البوح بالسر

حب الحكمة، حكمة الحب. هل تخرج الفلسفة عن اسمها الأصلي. وهو اسم مركب رغم واحديته، وفرادته كونه يجمع النقيضَين، ويريد أن يفترض لقاءهما، وأنه لقائي بدني، ومنذ البدء؛ فالحب هو نفسه، وهو حب الحكمة معًا. والعبارة الثانية كأنها تأتي شرطية؛ فالحب لا يكون ذاته إلا إذا كان موضوعه الحكمة. وإن الحكمة لا طريق إليها إلا الحب. وعندما يكون الأمر كذلك معنى هذا أن الحب ليس طريقًا واحدًا، بل هو ينبوع من سبل الانفعالات والعواطف، ومن دروب الشغف والهيجان. فالحب كثير؛ وبالتالي ليست الحكمة إلا حصيلة الطريق الذي أدى إليها؛ فهي كذلك كثير. والحب لا متناهٍ مليء بالمتناهيات، والحكمة شمول غنية بالمتغيرات. وكلاهما اسمان للكلي، لكنه الكلي الحي. وذلك هو امتيازهما عن الكلي الغيبي أو المجرد. ولعلهما أخص ما يخص الإنسان في آنٍ معًا؛ فهو الكائن الجسدي الروحي، الجسدي الثقافي، الجسدي التاريخي. فلا يكون الإنسان بدون الشغف، ولا يكون بدون الوعي.

والفلسفة هي التي تطوق، من دون بقية العلوم، إلى اسمها كلما ابتعدت بها نزوات غريبة عنها. واللحظة الراهنة تشكل ارتدادًا مليئًا بالصخب والشغف للعودة معًا. تتشبَّث باسمها من جديد، كخشبة خلاص. تعاود التفكر في التباسيتها الأصلية. تعاود اكتشاف طرافة اللقاء بين الحب والفكر، وكأنه اللقاء الأول. وتعجب من نفسها كيف أنها تنسى أحيانًا حتى اسمها. وإذ تتوقَّف عند الاسم من جديد، تصاب بالدهشة كمن يكتشف أن أقرب حقيقة إليه وهي جسده، تسميته، ومع ذلك يسلك سلوك إنكارها. ويعتريها الغضب من غباوتها، وسذاجتها؛ إذ كيف ترضى عن هذا الاسم بأسماء أخرى تنهال عليها من ذلك المذهب أو ذاك، أو هذه الأيديولوجيا أو تلك. أليست هي محبة الحكمة؟ ومن يمكنه أن يصنف هذا الحب ويغلق أبوابه، أو تلك الحكمة ويجمدها في تعريفات معينة. فما هو أشمل من الحب إلا الفكر. وما هو أعمق من الفكر إلا الحب. ولو حافظ الفيلسوف على تأمُّله في اسم الفلسفة، فحسب، ألا يكفيه غنًى عن إنشاء أية استراتيجية أخرى، لا تذكر الاسم الأصلي، ولكن تجدد موضوعاته بلا حدود.

وما التفلسف اليوم إلا أن يقصَّ علينا الفيلسوف طريقته الخاصة في اكتشافه لتجسده هو في الحب والحقيقة معًا، أو فيما يحسبهما كذلك. وكل قصة حب إنما تفتح كوَّة جديدة على الحكمة، وكل كلمة تنجح وتؤثر كلما سردت علينا قصة الحب التي كشفتها لذاتها كفكرة، كحكمة تصح أن تلقى على المنابر، لكن دون منابر ولا جمهور. فأن يحكي الصديق قصة حب، ذلك حقه في البوح، وحقنا عليه في مشاركته لفرحه السري؛ فكيف الأمر بالنسبة لفيلسوف وهو يحسب أنه في معاناته وممارسته لحبه وحقيقته، إنما يثبت للجميع حقهم في الحب والحقيقة، كدليل لإمكان آخر في الحياة: سُكنى العالم شعريًّا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٥