحولهم إلى رموز. كان هذا تحليلًا لسؤال واحد وجوابه من حديث طويل، ولمَن شاء أن يستزيد أن يقرأ الحوار في المجلة المشار إليها. والسلام على مَن اتبع الهدى.