سافو: القرن السادس ق.م.
شذرات من شعر سافو
•••
•••
•••
•••
•••
•••
•••
•••
•••
•••
•••
الصبية على المغزل
من أغاني الزفاف
•••
•••
•••
•••
•••
سافو — الشاعرة الإغريقية التي عاشت وغنَّت فيما بين القرنَين السابع والسادس قبل الميلاد — هي أول وأعظم شاعرةٍ غنائية أنجبها الغرب في فَجره الشعري المبكر قبل بداية عصر الفلسفة والعلم. اختلفَت الآراء حول تاريخ مولدها، حدَّده بعض الرُّواة والمؤرخين بالفترة الواقعة بين عامَي ٦١٠ و٥٩٨ق.م. والمرجَّح أن هذه الفترة المذكورة كانت هي فترة ازدهارها، وكان الإغريق يربطون الازدهار ببلوغ الإنسان سنَّ الأربعين وبالاحتفالات الأوليمبية، وأن الشاعرة وُلِدَت بعد سنة ٦٥٠ق.م. في مدينة إريزوس بجزيرة لسبوس، وعاشت في مدينة ميتيلينة عاصمة الجزيرة أو كُبرى مدنها في الفترة التي حكم فيها «إيلياتيس» — جد الملك الشهير كرويزوس، أو قارون عصره! — مملكة ليديا الثرية القوية المجاورة لجزيرة ليسبوس، ثم نُفِيَت — أو ربما نَفَت نفسها بنفسها! — حوالي سنة ٦٠٠ق.م. إلى جزيرة صقلية، وقضَت فترةً من الوقت في مدينة سيراقوزه (أو سراقسطة) على أثر اشتعال الاضطرابات في موطنها بعد سيطرة الطاغية الفرد ميرزيلوس على الحكم. المهم أنها عاشت وأبدعَت أغانيها العذبة وأنشدَتها أيضًا على القيثار في هذا العصر الذي يُسمِّيه البعض العصر الغنائي، تمييزًا له عن عصر العلم والفلسفة والديمقراطية الذي سيأتي بعده بحوالي قرنين كما سبق القول، وأفضِّل — مع الفيلسوف ياسبرز في كتابه المهم عن فلسفة التاريخ — أن أُسمِّيه العصر المحوري للتاريخ البشري؛ ففي هذه الفترة المحورية نفسها وُلِد بوذا في الهند البعيدة، ولاو تزو وكونفوشيوس في الصين الغامضة، وحكم نبوخذ نصر في بابل، ودعا أرميا وحزقيال إلى النبوة، وحارب بسمتيك فرعون مصر الآشوريين، واستولى كيروس (قورش) مؤسس الإمبراطورية الفارسية على السلطة، وشرع صولون الحكيم في أثينا، وراح حكماء الإغريق السبعة ينطقون بعباراتهم الخالدة عن التواضع والاعتدال والتزام الحدِّ والعفو عند المقدرة، وكل هذا في نفس الوقت الذي كانت فيه سافو تنشد أغاني الحب الصافية، وتشكو فعل الزمان والشيخوخة والحظ بأنغامها الشجية، وتزف مواكب «بناتها» إلى بيت الزوجية القريب، أو تُودِّعُهن قبل السفر إلى بيوتهن الجديدة البعيدة …
التفَّت حولها في «ميتيلينة» مجموعات من بنات الطبقة الميسورة في ذلك الوقت؛ فكانت ترعاهن وتعلمهن آداب السلوك اللائق بجانب الشعر والعزف والغناء والرقص، وتهيئهن لتحمل مسئوليات الحياة الزوجية، كما تصفِّف شعورهن، وتضع على رءوسهن أكاليل الورد والبنفسج والآس واللوتس والسنبل البري، ثم تقوم بإحياء ليالي زفافهن وإتمام كل اللمسات الفنية الضرورية التي تزيِّن العروس «الحبيبة»، وتجعلها نجمةً أجمل من كل النجوم … ولذلك يتوجَّه الخُطَّاب في قسمٍ كبير من شِعرها إلى الفتيات اللاتي أحبتْهن وأحببْنها، وإلى ربَّات الفنون وبخاصة كيبريس أو أفروديت، وذلك فضلًا عن قصائد — أو بالأحرى شذرات من قصائد — تتغنى فيها بجمال ابنتها كلايس أو تحذر فيها شقيقها من غواية الفاتنة المصرية دوريخا، التي ربما تعرَّف إليها في المستوطنة الإغريقية ناوكراتيس (وتوجد بقايا أطلالها وآثارها في محافظة البحيرة بمصر) ثم غرق في حبها ولم يفق منه أبدًا …
وإلى جانب هذه القصائد التي كانت تُنشَد على القيثارة، أبدعَت سافو أغاني الزفاف (أبيثالاميا) التي كانت تُلقيها الجوقة — برئاسة سافو في الغالب — بمناسبة خروج إحدى البنات من بيتها أو «مؤسستها التربوية والفنية» إلى بيت زوجها، وهي أغانٍ تتميز بإفادتها من الحياة الشعبية وتأثُّرها بالأدب الشعبي …
ألقَت أشعار سافو بذور الشعر الغنائي أو الوجداني في تربة التراث الغربي كله، بل طبعَت الشعر الغنائي بطابعه الذي لم يفارقه إلى اليوم: صدق التجربة الباطنية الحميمة وعمقها، وقوة العاطفة الشخصية أو الذاتية، وبساطة التعبير بلغةٍ عفوية قريبة في أكثر الأحيان من اللغة الشعبية الحيَّة المباشرة، وناطقة بكل طبقات وألوان المشاعر الإنسانية من حبٍّ وسعادة وحنين للمحبوب، وحزنٍ على الفراق، وأسًى لأفول أنوار الصبا وزحف كآبة الشيخوخة …
وقد جمعَت أشعار سافو — أو بمعنًى أدق شذراتها المتبقية التي عُثِر على بعض أوراقها البردية في حضن أرض «البهنسا» الدافئة الطيبة التي صانت عددًا كبيرًا من آيات التراث الإغريقي التي كانت مجهولة — في تسعة كتب باللهجة الأيولية التي كُتبَت ونُطقَت وجُددَت بها في الأوزان والبحور التي يُنسَب إليها واحد منها، وإن لم يصلنا منها — باستثناء قصيدتين مكتملتين إلى حدٍّ ما — سوى شذرات متفرقة تتفاوت بين السطر الواحد وعدة سطور تملؤها الفجوات التي أحدثها البلى وقسوة الزمن على الشعراء، الذين يقول عنهم شاعرٌ حديث — وهو هولدرلين الذي ظُلِم في حياته وبعد موته أيضًا: إنهم يحيَون مسالمِين كما تحيا الوردة على النور، وإنهم يعيشون على الصورة الجميلة حالمين وسعداء ومساكين (من قصيدته خبز ونبيذ، التي تجدها في كتابي المتواضع عن هولدرلين) …
تنوعَت أحكام الكُتَّاب والمؤرخين ورواياتهم وأساطيرهم حول سافو، من الإشادة بجمالها وسحر شعرها إلى حدِّ وصْفها — على لسان أفلاطون — بربة الفنون العاشرة، ومحاكاة أسلوبها وأوزانها (لدى شعراء الحب عند الرومان بوجهٍ خاصٍّ مثل كاتول وهوراس)، إلى الحديث عن المحاولات الفاشلة للشاعر الثوري المتمرد على الطغيان والمعاصر لها — وهو الكابوس — في الزواج منها، وحبها التعس لفاءون — على نحو ما ورد في قصيدةٍ لأوفيد بعنوان رسالة سافو إلى فاءون، ويأسها من هذا الحب إلى حدِّ إلقائها بنفسها في البحر من فوق صخرة ليكودية، ثم اتهامها بالحب المثلي «لبناتها» إلى حدِّ دمْغِها بالشذوذ المرَضى ووصْف ملامح وجهها وبنية جسدها بالقبح والدمامة، وإطلاق اسم جزيرتها — ليسبوس — على ذلك النوع من الحب الذي تُحرِّمه القيم والأخلاق (مهما صرَّحَت به بعض الدول الحديثة في عصرنا الملوث المضطرب!) … إلى آخر هذه الروايات التي تنحطُّ في تقديري إلى حضيض الخرافات، ولم تصمد للنقد والتحليل اللغوي والتاريخي لنصوصها الشرعية الباقية …
لقد وصف بعض الأقدمين سافو فقالوا: إنها شيء معجز، وجاء المحدثون فعبَّروا عن دهشتهم إزاء أغانيها الساحرة البسيطة، ووقفوا أمامها كما يقفون أمام لغزٍ محيِّرٍ مجهول. وتقدمَت البحوث اللغوية والتاريخية فلم يعد أحد يتحدث عن لغز ولا مجهول، وتحررَت شخصية الشاعرة من كثيرٍ مما علِق بها من خرافات وغرائب، وتبينَت ملامحها من خلال الشذرات الباقية من أشعارها فإذا هي ملامح مألوفة، تدهش القارئ ببساطتها وصدقها النادر، ولكنها تنقل إليه دقات قلب الإنسان في كل مكان وزمان، حين يملكه الشوق والحنين، وحين يفتنه الحب والجمال …
أرجو أن تكون قراءتك لهذه الشذرات القليلة بمثابة العودة إلى الأصل والمنبع، وارتياد الأرض المقدسة التي كان الشعر فيها قريبًا من الحقيقة، أو هو الحقيقة نفسها قبل أن يضِل في متاهات التصنُّع والتعقيد والتجديد واستعراض القدرة على التجريب واللعب والعبث والإبهار … وإذا شئتَ المزيد من هذه الشذرات فارجع إلى كتابي عن سافو، دار المعارف بالقاهرة، ١٩٦٦م.
وأرجو في النهاية أن تلاحظ أن كل السطور أو الأبيات التي وُضِعَت بين قوسين هي زيادةٌ مني، إما لتوضيح النص الأصلي، أو لدواعي الوزن والتقفية، ولذلك تقع مسئوليتها — في نصوص سافو أو غيرها من الشعراء — عليَّ أنا وحدي …