آداب الهند ولغاتها
(١) قيمة آثار الهند الأدبية القديمة
كتَبَت الهندُ، وانتهى إلينا كثير مما كتبت.
وظُنَّ، حينما أسفر بحث بعض الأوربيين في السنسكرت عن كشف النقاب عن آداب الهند المجهولة، أن عالمًا من العجائب والطرائف سيخرج من دياجير الماضي الحافل بالأسرار، وظُن، على الخصوص، أنه اكتُشف مصدر جميع الحضارات وجميع الأديان وأننا، برجوعنا إلى عنعنات عِرقنا الحقيقية، نهتدي إلى العصر الذهبي الضائع وإلى سر مصيرنا.
ولسُرعان ما فترت تلك الحماسة، فقد عُرِف أن حياة شعوب الهند القديمة وأفكارها مهما كانت انتهت هذه الشعوب، مثلما انتهينا، إلى معضلات كبيرة من غير أن تحل واحدة منها، فما كانت الكلمة الأخيرة التي تطمئن إليها نفوسنا لتأتينا من ضفاف الغَنْج، وما كان حب الاستطلاع الشديد الذي أثارته المباحث الأولى في كتب الهندوس إلا لينقلب بسرعة إلى عدم اكتراث.
ولسنا بالذين ندرس كتب الهند في هذا الفصل من حيث قيمتها الفلسفية كدرسنا ما فيها من الوثائق النافعة في البحث التاريخي ووصف الطبائع، بل نبحث فيها من الناحية الأدبية فقط.
بُولِغ في تقدير كتب الهند الأدبية في البداءة، ولم يُتحرج في تفضيلها على غُرَر آداب اليونان والرومان، والواقع أن ما في آداب الإغريق وروما القديمة من المحاسن التي تقضي بالعجب تغرينا بالإعراض عن الكتب الهندوسية، فما في شعر الإغريق والرومان ونثرهم من الترتيب والوضوح والاعتدال والانسجام والقصد الرائع الكامل يجعل الأوربي صعب المراس، فما كان مذهبنا الارتيابي الحديث إلا ليزيد مقتًا للمبالغة والإغراب، وما كان ليَسْهُل على قُرَّاءٍ هذه هي حالهم أن يُعجبوا بما وصل إليهم من آداب الهندوس الضخمة المشوشة المملة المملوءة بالخوارق.
بَيْدَ أنك تبصر، بين هذه المبالغات وهذا الغلو في الخيالات وتجسيم الموضوعات الحقيقية البسيطة والشعور الصادق الخالص وتموُّج الأهواء والعواطف، تصويرًا للروح والطبيعة بما هو طريف لامع أحيانًا، وتراني أُشبِّه، طائعًا، الآداب الهندوسية بنهر يشتمل ترابه على شُذور من التِّبر، فيجب على من يرعب في استخراج بعض هذه الشذور أن يجمع إليه عدة أمتار مكعبة من هذا الطين.
ولا نعرض على القارئ في المختارات التي ننشرها في هذا الكتاب سوى شذور من الذهب، فإذا ما استنبط منها أن جميع ما أنتجته قرائح الهند هو من نوعها غافلًا عن أن هذه النتائج تحتوي على أكداس عظيمة ثقيلة مملة فإنه يكون مخدوعًا خَدْعَ من يُخَيَّل إليه أن تراب ذلك النهر من شذور التبر فقط.
ويجب ألا يُعَدُّ هذا الفصل الذي ندرس فيه آداب الهند إلا لمحةً إلى أهم ما هو معروف منها، فعلى القارئ الذي يريد أن يكون على علم واسع في هذا المضمار أن يرجع إلى الكتب التي نشرنا مختارات منها في هذا السِّفْر، والتي ترجم الشيء الكثير منها إلى الفرنسية والإنجليزية، والقارئ إذا لم يكن عالمًا بآثار الهند، أي إذا لم يكن من المعجبين بكل ما يصدر عن السنسكرت إعجابًا تقليديًّا فإنه لا ينظر حَمِسًا إلى الآداب الهندوسية، وهو يصل مثلنا، لا ريب، إلى النتيجة القائلة إن هذه الآداب إذ كانت تلائم أدمغة الهندوس وكانت تقضي بإعجابهم الموروث منذ قرون فإنها ليست مما يقرؤه الأوربيون بشَغَف؛ لعدم ارتباطها وانسجامها، ولما فيها من المبالغة والإسهاب الممل، ولبعدها من المنطق.
وسنقتصر في المطالب الآتية على تحليل أشهر آثار الهند الأدبية بإيجاز وعلى مقتطفات قصيرة منها.
ولكي نجلو موضوعًا ذلك مدى اتساعه جلاء نسبيًّا رأينا أن نجعل عناوين تلك المطالب ما يأتي: النشائد والأشعار الدينية، القصائد الحماسية، الأمثال والأساطير، التمثيل، آثار أدبية مختلفة.
(٢) النشائد والأشعار الدينية
إذا عَدَوْتَ القصائد الحماسية الكبرى التي ندرسها في مطلب آخر رأيتَ الأدب الويديَّ الصحيح يتألف من أناشيد ورسائل دينيةٍ تعرف بالويدا.
وقد أتيح لنا فيما تقدم أن نتكلم مطولًا عن النشائد الويدية، وأن نستشهد بكثير منها، وأن نشير إلى مناحيها العامة، فعلى ما لا مراء فيه من جمال القليل منها نوافق العلامة كولبروك على رأيه القائل: «إن ما تشتمل عليه كتب الويدا لا يستحق أن يُقرأ ولا أن يترجم.» والعلامة كولبروك هذا تلقى من براهمة بنارس علم الويدا فكان من الصبر ما قرأها كلها معه، وهو الذي سُرَّ، مع ذلك، من معرفة أوروبا لها لما اشتملت عليه من المعارف ذات القيمة في تاريخ الحضارة كما ذكرنا، فهذه الكتب هي الوثائق الوحيدة التي آلت إلينا من عصر يظلُّ أمره مجهولًا بدونها لا ريب، وهذا مع إمكان جمع جميع المختارات المفيدة التي تُقتَطف من كتب الويدا في بضع صفحات.
ولا تتألف الآداب الويدية من الرِّغْ ويدا وحدها، بل تشتمل أيضًا على نشائد وأحكام وعهود، ومما قلناه إن هذه الآداب نضجت مقدارًا فمقدارًا، وإن من السخف أن يسير الباحث على غرار بعض المؤلفين فينشد فيها «انبساط القلب وصفو الطبيعة وسعيًا وراء المثل الأعلى.»
وبُدِئ بوضع كتب الويدا قبل ظهور المسيح بألف سنة، ولم تفتأ تصحَّح في أكثر من ستة قرون، وكانت قبل تدوينها، كدائرة معارف مشتركة، ينقِّحها الناشرون ويكملونها في كل استنساخ مستعينين بمساعدين جدد.
وتجد في الآداب الويدية أثرًا لهذا النشوء البطيء، ولا تجد الأجزاء التي تتألف منها متجانسة في مجموعها، وهنالك بعدٌ بين شعر بعض النشائد وأمثال السوترا الموجزة التي ذكر واضعوها لا ريب قولَ كاتب هندوسي: «إن للمؤلف أن يسرَّ إذا ما اختصر بمقدار النصف حرف علة قصير كما لو رأى نفسه قد ولد صبيًا.» والهندوس يسيئون استعمال هذه القاعدة قليلًا، مع ذلك، لا من حيث الاختصار، بل من حيث الغلو في الإسهاب الذي فيه عيبهم.
أنشودة إندرا الويدية
إندرا هو الإله المولود الأول، هو الإله المجيد الذي زَيَّن الآلهة الأخرى بأعماله، هو الإله الذي يزلزل السماء والأرض بقدرته وعظمته التي لا حد لها.
إندرا هو الإله الذي يثبت الأرض الراجفة، ويمسك السماوات ويبدد السحب العاصفة ويوسع الأجواء.
إندرا هو الإله الذي يهب الحياة لكل موجود، هو الذي يطأ أعداءه الأنذال في المغاور المظلمة، هو الذي يقبض على جثثهم كما يقبض الصائد على القنيصة.
إندرا هو الإله ذو الوجه الجليل الذي يأمر الأغنياء والفقراء بالصلاة، هو الذي يستغيث به الكاهن في أدعيته والشاعر في نشائده، هو الذي يرضى عما نهب.
إندرا هو الإله الذي يملك الجياد والحقول والعجال والمدن والمركبات المملوءة كنوزًا، هو الذي يجيء بالشمس والفجر، هو الذي يُسيل المياه.
إندرا هو الإله الذي ينصر الأمم، هو الذي يطلب المجاهدون منه العون عند القتال، هو الذي يبدو مثال الكون، هو الذي يهب الحياة للموجودات غير الحية.
إندرا هو الإله الذي لا يُظهر قوته إلا ليجازي الخبيث والكفور بلا انقطاع، هو الذي لا يعفو عن الطاغين المستهزئين، هو الذي يذبح الغيلان.
إندرا هو الإله الذي تسجد له الأرض والسماء، هو الذي ترتجف أمامه الجبال، هو الذي يرسل الصواعق.
إندرا هو الإله الذي يقبل الإراقة والقرابين والأناشيد والأدعية، هو الذي يُجير الأتقياء، هو الذي يُسَرُّ بضحايانا وهِباتنا.
أنشودة الفجر الويدية
الفجر هو الترجمان المنير للكلام المقدس، الفجر ينشر حُليَّه ليفتح لنا أبواب النهار، الفجر يضيء الكون فيُطلعنا على كنوزه، الفجر ينبه الخلائق، الفجر يدعو العالم الراقد إلى الحركة بيده القادرة، الفجر يحفز الإنسان إلى البهجة والسرور وإلى القيام بالشعائر المقدسة وإلى العمل لنيل السعادة، الفجرُ، على عكس الظلام، نبصر به كل بعيد، الفجر، ابن السماء، يبدو لنا نافعًا لامعًا مدَّثِّرًا بدثار ساطع ربًّا لكل ثراء في الأرض، الفجر ينعش بضيائه كل موجود ويبعث كل خامد، فمتى يزورنا الفجر؟ الفجر الذي ينيرنا الآن يكون كالذي جاء قبله، ويكون مثله الذي يأتي بعده، هو ينيرنا كغيره، عادوا غير أناس أولئك الذين رأوا الفجر يتلألأ كما يتلألأ اليوم، والآن حل دورنا لرؤيته، ثم يحل دور أناس آخرين يرون الفجر بعد زمن فيموتون … الفجر في حِمًى من الهرم والموت، فيتقدم ناشرًا سناءه غامرًا شواطئ السماء، الفجر إله النور وهو يبدد الظلام النحس، الفجر يُحْيي الطبيعة من فوق مركبته الرائعة التي تجرها جياد حمر، أفيقوا، إليكم روحًا جديدة تسري فينا، الظل يبتعد والنهار يقترب، فقد مهَّد الفجر الطريق التي تسير منها الشمس، هلموا إلى النور، هلموا إلى الحياة!
أنشودة الشمس الويدية
أشعة النور تُظهر العالم فتُنبِئُ بالإله الذي يعلم كل شيء، تنبئ بالشمس التي إذا ما بدت توارت النجوم كاللصوص وتبدد ظلام الليل، أشعة الشمس الساطعة كالنار تسلِّم على جميع المخلوقات، الشمس تجري وتبدو للأعين وتبعث النور ويملأ سناؤها الأجواء، وتنهض أمام كتيبة الآلهة وأمام الناس والسماء فيراها كل واحد ويعجب بها، الشمس تزكِّي وتزيل الهم بضيائها الذي يغشى الأرض المملوءة أناسًا، الشمس المشرقة تغمر السماء والأجواء وتبدع الليل والنهار وتبصر كل ذي حياة ويجر مركبتها سبعة جياد شقر، الشمس إله يرى كل شيء وتكلل الأشعة شعره الجميل … ونحن، بعد أن يزول الظلام ونرى النور الرائع، نسجد أمام ذلك الإله الذي يسطع بين جميع الآلهة، ويظهر أنضر من جميع الكواكب.
أنشودة الروح العليا الويدية
لم يكن شيءٌ فيما سَلَفَ، فلا وجود ولا عدم ولا عالم ولا سماء ولا أثير فيما خلا، فأين كان غلاف كل شيء؟ وأين كان حوض الماء وموضع الهواء إذن؟ لم يكن موت ولا خلود ولا نهار ولا ليل، والكائن وحده كان يتنفَّس من غير أن يستنشق شيئًا غارقًا في ذاته التي لم يكن شيء خارجًا عنها، وكانت الظلمات بعضها فوق بعض، ولم يكن للماء سناء فكان كل شيء ممزوجًا به، وكان عرش الكائن في الفضاء الذي يحمله، ثم برأ الكون بإرادته بعد أن نشأت فيه الرغبة التي هي أصل كل شيء، هذا ما قاله الحكماء الذين يفكرون بقلوبهم وعقولهم فينفُذُون ببصرهم الحديد كل أمر في الأعلى وفي الأسفل وفي أي مكان ما كمنت فيهم بذور اللقاح أي عظيم الأفكار، سيبقى جوهر الكائن الأعلى بعد فناء كل شيء كما كان قبل خلق كل شيء، ولكن من يعرف هذه الأسرار؟ ومن يستطيع أن يكشفها؟ ومن أين تأتي هذه الموجودات ومن أين يأتي هذا الكون؟ أراد الكائن الأعلى خلق الآلهة فبَرَأَها، ولكن من يعلم مصدر هذا الكائن الأعلى ومصدر هذا الخلق الواسع؟ …
أنشودة بَرَهْمَا لكالي داسا
المجد لك أيها الإله ذو الصور الثلاث الذي لم يكن غير ذي طبيعة واحدة قبل التكوين، فلما برأت الكون انقسمتَ إلى ثلاث صور لكي تبدو صفاتك الثلاث: القدرة والذكاء والحلم، أحسن مما كانت عليه، أيها الخالق غير المخلوق، لقد انتشر أصلك فوق الماء فصدر عنه كل متحرك وساكن، ويقدس لك لأنك بارئ كل شيء، وأنت، إذ تجلَّت عظمتك على ثلاثة وجوه، كنتَ السبب الواحد للخلق والديمومة والفناء، والعنصر المؤنث والعنصر المذكر هما أصلا طبيعتك ومنهما يبث كل موجود، قسمت الزمان إلى ليل ونهار، ويُسفر نومك وسهادك عن هلاك المخلوقات وبعثها، لا أول لك ولا آخر، وأنت أصل العالم وغايته، وكنت قبل الخلق ولم يكن شيء قبلك، ولا رب لك وأنت رب كل شيء، وأنت تعرف نفسك بنفسك، وبرأت نفسك بنفسك، وتضر نفسك بنفسك، أنت أبو الآباء وإله الآلهة ومبدع العلم وموضوعه والبصير وغاية البصر.
أنشودة آدي بُدَّهة البُدَّهِيَّة
- ١: لم يكن شيء في البداءة، وكل شيء كان فضاء، وما كانت العناصر الخمسة موجودة، هنالك بدا آدي بُدَّهة المنزه على شكل لهيب أو ضياء.
- ٢: يشتمل آدي بُدَّهة على الغونات الثلاث، وفيه يتجلى مهامورتي وويسواروبا «صورة كل شيء»، فهو بُدَّهة الكبير الذي أوجد نفسه بنفسه، هو أديناتا، هو مهيشور.
- ٣: آدي بُدَّهة هو أصل ما في العوالم الثلاثة من الموجودات، وهذه الموجودات كانت بفضله، فمنه ومن عميق تأمله انبجس الكون.
- ٤: آدي بُدَّهة موجود بنفسه، هو أسوارا، هو جمَّاع للكمال ولما لا نهاية له، هو لا أعضاء له ولا عواطف فيه، وجميع الأشياء صورته وإن لم تكن له صورة، هو شكل كل شيء وإن لم يكن له شكل.
- ٥: آدي بُدَّهة لا يُجزَّأ، ولا وجه مرئيًّا له، والألم لا
يجد إليه سبيلًا، وهو مصدر قدرته الذاتية، وهو أبديٌّ
بطبيعته، ولكنه غير أبدي في تجلياته، فتراني أسجد
أمامه.
- ٦: أدي بُدَّهة لا أول له، هو كامل، هو خالص جوهرًا، هو أصل الحكمة والفضيلة المطلقة، هو يسبُر الماضي ولا تبديل لكلماته.
- ٧: آدي بُدَّهة لا شبيه له، هو موجود في كل مكان، هو شديد البأس على الأشرار مثل الأسد الذي يهصر الظبي الوديع …
- ١١: آدي بُدَّهة ينعم على ذوات الحس بالسعادة، وهو يحب من يخدمونه، وهو يملأ بعظمته القلوب رهبة واحترامًا، وهو يكشف الكرب عن المكروبين.
- ١٢: آدي بُدَّهة حائز للفضائل العشر، وهو ينعم بها على من يمجدونه، وهو يملك بقاع السماء العشر، وهو رب العالم، وهو يملأ بوجوده السماوات.
- ١٥: هو خالق جميع البدهات وكثيرًا من البُدَّهِي ستوايات الذين يحبهم، وقد خلق العالم بمعونة برانجا ودهرما «واحد من الثالوث البُدَّهِي»، وليس له خالق، وهو مبدع الفضيلة، وهو يُعيد كل شيء إلى العدم.
(٣) القصائد الهندوسية الحماسية الكبرى
المهابهارتا
قصائد المهابهارتا العظيمة من أضخم آثار العالم الأدبية فضلًا عن آثار الهند الأدبية القديمة، وهي تشتمل على ٢١٥٠٠٠ بيت شعر مع أن الإلياذة لا تحتوي على أكثر من ١٥٠٠٠ بيت، ولا تحتوي الأوديسة على أكثر من ١٢٠٠٠ بيت، ولا تحتوي الإينئد على أكثر من ١٠٠٠٠ بيت، ويتالف من المهابهارتا خمسة عشر مجلدًا عاديًّا يبلغ مجموع صفحاتها ٧٥٠٠٠ صفحة.
وللمهابهارتا أصل أضيف إليه مع الزمن شيء كثير، فتعد المهابهارتا من عمل القرون، لا من عمل رجل واحد، وتقدَّر المدة التي انقضت بين وضع نصها الأصلي وآخر تصحيح فيها بألف سنة، ولا يمكن تحديد عمرها بالضبط، ولكن من المشكوك فيه أن يكون أحدث أقسامها قد وُضع بعد القرن الثالث من الميلاد.
وللمهابهارتا عظيمُ أهميةٍ لدى الهندوس، فقد قيل إن كتب الويدا الأربعة وُضعت في كفة ميزان وإن المهابهارتا وُضعت في الكفة الأخرى أمام الآلهة مجتمعة فرَجَحَت كفة المهابهارتا، ومما نُصَّ عليه أن قراءة ما تيسر من المهابهارتا يمحو الذنوب، والحق أن تقديس الهندوس للمهابهارتا كتقديس النصارى للكتاب المقدس وتقديسِ المسلمين للقرآن، ويعتقد الهندوس أن المهابهارتا وضعت في السماء وأن الآلهة أنعمت بها على الناس.
وعنوان المهابهارتا، أو بهارتا الكبير، تلخيصٌ «لقصة شعب بهارتا الكبرى»، وتخبر هذه القصة باصطراع الباندوا والكوروا فرعي أسرة البهارتيد القمرية التي استقرت بمدينة هستي نابورا القديمة الواقعة بالقرب من دهلي.
وتبدأ المهابهارتا بالأدعية والفواتح والأنساب، ثم تشتمل على قصة مؤلفة من استطرادات وإيضاحات وتكرارات مطولة يمل الأوربي منها، وفي المهابهارتا اختلطت الروايات بالأساطير اختلاطًا لم يفكر معه واضعوها في ربط بعض أجزائها ببعض.
وتقوم القصة على اقتتال أبناء باندو الخمسة «الباندوا» وأبناء دهري تراشترا المائة «الكوروا» وأُطِلَّ دم الباندوا، المشابهين لهركول وثيزة اللذين ذُكرا في الأساطير اليونانية، ولفرسان القرون الوسطى التائهين، فجابوا بلاد الهند وأنقذوها من الغيلان المفسدين وقاموا بغريب الأعمال، وقاتلوا عفاريت غاب الأساطير الهندوسية الراك شسا المفترسين للناس والقادرين على الظهور بمختلف الصور والسِّباحة في الأجواء، وأشد أولئك الإخوة الخمسة «الباندوا» هؤلاء هو العملاق بهيماسينا «ذو الذراعين الطويلتين والبطن الذئبي»، فقد استأصل الراك شسا الذكور وأغوى بناتهم بجماله نائلًا الجوائز في جميع مسابقات الفروسية.
وفاز أحد أولئك الإخوة الخمسة على منافسيه الكثيرين، فنال دروبدي الحسناء ابنة الملك دروبدي مُوَتِّرًا قوسًا لم يقدر إنسان على ثَنْيِه، وخرجت الآلهة من منزلها السماوي لتشهد القتال على حسب العادة، وتزوج أولئك الإخوة الخمسة بهذه الحسناء معًا، وفي هذا دليلٌ على تعدد الأزواج من الذكور في الهند في سالف الأزمان.
ولم يلبث أولئك الإخوة الخمسة أن سقطوا بعد أن بلغوا ذروة السلطة، وذلك بما اقترفه أحدهم الذي خسر كنوزه وقصوره في الميسر، والإخوة الخمسة أولئك إذ أعسروا بذلك رجعوا إلى حياة السياحة ومعهم دروبدي الحسناء، وأخذوا يتلهون بسماع ما يقصه النساك والجن عليهم من أنباء الخوارق التي لا نهاية لها، وهكذا قامت حياتهم على سماع الأساطير والقتال، ومما حدث أن بلغ أحدهم أرجُنا من البأس ما حارب به الإله شِيوا المتنكر في صورة صياد، أجل، إنه قُهِر، ولكنه اعتذر عن ذلك بأنه التزم جانب الحِمْيَة، فاقتصر على الاغتذاء بالهواء وجافِّ الأوراق واقفًا على إبهام رجله رافعًا ذراعيه طامعًا أن ينال بهذا الزهد درجة إله في السماء على رأي الهندوس، ومما يُذكر هنا أن مما يُزعج مجلس الآلهة أن يرى الناس يقومون بتوبة قاسية، وأراد أرجنا، ذلك الذي قاتل شِيوا، أن يفتن الآلهة فذهب، كأبطال دانتي، إلى السماء، وقاتل العملاق بهيماسينا «ذو الذراعين الطويلتين والبطن الذئبي» بقوة بيانٍ الثعبانَ الهائل الذي لفَّ به فلم يتركه، كما فعل أبو هول إديب، إلا إذا حل ألغازه.
ولم ينثن أولئك الإخوة الخمسة أمام تلك الأعمال المرهوبة بفضل ذُرعانهم الساحرة، فهزموا وحدهم جيشًا خرج على ملك كانوا جنودًا له كاتمين أسماءهم.
وتجد قصص أعمال البطولة ممزوجة بالخوارق في المهابهارتا، وتجد اختلاط مسائل ما بعد الطبيعة بكثرة فيها، فترى في الكتاب السادس منها، مثلًا، مباحث دينية مطولة، وفيها تبصر كرشنا الذي تجسد فيه الكائن الأعلى وِشنو يُحَدِّث في وسط المعركة أخاه أرجنا الباسل، الذي تجسد فيه وِشنو أيضًا، عن بُطلان متاع الدنيا وعن مصير المخلوقات وعن تدرجها إلى الفناء في بَرَهْمَا وعن وجوب قمع الرغبة وما إلى ذلك من النظريات القريبة من المبادئ البُدَّهِيَّة.
وأدلةٌ لاهوتيةٌ كتلك لا تمنع من ضربات السيف، فمع أن وِشنو تجسد في واحد من باندوا لم ينتصر هذا على أعدائه كوروا إلا بعد قتال هائل دام ثمانية عشر يومًا، والنصر بعد أن تم لباندوا استطاعوا أن يسيطروا بسلام، وهم عندما شعروا بدُنُوِّ أجلهم توجهوا، ومعهم زوجتهم المشتركة الفتَّانة دروبدي، إلى جبال هِمَالْيَة حيث ماتوا بالتتابع ليُرفعوا إلى مقر الآلهة الخالدة حالًا، فهنالك عُلم أن وِشنو لم يتجسد في واحد من بنداوا فقط، بل ظهر تجسد مختلف الآلهة في أعدائهم الكوروا أيضًا، فضلًا عن الإخوة الأربعة.
هذا هو الأساس الذي قام عليه ذلك الديوان الحماسي الذي لا ينضب مَعِينه، وهو، كما ترى، ذو مسحة أريستوقراطية كهنوتية، فلم يُذكر فيه سوى الآلهة والكهان والملوك، ولا تجد فيه إشارة إلى الشعب ولا إلى العامل ولا إلى التاجر، إلخ، وفي ديوان الحماسة ذلك شعرٌ رائع يمكن قياسه بأجمل الأشعار الأوميروسية، ولا ريب في أن أدبه أرقى من أدب الإلياذة والأوديسة، ولكن ما فيه من شوائب ظاهرة لا يغري الأوربي على مطالعته، فهو ينقلنا إلى بشرية بائدة تختلف عنا بتفكيرها وشعورها ونظرها إلى الأمور اختلافًا تامًّا، وهو يعرض علينا عالمًا من المبادئ الوهمية تسحر الإنسان في دور طفولته لا في دور كالدور الحاضر.
هبوط يودَّهيشتيرا إلى الجحيم
تبع يُودَّهيشيترا رسولَ السماء من العلياء بخُطًى واسعة، فياله من سقوط مشئوم! ويا لها من رحلة هائلة! ذلك هو مأوى الأرواح المجرمة الغارقة في ظلمات حالكة والمدَّثِّرة بنبات خبيث والمتنشفة رائحة الإثم الوبيء واللحم والدم، ذلك هو المأوى المملوء بالجثث والشَّعر والعظام والفاسد بالديدان والهوام، ذلك هو المأوى الذي يرمي بالشرر الملتهم وتُحَلِّق فوقه الغربان والعقبان وغيرها من الكواسر المجنَّحة التي تهبط مبتورة مهيضة فوق الجبال.
زيارة أرجُنا لجنَّة إندرا
ودع البطل الطليق من قيود الأرض أرجنا الجبلَ، وأهرع فرحًا إلى الموكب الإلهي صاعدًا في الأجواء، فوصل إلى البقاع المحرَّمة على أبناء الأرض، فوجد فيها عشرات الألوف من المركبات المنيرة بذاتها، لا بفعل الشمس والقمر وأي ضياء، والتي بلغت من البعد ما نعجز معه عن قياس حجمها والتي تبدو، لهذا البعد، مصابيح شاحبة، فدنا منها فشاهد تألُّقها وانسجامها الرائع، فمرت أمامه مئات من الملوك العادلين والحكماء الراشدين وضحايا الحرب والمعتكفين الذين فتحوا السماوات، ورأى منزل الأولياء والتائبين ذا الأزهار الجميلة الأوضاع فتنسَّم شذاها العطر، وشاهد غابة مودانا التي تنتشر جميع الغواني تحت أشجارها الخُضْر، وإن شئت فقل شاهد المأوى المعد لأفئدة المؤمنين، فلا يدخله من لا يعرفون التوبة ولا يُقرِّبون القرابين ولا يثبتون في ميدان القتال ولا يقدِّمون الضحايا ولا يميلون إلى الزهد ولا ينصتون للويدا إذا قرئت ولا يزورون الأماكن المقدسة، ولا يدخله من يستخفون بالغسل وبالصدقات ومن يجحدون بالدين ومن يسكرون ومن يزنون، ولا تُدخل مدينة إندرا قبل مجاوزة هذه الغابة الساطعة الربانية الغنَّاء.
وقفت أمام مدينة إندرا ألوف المركبات الحية وفيها مُجِّد إندرا بصوت الشعراء والغواني على حين كان النسيم ينشر أطيب رائحة، وفيها استقبلت الآلهة والسعداء فرحين ذلك المحارب ذا الذراعين المفتولين بسلام التبريك على صوت الموسيقى السماوية، فسار على الطريق ذات الكواكب وعلى درب الشموس ذوات الأنوار محاطًا بملائكة السماء والأرض والهواء وبصفوة البراهمة والملوك فوصل مكرمًا إلى حضرة رب الأرباب.
الراماينا
للراماينا مثل أهمية المهابهارتا فيُعَدُّ هذان الديوانان الحماسيان، مع كتب الويدا، أعظم ما في الآداب السنسكرتية.
والراماينا، مع أنها أقدم من الميلاد بعدة قرون لا ريب، أحدث من المهابهارتا، فكان ما فيها من التحريف أقل مما في الأخرى، وهي إذ لم تشتمل على غير ٤٨٠٠٠ بيت من الشعر فإنها أصغر من الأخرى بأربع مرات، ويعتقد الهندوس أن الإله وِشنو هو واضعها.
تقوم الراماينا على خبر الحروب التي أوقد نارها راما ليسترد زوجته سيتا الحسناء التي اختطفها الشيطان راونا ملك الجن الأشرار المقيمين بجزيرة لنكا «سيلان» والمعروفين بالراك شسا.
ومما يلاحظ أن جميع أبطال ذلك الديوان الحماسي هم ممن تجسَّدت فيهم الآلهة فبدوا من ذوي السلطان الخارق، وبدوا متقلدين سلاحًا سحريًّا قليل الخطر سهل الاستعمال، والمنطق الهندوسي إذ كان لا يبالي بهذه الدقائق إلا قليلًا فإننا لا نُسهب فيها كثيرًا، وإنما نختم المطلب ببعض المختارات المقتضبة من الراماينا.
هبوط الغَنْغَا
صعد مهيشورا فوق ذروة هِمَالْيَة فخاطب نهر الغنغا الذي يجري في الهواء قائلًا له: اهبط!
هنالك فتح الحزمة الواسعة من كل جانب محدثًا حوضًا كبيرًا شبيهًا بغار جبل، فهبط نهر الغنغا الإلهي من السماوات وألقى أمواجه بصولة فوق رأس شِيوا العظيم، فَتَاهَ على رأسه كدرًا واسعًا سريعًا عامًّا ليصف دورانه، ثم أراد بهاغي رتي إنقاذ الغَنْج فعمل على نيل الحُظوة لدى مهاديوا زوج أوما الخالد، فأجاب شِيوا دعوته فأطلق مياه الغنغا فأرخى ضفيرة من شعره فشق بها قناةً فانطلق هذا النهر الإلهي الصافي الطاهر السعيد المثلث المجاري فكان نهر الغَنْج.
حضرت هذا المنظر الآلهة والرِّشي والغاندهروا وجموع السيدها فوق مركبات مختلفة وجياد جميلة وفيول رائعة، وجاءت إلاهاتٌ سابحاتٍ، وأتى الجد أصل المخلوقات بَرَهْمَا يتلهَّى سائرًا مع النهر، فالحق أن طبقات الخالدين هذه اجتمعت هنالك لتشاهد أعظم العجائب، أي لترى نزول الغنغا إلى الدنيا.
وكان يغشى السماء سحابٌ مظلم مع تألق تلك الكتائب الخالدة الطبيعي ومع الزينة الرائعة الساطعة التي كانت مزينة بها فتنير الفلك بنور ساطع يعدل أنوار مائة شمس.
وكانت السماء محتجبة كالبروق التي تخرج من مكامنها هنا وهنالك، وكان الجو المملوء أزبادًا بيضًا كثيرة يلمع مثل لمعان البحيرة المموَّهة بالإوزِّ في أيام الخريف، وكان الماء ينزل من رأس مهاديوا إلى الأرض صاعدًا هابطًا عدة مرات كالزوابع قبل أن ينال مجرًى منتظمًا على صدر برتهوي.
رئي آنئذ أن الغرها والغنا والغاندهروا الذين يسكنون فوق صدر الأرض يكسحون مع الناغا مجرى النهر الصائل، ثم مجَّد هؤلاء الأمواج الصافية التي تجمَّعت فوق جسم شِيوا ونشروها فوقهم فتطهروا من كل دنس، وعاد إلى القصور الأثيرية أولئك الملعونون الذين سقطوا من السماء إلى الأرض فاستردوا طُهْرهم القديم بعد أن اغتسلوا في ذلك النهر، وقام الرشى الإلهيون والسيدها وأعاظم القديسين بالدعاء خافتي الصوت، وكانت الآلهة والغاندهروا يغنُّون، وكانت جماعات الأبسرا ترقص، وكانت كتائب الزهاد في حبور، وكان العالم كله غارقًا في سرور.
طلوع القمر
طلع القمر وحوله كتيبة من الكواكب، وعليه تاج من الأشعة فيغمر العوالم بأنواره الساطعة، ورأى هنومان الشهيرُ صعودَ هذا الكوكب الدري الذي ينير الشواطئ الأثيرية فيبدو أبيض من اللبن أو من ألياف السدر سابحًا في الفلك كإوزَّة فوق بحيرة، فأُعجب بأنواره اللامعة المتألقة يصبها في الأفق بين قطيع من النجوم كما لو كان ثورًا هائمًا ملتهبًا حبًّا في مُرَاح عِجَال، وأبصره وهو يطفئُ بالتدريج ما طرأ على الأرض من الحر في النهار، ويثير مياه البحر الواسع، ويُضيء جميع المخلوقات.
صيدُ راما للغزال السحري مارتجا
كان الغزال السحري مارتجا خائفًا فجاب جميع الغابة، فرآه راما ذات ساعة يركض أمامه فشد قوسه غاضبًا، فلم يكد هذا الغزال يرى راما منقضًّا حاملًا قوسه بيده حتى توارى غير مرة محاولًا ألا يراه، فكان يبدو قريبًا منه حينًا، وكان يبدو بعيدًا منه حينًا آخر.
والغزال، بين ظهورٍ وتوارٍ، استدرج راما الذي يتعقبه إلى مكان بعيد، وكان راما، الراكض وراء الغزال وقوسُه بيده فيبصره حينًا ولا يبصره حينًا آخر في الغابة الكبرى كالقمر الذي تحجبه السحب في الخريف تارة ويبدو حينما تنقشع تارة أخرى، يقول: «يقبل! أراه! يتوارى!» فيجوب جميع أجزاء تلك الغابة الواسعة.
ووصل البطل راما الذي كان يُخدع في كل ثانية إلى قُبَّة مظلة من الأعشاب الغضة، فوقف فبدا له ذلك الغزال مع غزلان أخرى ساكنةٍ قائمة بالقرب منه ناظرة إليه مذعورةً، فعزم البطل راما على إصمائه فشدَّ قوسه المتينة ووضع أحسن سهامه على وترها.
إعلان حب سيتا
جيش شِيوا
(٤) الرموز والأمثال: القصص والأساطير
ويُرى أن وضع تلك المجموعة تم في زمن قديم جدًّا، ويرى كثير من العلماء أن بعض تلك الأحاديث اقتبسه إيزوب، بَيْدَ أن الكتاب السنسكرتي الذي يشتمل عليها جُمِع في عدة أدوار ما ذُكر فيه اسم عالم فلكي عاش حوالي القرن السادس بعد ظهور المسيح.
وذاع صيت أمثال الهند وقصصها ببلاد فارس في النصف الأول من القرن السادس من الميلاد، فأرسل كسرى أنوشروان الساساني «الذي دام عهده من سنة ٥٣١ إلى سنة ٥٧٩م» عالمًا طبيبًا ليترجم البنج تنترا إلى اللغة البهلوية، وحافظ خلفاء هذا الملك على هذه الترجمة إلى أن مزق العرب دولة الفرس في سنة ٦٥٢، فلما انقضت مائة سنة على زوال تلك الدولة وجد الخليفة العباسيُّ أبو جعفر المنصور نسخة منها تفلَّتت من خراب المكتبة الفارسية فأمر بنقلها إلى العربية.
والقرون كلما مرَّت على تلك الأمثال عظُم قدرها، فتُرجمت البنج تنترا في القرن العاشر إلى الفارسية نَظْمًا، ثم نُقلت في القرن نفسه إلى التركية بأمر سليمان، وتُرجمت البنج تنترا إلى اليونانية في أواخر القرن الحادي عشر، ونُقِلت إلى العبرية فالإسبانية في القرن الثالث عشر، ونقلت إلى الألمانية في القرن الرابع عشر، وترجمها ريمون البيزياري في أوائل القرن الرابع عشر من الترجمة الإسبانية تلك إلى اللاتينية من أجل زوجة فيليب الجميل حَنَّة النَّبَرِّيَّة، ولا تجد لغةً لم يُنقل إليها هذا الأثر الخالد بشيء من الأمانة، ومثَّلت البنج تنترا دورًا مهمًّا في آداب القرون الوسطى، ومن هذه المجموعة اشتُق أكثر الأمثال الأوربية، ومنها أمثال لافونتن.
ونذكر مجموعة الهتوبديشا بجانب مجموعة البنج تنترا، وهي مثلها مشهورة وإن كانت أحدث منها كثيرًا، على أن الهتوبديشا ليست إلا نسخة جديدة من البنج تنترا مع اختصار في بعض الأمور وإضافات أمثال حديثة مقتبسة من مجموعة مجهولة قديمة جدًّا على الأرجح.
ومجموعة الهتوبديشا هذه نقلت إلى أكثر اللغات الأوربية أيضًا، وسنذكر بعض مختارات من حِكَمها في فصل آخر.
وهنالك مجموعات أخرى مشابهة لتينك المجموعتين وإن كانت دونهما شهرة، فلا نرى فائدة في ذكرها.
ويمكن القول إن كتب الهند حافلة بالقصص والأساطير، فتعد الآداب الهندوسية التاريخية أو الدينية مجموعة منها.
وعرف كثير من الأقاصيص الهندوسية في أوروبا بكتاب ألف ليلة وليلة، وتحتوي هذه المجموعة على كثير من القصص الهندوسية وإن كان معظمها من أصل عربي، غير أن ما في كتاب ألف ليلة وليلة من القصص الهندوسية بلغ من الصقل والإصلاح ما يصعب معه، في الغالب، تمييز ما هو من أصل هندوسي فيها.
وتستحق الأساطير الهندوسية، التي ملئت بها الكتب الدينية أو التاريخية، دراسةً خاصة، لا من أجل فائدتها الضئيلة على العموم، بل من أجل المعارف النفسية التي تستنبط منها عن الهندوس فيصعب على الأوربي تبينها، فلا بد من قراءة أساطير غير قليلة للوقوف على منطق الهندوسي الخاص وتطور فكره وطراز ربطه الأمور بعضها ببعض، وقد ترجمتُ في سبيل هذا الكتاب بضع أساطير نيبالية ذات مغزى، ثم وجدت أن صدره لا يتسع لها، فأُوصِي المتخصصين في آثار الهند أن يدرسوا أسطورة بيروبكشا الذي هتفت الآلهة بأنه سيتزوج أمه، كما هتفت لإديب، وبأنه لم يَسْطِع أن يتخلص مما قُدِر عليه مع ما قام به من الجهود، وأن يدرسوا أسطورة إنشاء معبد بُدَّهة بأمر أمير قتل والده خطأً، فدل ما احتوته هذه الأسطورة من التفاصيل على أن أمر القرابين البشرية كان شائعًا في الهند حينًا من الزمن، وأن يدرسوا أسطورة الرَّحَّالة سمبل الذي شاهد أصحابه الخمسمائة تفترسهم خمسمائة عفريتة في أثناء سياحته في سيلان، إلخ.
(٥) التمثيل الهندوسي
بعض الروايات الهندوسية كُتب نظمًا وبعضها كتب نثرًا على العموم، وتختلف لغة هذه الروايات باختلاف ممثِّليها، فأما أبناء الطوائف العليا فيتكلمون فيها بالسنسكرتية، وأما أبناء الطبقات الدنيا فيتكلمون فيها باللغة البراكرتية.
والأدب في تلك الروايات أرفع مما يبدو في مسارحنا الحديثة مع أنها وُضعت بلسان فاسق في بعض الأحيان، فروح الدعارة التي تسود رواياتنا تراها غير موجودة في الروايات الهندوسية تقريبًا، أجل، إن للغرام كبير شأنٍ في الروايات الهندوسية، غير أن الزواج يعقبه فيها، ومما كانت تحرمه مبادئ الهندوس الاجتماعية وَلُوع المرء بزوجات الآخرين، وللخليلات دورٌ مهم في تلك الروايات كالذي لهن في رواياتنا العصرية لا ريب، ولكنه كان لهؤلاء الخليلات من المقام العالي في المجتمع الهندوسي ما يعدل مقام أخواتهن في العالم اليوناني السابق وما هو أسمى مما لأخواتهن في الوقت الحاضر.
وروايات الهندوس، من حيث التركيب، ضعيفة ضعفًا يستوقف النظر، ففيها ضحِّي بالمجموع في سبيل التفاصيل على الدوام، وأبطالها ثرثارون على العموم، وتشعر بالتصنُّع والتكلف فيما يقولون، ومن الصعب أن تجد بين الروايات الهندوسية والروايات اليونانية وجه شبه خلافًا لما رآه بعض العلماء.
ولم ينشأ ذلك الضَّعف عن عَطَل تلك الروايات من قواعد مقررةٍ، فقد اتبع واضعوها، بالعكس، عدة أصول معقدة في إنشائها، كما يبدو ذلك في كتب كثيرة قضى العلماء المتخصصون زمنًا طويلًا في ترجمتها.
ونذكر من الروايات الهندوسية التمثيلية الكثيرة المعروفة في أوروبا ما وضعه كالي داسا الذي يُفترض أنه عاش في القرن السادس من الميلاد، ونعد من رواياته: «السحاب الرسول، وأصل الإله الفتى، وغرام بطل بأوروشي، إلخ»، وأشهر رواياته على الإطلاق هي رواية شكُنْ تلا التي ترجمت إلى أكثر من عشر لغات، والتي تجد لها عدة تراجم فرنسية، فأُعجب بها غوته ولامارتين وغيرهما من أعاظم الكتاب، وذلك في زمن خُيِّل فيه أن اكتشاف الآداب السنسكرتية فتح للإنسان آفاقًا جديدة، وعلى ما نراه من عدم استحقاق تلك الرواية؛ لما مُدحت به في البداءة نجد أن محاسن كتاب الهندوس تجلَّت فيها أكثر من تجلِّي مساوئهم، فهي، على العموم، أكثر من غيرها بساطة وأقرب إلى الصواب وأقل مبالغة، وموضوعها إنساني مؤثر وأبطالها بعيدون من التعمُّل، والكلام فيها موجز وتكاد تخلو من التعسف والمجاز، وفيها بعض فصول عاطفية رائعة.
وخلاصة تلك الرواية هي أن الملك دُشْ يَنْتَه كان يصطاد فلقي في صومعةٍ ابنةً لإلاهة وناسك اسمها شكن تلا، فأولع بها فتزوجها على الفور على حسب عادة أبطال الهندوس، وزواجٌ بسيط مثل هذا مما كانت تعترف به الشريعة موقوفًا على اعتراف الفريقين المختصَّين به، فلما قضى منها وطرًا فَتَرَ حبه لها فعاد إلى عاصمته هستي نابورا من غير أن تحزن كثيرًا كما يستنبط من صمت واضع الرواية، وهي لم تعزم على اللحاق به إلا بعد أن أبصرت أنها ستصبح أمًّا، وقد خامرها شكٌّ في أنه يعترف بها فأخذت معها الخاتم الذي وهبه لها لتثبت حقيقة أمرها، ومن المؤسف أن آذت أحد الزهاد بأن نسيت أن تجيب عن سؤاله متلهيةً، فدعا عليها فخسر الملك ذاكرته في مكانه فلم يعترف بها، وكان من نتائج هذا النسيان أن غضبت فأضاعت الخاتم في نهر، أجل، وجد الخاتم صيادٌ في بطن سمكة، بَيْدَ أن الملك لم يعترف بها فرحلت إلى حيث لم يعرف أحد، فبحث عنها زوجها الملك فلم يجدها إلا بعد بضع سنين، وما كانا ليلتقيا إلا بمعجزة مع ذلك، وبيان الأمر أن ملك السماء إندرا عجز عن قهر جيش للعفاريت فعَهد إلى الملك دُش ينته في إبادتهم، مما نتبيَّن به ما كان يُعزى إلى الآلهة والناس من الشأن، فانتصر هذا الملك عليهم فاستأصلهم فكافأه إندرا بأن وجد له زوجته وابنه، ثم تُختم الرواية بتبجيل مشوَّش قليلًا.
(٦) آثار أدبية مختلفة
إذا عَدَوْتَ التاريخَ، والتاريخُ ما عجز الهندوس عن تدوين كتاب فيه ما عَطِلُوا من مثل هذا الكتاب، لم تجد موضوعًا لم يكتبوا فيه، فقد ألفوا في الفلسفة واللاهوت والاشتراع، إلخ، عدة كتب، وألفوا، كذلك، في العلوم عدة كتب، وإن كان ما ألَّفُوه فيها هزيلًا.
ولو عددنا هذه المؤلفات لخرجنا من دائرة الإجمال، فلا نذكر منها، لذلك، غيرَ الكتب المعروفة بالبورانا؛ لِما لها من الأهمية عند الهندوس.
وتجيء كلمة البورانا بمعنى «القديم»، ويُقصد بها كتب في الديانة وُضِعَت في مختلف القرون، فقيل، بحق، إنها مستودع الأساطير الشعبية، وتشتمل، كذلك، على تاريخ أُسَر الهند المالكة القديمة الأساطيري، وفيها أكثر من ٨٠٠٠٠٠ بيت شعر، ويتألف منها ثماني عشرة دائرة معارف لا يحتمل الأوربي قراءتها.
ونذكر، عدا الكتب التي ألمعنا إليها في هذا الفصل، المؤلفات الفلسفية التي فُصِّلت في الأوبانشدا، وتكلمنا عنها حينما درسنا أمر البُدَّهِيَّة، ونعود إليها في الفصل الذي خصصناه للبحث في ديانات الهند الحاضرة، ولا نجد ما يسبق فلسفتها جرأة، ونعترف بأن الهند انتهت منذ ألفي سنة إلى كُبريات المسائل التي لم يصل إليها الغرب إلا منذ قرن واحد فلم تُحْجم عن إيجاد حل جريء لها.
ونعدُّ آثار الهندوس الفنية مهمة إلى الغاية فضلًا عن آثارهم الأدبية، ونبحث في فن عمارتهم بعد أن ندرس في المطلب المختصر الآتي لغاتها، وفنَّ عمارتها هو الذي أرى البحث فيه أهم مما في غيره وإن عُرف قليلًا حتى الآن.
(٧) لغات الهند
ليس من هدف هذا الكتاب وحدوده أن ندرس فيه لغات الهند، ولو دراسة وجيزة، وسنقتصر في هذا المطلب على المعارف الإحصائية المختصرة التي تشير إلى تنوع تلك اللغات.
يجب على الرحالة الذي يود أن يسيح في الهند، وأن يدرَك أمره في كل مكان منها أن يتعلم نحو ٢٤٠ لغة ونحو ٣٠٠ لهجة، وإذا ما أراد أن يبدو تام الثقافة في لغات الهند أن يعرف، عدا تلك اللغات وتلك اللهجات اﻟ ٥٤٠، الفارسية التي هي لغةٌ رسمية للقصور الأهلية والمجتمعات الراقية في الهندوستان، وأن يعرف البهلوية التي هي لغة المجوس، والصينية التي هي لغة المهاجرين في كلكتة، واللغات الأوربية التي يتكلم بها في الهند سكان المستعمرات الإنجليزية والبرتغالية والفرنسية، إلخ، ومما لا يفيده أن يضيف إلى تلك اللغات، المترجح عددها بين ٥٥٠ و٥٦٠، لغة السنسكرت القديمة التي تدرَّس وحدها في جامعات أوروبا على وجه التقريب؛ لأنه لا يجد في الهند رجلًا يتكلم بها.
يمكن رد لغات الهند الكثيرة إلى خمس فصائل أساسية يختلف بعضها عن بعض أكثر من اختلاف اللغات الأوربية فيما بينها، وهذه الفصائل هي: (١) اللغات الآرية. (٢) اللغات الدراويدية. (٣) اللغات الكولية. (٤) اللغات التبتية. (٥) اللغات الكهاسية.
وتشتمل الفصيلة الأولى على اللغات ذوات اللَّيِّ، وتشتمل الفصائل الثلاث التي تليها على اللغات ذوات الوصل، وتشتمل الفصيلة الخامسة على اللغات ذوات المقطع الواحد.
والناس يتكلمون، على العموم، باللغات الآرية في شمال الهند وقسم من وسطها، ويتكلمون باللغات الدراويدية في الجنوب، ويتكلمون باللغات الكولية في جهات متفرقة في الشرق الأوسط، ويتكلمون باللغات التبتية في أودية هِمَالْيَة، ويتكلمون باللغات الكهاسية في قسم من آسام.
ومن فصيلة اللغات الآرية تُعَدُّ اللغة السنسكرتية الميتة منذ زمن طويل والتي وُضعت بها كتب الهند المقدسة القديمة، ولا تجد لهذه اللغة غير شأن مشابه للغة اللاتينية في كتب العبادات الكاثوليكية، فلا يتعلمها سوى شرذمة قليلين من البراهمة.
وترجع عناية الأوربيين العظيمة بالسنسكرتية في جامعاتهم إلى عدِّهم هذه اللغة، فيما مضى، الأصل الذي اشتُقَّت منه اللغات الأوربية، بَيْدَ أن من المعلوم في هذه الأيام أن اللغات الهندية الأوربية «السنسكرتية والألمانية والسلافية واللاتينية واليونانية والزندية» هي أخوات اشتُقَّت من لغة مشتركة ضائعة في الوقت الحاضر، فعادت السنسكرتية لا تكون لغة أمًّا أكثر من أية لغة آرية أخرى كاليونانية أو الهندية أو اللاتينية مثلًا، وانحصرت فائدة الأوربيين من تعلمها في قراءتهم كتب الهند الدينية القديمة الأصلية.
وفي الهند، عدا اللهجات، ستَّ عشرة لغة آرية، والهندوستانية هي أكثر هذه اللغات الآرية انتشارًا وأجدرها بالتعليم، فهي لغة الهند الرسمية، وهي لغة الأعمال فيها، وبها تُكتب الصحف وأهم الكتب، ولا غنية لمن له علائق بالهند عن معرفتها.
والهندوستانية الكثيرة الانتشار في الهند، اليوم، هي حديثة التكوين مع ذلك، فلا يرجع تاريخ ظهورها إلى أقدم من القرن الخامس عشر، والهندوستانية مزيج من الهندية، التي هي من أصل آري فكان الناس يتكلمون بها في الهندوستان، ومن اللغتين العربية والفارسية اللتين كان مسلمو الهند يتكلمون بهما، وقواعد هذه اللغة سنسكرتية وتكتب بالحروف الفارسية «العربية» على العموم، وتعرف هذه اللغة، في الغالب، بكلمة الأردو التي تعني المعسكر؛ لأنها كانت لغة المعسكرات المغولية بدهلي، ونشأت هذه اللغة نشوءًا غريزيًّا عن صلات شعوب الهند بعضها ببعض، فعلى علماء النحو أن يدرسوها إذا ما رغبوا في معرفة نشوء اللغات وتحولها.
وأكثر اللغات الآرية شيوعًا، بعد الهندوستانية، هي الهندية التي يتكلم بها أهالي قسم من الهندوستان نفسها، والبَنْجَابية التي يتكلم بها أهالي البَنْجَاب والبنغالية التي يتكلم بها أهالي البنغال، إلخ.
ولا قرابة بين اللغات الآرية واللغات الدراويدية التي يتكلم بها سكان جنوب الهند كما ذكرنا ذلك في فصل سابق، فاللغات الدراويدية من فصيلة لغوية مستقلة، أي من اللغات ذوات الوصل المؤلفة، كما هو معروف، من أصل ثابت توصل مقاطع بأوائل كلماته وأواخرها.
وتحتوي فصيلة اللغات الدراويدية على أربع عشرة لغة وعلى عدة لهجات لكل واحدة من هذه اللغات، ويتكلم بهذه اللغات خمسون مليونًا من الناس، وأهم هذه اللغات هي التمولية التي يُتكلم بها في جنوب الهند الشرقي الممتد إلى رأس كماري والتي هي غنية بآدابها، والتيلغوية التي يتكلم بها ١٧ مليونًا من الهندوس في شرق الدَّكَن وفي بعض أملاك نظام، والكنرية والمليالمية اللتان يُتكلم بهما في الساحل الغربي، إلخ.
وفصيلة اللغات الكولية التي تتكلم بها قبائل الهند الوحشية هي عنوان ما لسكان الهند الأصليين من اللهجات قبل المغازي الأجنبية.
ولا أثر لفصيلة اللغات التبتية إلا في أودية هِمَالْيَة.
ولا يتكلم باللغات الكهاسية إلا أناس قليلون في جنوب آسام، وهذه اللغات من ذوات المقطع الواحد، أي من اللغات المؤلفة من جذر ثابت مستقل كما هو أمر اللغة الصينية.
وإليك جدولًا بأكثر لغات الهند شيوعًا على حسب الأهمية العددية، فالرقم الذي هو بحذاء كل لغة منها يدل على عدد ملايين الآدميين الذين يتكلمون بهذه اللغة أو اللهجات المشتقة منها:
مليون | |
---|---|
٨٢٫٥ | الهندوستانية |
٣٩ | البنغالية |
١٧ | التيغلوية |
١٧ | المراتهية |
١٦ | البَنْجَابية |
١٣ | التمولية |
٩٫٥ | الكجراتية |
٨٫٥ | الكنرية |
٧ | الأورية |
٥ | المليالمية |
٤ | السِّنْدهية |
٢ | الهندية |
ثبت مما قلناه آنفًا عن اختلاف لغات الهند أن شعوب الهند ليست أقل اختلافًا في لغاتها منها في عروقها، وما بين هذه الشعوب من الفروق العميقة المزدوجة إذ كان أعظم مما بين الشعوب الأوربية، لا ريب، فإنها لا كبير أمل لها في أن توفق لتأليف أمة واحدة.
هوامش
وعلى ما تراه من اختصار الخريطة التي نشرناها في أول هذا الكتاب، وعلى ما تراه من اقتصارها على الأمكنة المحتوية للمباني المهمة تجدها أكمل، من تلك الناحية، من أكثر الخرائط المفصلة، وقد بذلنا كبير جهد في تنظيمها، ومن الطبيعي أن اعتمدنا على التهجية الإنجليزية ما دامت اللغة الإنجليزية لغة الهند الرسمية، وما أُلِّف أكثر الكتب الخاصة بالهند بهذه اللغة، وقد اخترنا من تهجيات الاسم الواحد أكثرها انتشارًا وقربًا من اللفظ الدارج كما سمعناه بنفسنا.