الفصل الثامن

التشكيلات

يجد المخرج عادةً أنه من الأوفق له أن يخطط أفعال المسرحية في سلسلة من التشكيلات أو اللوحات كصور الأفلام الهزلية (انظر شكل ٥-١). وكلما تقدمت «البروفات» اندمجت التشكيلات بعضها في بعض مع الحركة حتى تصبح وحدة متصلة لا انفصال في مفرداتها وجزءًا لا يتجزأ من انسيابية المسرحية. ويجب أن يعبر كل تشكيل عن الموقف الذي يمثله بوضوح لكي يتمكن النظارة من متابعة الخيوط الرئيسية للمسرحية حتى ولو فاتتهم بعض ألفاظها (تذكر السيدة العجوز الصماء). لاحظ أن كل تشكيل في شكل ٥-١ يمثل الكلمات التي يمكن أن تُستعمل في التعبير عن الموقف تمثيلًا مطابقًا. فالشخص أ (رقم ١) «يجد ب، ﺟ معًا»، وفي رقم ٢ «يواجه» ﺟ الشخص أ، في حين «تتراجع» ب خلف ﺟ، وهكذا … فإذا كان لديك مشهد «تتدخل» فيه «امرأة أخرى» بين البطل والبطلة، فرَتِّب التشكيل بحيث تتدخل بينهما فعلًا. وإذا كان هناك شخصان في «طرفَي النقيض» من مسألة ما، فحاول أن تجد شيئًا يرمز إلى هذه المسألة، ثم ضع الشخصين على طرفيه المتقابلين. ومهما غاليت أو أوضحت في الرمز فلن تكون فعاليًّا أو موضحًا أكثر من اللازم بالنسبة للسيدة العجوز الصماء الجالسة في الصف الخلفي، على شرط إيجاد الدافع المناسب لموضعَي الشخصين.

(١) آلية الفعل

يُشترط في التشكيل أن يتناسب والآلية الأساسية للفعل. فإذا أراد عاشقان أن يجتمعا في قبلة، فلا ينبغي أن يكونا على جانبين متقابلين من المسرح. وإذا كان على شخص أن يعزف على البيانو، وجب أن يسمح له التشكيل بالجلوس على كرسي البيانو. وإذا كان على شخص أن يلقي جملته الأخيرة ثم يخرج، لزم أن يقف بقرب الباب ليتحاشى فترة صمت قد تكون غير مستحبة وهو يجتاز الطريق إلى الباب. إن احتياجات الآلية التي من هذا القبيل حيوية رغم أنها كثيرًا ما تتضارب مع العوامل الأخرى الواجب مراعاتها في تنسيق التشكيلات.

(٢) اختيار المناطق

لكل منطقة من مناطق المسرح خصائصها (انظر شكل ٢-٣)، وتؤثر هذه الخصائص، إلى حد ما، في المشاهد التي تُمثَّل في مناطقها، بدرجة قد تبدو عجيبة في أول الأمر، ولكن من السهل ملاحظتها إذا ما وجهت إليها. وبقدر ما تسمح آلية الفعل، ينبغي تنسيق كل تشكيل في المنطقة التي تصلح أكثر من غيرها لإبراز مميزاته الجوهرية.

(٢-١) خصائص المناطق qualities of each area

  • (١)
    تختلف مناطق المسرح في قوتها الكامنة من اليمين إلى اليسار (انظر شكل ٢-٣). وهذا يعني أنه إذا وقف شخصان في ناحيتين متقابلتين، فمع فرض تعادل العناصر الأخرى، يكون الشخص الواقف في المنطقة اليمنى أقوى من الواقف في منطقة الوسط أو اليسار.
  • (٢)

    مناطق أعلى المسرح نائية عن المتفرجين؛ وبذا تكون فاترة وبعيدة.

  • (٣)

    المناطق القريبة من حوائط المنظر رقيقة وتتسم بالألفة، بينما أسفل الوسط الذي يُعتبر منعزلًا عن المنظر يتسم بالخشونة.

fig25
شكل ٨-١: «ماضي بوميروي»، المسرح البلدي بهاريسبورج، بنسيلفانيا: من تصميم هيننج نيلمز: يجب تحاشي التماثل الواضح حتى ولو كان في أبسط التشكيلات إلا إذا تطلبه أسلوب المسرحية. لاحظ تنوع المسافات بين الأشخاص. ويعتمد نجاح هذا التشكيل على كون السيدة الجالسة على الأريكة تتجه بركبتَيها في ناحية، وتدير رأسها في ناحية أخرى. فهذا الوضع يجعلها حلقة اتصال بين الفتاة الواقفة على يمين المسرح وبقية الشخصيات. لاحظ أيضًا التقابل بين الشخصيات في النوع والحجم.
(انظر رقم ١ في شكل ١٦-٣.)

(٤) المناطق اليسرى أشد فتورًا من اليمنى لسبب ما، وكثيرًا ما توحي بشيء من الكآبة.

فإذا نظرنا بعين الاعتبار إلى جميع هذه العناصر، كان لمناطق المسرح الخصائص الآتية:

  • أعلى اليسار: رقيق وناءٍ وضعيف، ويُستعمل للمشاهد غير الهامة. وهو أكثر ملاءمة للمشاهد المروعة لأنه يخفف من حدة الذعر، وكذلك لمشاهد الأشباح إذ يضفي عليها صفات عالم غير هذا العالم.
  • أعلى اليمين: يشبه أعلى اليسار ولكنه أقوى، ولا يلائم مشاهد الفزع والأشباح بدرجة المنطقة السابقة. وكثيرًا ما تُمثَّل فيه المشاهد القليلة الأهمية.
  • أسفل اليمين: أليف ودافئ وقوي، وملائم جدًّا لمشاهد الحب، ومشاهد العطف والإنسانية. وغالبًا ما توضع فيه المدافئ؛ لما فيه من إيحاء قوي ﺑ «الاستئناس».
  • أسفل اليسار: أليف كالمنطقة السابقة، ولكنه أضعف وأكثر فتورًا. ويُستعمل في مشاهد الحب الثانوية، ويناسب بصفة خاصة مشاهدَ الأسرار والفضائح والغيرة والمؤامرات.
  • أعلى الوسط: بعيد وفاتر، ولكنه قوي. وهو منطقة جيدة جدًّا لبدء المشاهد الهامة التي سوف تنتقل فيما بعد إلى أسفل المسرح.
  • أسفل الوسط: قوي وفاتر، وعارٍ، ويتوافر له التأكيد. يُستعمل للمشاهد التي تتقابل فيها قوى المسرحية وجهًا لوجه. ويجب أن يقتصر استعماله على هذا الغرض.

ويمكن موازنة الخصائص الطبيعية بعناصر أخرى. فمثلًا تعمل المنصات في أعلى اليسار أو أعلى اليمين على زيادة القوة والتأكيد في هاتين المنطقتين.

وإذا ما شغلنا عددًا من هذه المناطق، فإننا نهتم فقط بالمناطق التي يقف فيها أشخاص المسرحية الرئيسيون. وإذا شغل الأشخاص الرئيسيون منطقتين أو أكثر، ضعف تأثير كل منطقة منها لدرجة يمكن معها إهماله.

(٣) العلاقات

يجب أن تبين التشكيلات علاقة كل شخص بالآخر، وكذا علاقته بكل جسم رمزي على المسرح. وعلاوةً على ذلك فيجب مراعاة تركيز خطوط التوجيه المختلفة بطريقة تجعل عيون المتفرجين تتجه تلقائيًّا نحو مركز الاهتمام. ويمكن إحداث ذلك في التشكيلات الصغرى عادةً بأن ينظر الأشخاص الصامتون إلى وجه المتكلم أو إلى أي نقطة هامة أخرى. غير أن الوتيرة الواحدة تتجلى في هذه الطريقة إذا كان التشكيل كبيرًا، وعلى ذلك يجب أن يشيح شخص أو اثنان بوجهَيهما عن مركز الاهتمام، فينظرا إلى الأشخاص المتجهين بأبصارهم نحو ذلك المركز. ومن المستقبَح عادةً أن يبتعد شخص ببصره كليةً عن المجموعة، كما تفعل الفتاة الواقفة على يسار المسرح في شكل ٥-٢. فإذا حجبت الفتاة بإصبعك ونظرت إلى الشكل وجدته عظيم التأثير جذابًا … ونرى في ذلك الشكل أن كل شخص ينظر إلى الرجل الواقف، ما عدا الشخص الجالس على الأريكة فإنه ينظر نحو الرجل الجالس في القسم الأيمن القريب الذي ينظر بدوره إلى الشخص الواقف. وبهذه الطريقة يوجه نظر الجمهور نحو مركز الاهتمام إن هو تحول بعيدًا عنه.
وإذا كان مركز الاهتمام خارج المسرح، فيمكن جذبه إلى المسرح بأن ينظر إليه شخص من أشخاص المسرحية، كما نشاهد في شكل ٥-٢؛ إذ تنظر الفتاة الواقفة على يسار المسرح خلال الباب الجانبي إلى خارج المسرح. وفي مثل هذه الحال، إما:
  • (١)

    أن يركز كل فرد بصره على الشخص المتجه بنظره إلى خارج المسرح. أو:

  • (٢)

    ألا يكون هناك مركز للاهتمام بين المجموعة.

ومن الأمور السيئة الأثر دائمًا، وجود مركزي اهتمام في وقت واحد؛ إذ لا يستطيع المتفرجون أن يلتفتوا إلا إلى نقطة واحدة في أية لحظة.

(٤) التأكيد في التشكيلات

توزيع التأكيد (انظر [الفصل الخامس: التعبير عن القيم – القيم العقلية])، عنصر هام جدًّا في التشكيلات. وهناك صورة كثيرة من التأكيد يمكن استعمالها في هذا المجال. وقد يساعد بعض هذه الصور بعضها الآخر، وقد يتضارب معه، ووظيفة المخرج هي أن يُحدث توازنًا فيما بينها حتى يحصل على النتيجة التي يريدها.

(٤-١) التأكيد بالمناطق emphasis of area

يلقى الشخص الواقف في منطقة أعلى اليسار أقل اهتمام من النظارة. أما الواقف أعلى اليمين فأكثر تأكيدًا، ويليه الواقف أسفل اليسار. وأما أعلى الوسط وأسفل اليمين فمتعادلان تقريبًا. ويُعتبر أسفل الوسط أكثر مناطق المسرح تأكيدًا.

(٤-٢) العلاقة بالنظارة relationship to audience

كلما كانت علاقة أحد أشخاص المسرحية بالنظارة وثيقة، زاد اهتمامهم به. ويمكن الحصول على هذه العلاقة بالوسائل الآتية:

  • (١)

    الاقتراب من النظارة.

  • (٢)

    الاستدارة نحو النظارة.

والاستدارة أعظم تأثيرًا من الاقتراب. ففي رقم ٤ بشكل ٢-٦، نجد كلًّا من الشخصيتين تصنع نفس الزاوية مع النظارة؛ ولذا كانت السيدة أكثر تأكيدًا لأنها في أسفل المسرح. ورغم ذلك فعادةً ما تضطر الواقعية الشخص الواقف أسفل المسرح إلى أن يستدير نحو الشخص الواقف أعلاه، كما في رقم ٣ بنفس الشكل. وهنا نجد الرجل أكثر تأكيدًا لأنه يواجه الجمهور تقريبًا، على حين لا تواجههم السيدة إلا بجانب وجهها. ورقم ٢ شكل ١٤-٧ يبين ترتيب التأكيد النسبي للزوايا التي يصنعها الممثلون مع المحور الرأسي. فنجد الشخص «و» أكثر تأكيدًا من الشخص «ح»؛ لأن الممثل يتجه بالعرض أعلى محور المسرح. ويُسمى الاتجاه نحو النظارة ﺑ «الاستدارة إلى الخارج»؛ أي خارج نطاق خشبة المسرح، والاتجاه بعيدًا عنهم ﺑ «الاستدارة إلى الداخل» Turning in؛ أي داخل نطاق خشبة المسرح.
تستطيع أية شخصية في المسرحية أن تنقص علاقتها بالجمهور؛ إما بالاتجاه بعيدًا عنهم، وإما بإمالة الرأس إلى فوق أو إلى تحت (انظر رقم ١ بشكل ١٤-٧). فأقوى أثر للوضع (ﺟ) هو عندما ينظر الممثل إلى «البلكون» (إن كان بصالة المسرح بلكون)، أو إلى نحو ثلاث أقدام فوق رءوس الصف الخلفي للنظارة إذا كانت صالة المسرح مكوَّنة من طابق واحد.

(٤-٣) الارتفاع elevation

علو رأس الشخصية يزيد من تأكيدها. ويوضح الصف الثالث من شكل ٦-١ كيف ترتفع درجة التأكيد بارتفاع قامة الممثل.

(٤-٤) العزلة isolation

نحصل على صورة قوية من صور المقابلة إذا عزلنا شخصًا ما عما يحيط به من أشياء. ويرجع بعض قوة التأكيد في منطقة أسفل الوسط إلى عزلتها عن حوائط المنظر. ويمكن عزل شخص بوضعه وحده وتكتيل الآخرين في مجموعة أو مجموعتين، ومع ذلك فلا ينبغي الإقدام على هذا العمل إلا إذا رأينا العلاقات بين أشخاص المسرحية.

لا تتبع طريقة إيثيل باريمور Ethel Barrymore في الحصول على التأكيد بالعزلة في مشهد وفاة، بجعل أقرباء المحتضر الحزانى يتجنبون الناحية كما لو كانت مريضة بالجدري.

وكذلك يمكن العزل بفصل الشخص عما يحيط به بوساطة إطار، كباب في الحائط الخلفي للمنظر مثلًا.

(٤-٥) الألوان colors

تميل الألوان الخفيفة الزاهية إلى زيادة التأكيد أكثر من القاتمة والدكناء.

(٤-٦) الحجم size

ضخام الأجسام أكثر تأكيدًا من النحاف. وذات مرة استبدلت ممثلًا ضخمًا بآخر أقل منه بنية، فانقلب تأكيد المسرحية كله رأسًا على عقب.

(٤-٧) التقوية support

قد يحصل شخصٌ وسط تشكيل ما على التأكيد، لا عن طريق التقابل فحسب، بل وعن طريق التقوية أيضًا. فإذا ركَّز أفراد تشكيل ما أبصارهم على مركز الاهتمام الرئيسي، أمدُّوه بقوة تعمل على تأكيده وإبرازه. وهذا النوع من التأكيد ذو فائدة عظمى في تحويل انتباه النظارة بسرعة من موضع إلى آخر.

(٤-٨) التكرار repetition

يكون الشخص الواقف في فتحة باب محملًا بالتأكيد، ليس فقط لأنه محاط بإطار، ولكن لأن امتداد جسمه يتكرر في خطوط قوائم الباب. ويمكن إحداث مثل هذا التأثير بطريق التكرار بأن يتبع أحدَ الضباط حارس أو حارسان.

(٤-٩) الحجم المستعار borrowed size

قد نزيد في حجم شخص بأن نربط بينه وبين شخص آخر. فعندما يتكئ شخص على قطعة أثاث، أو حتى يلمسها، فإنه يضيف التأكيد المنبعث من حجمها إلى حجمه (لاحظ الشخص الأوسط في شكل ٥-٢). وهذه الزيادة في تأثير الحجم تعوض ما قد يُفقد بسبب العزل.

(٥) التغطية

إذا اختفى شخص أو شيء وراء آخر قيل إنه «تغطَّى»، وعادةً يفقد الشيء المغطى قوة تأكيده. ويلجأ المخرج في بعض الأحوال إلى تغطية الأشياء عمدًا عن النظارة، كتغطية أثر السكين أو الخنجر في حالة القتل؛ لكيلا يلحظ المتفرجون أن الجرح غير حقيقي، أو لتخفيف أثر الذعر.

عندما يتكلم الممثل، فعادةً تكون شفتاه مركز الاهتمام، ويجب أن تظهر حتى ولو كان يأكل أو يشرب أو يدخن أو ينتحب أو يتكلم في التليفون أو يتعانق. وفي مثل هذه الحالات، قد يغطي الممثل فمه في فترات الصمت على أن يُظهره عند الكلام، أو يتخذ وضعًا يجعل الفم ظاهرًا (كما في شكل ٨-٤).
والممثل الذي يستدير بعيدًا عن المتفرجين بزاوية تزيد على ٩٠° يتغطى وجهه على الفور. وإذا كان يتكلم في الوضع الموضح في و، ح (شكل ١٤-٧) قيل إنه «يتكلم صوب أعلى المسرح». وإذا تكلم في أي وضع آخر قيل إنه «يتكلم صوب أسفل المسرح». وللكلام صوب أعلى المسرح عدةُ مساوئ، أهمها:
  • (١)

    يكتم الصوت لدرجة تستلزم زيادة الإيضاح في النطق حتى يكون الكلام مفهومًا.

  • (٢)

    إذا لم يبصر النظارة شفتَي المتكلم عسر عليهم تحديد المتكلم.

  • (٣)

    عندما يدير الممثل ظهره يفقد قوة تأكيده في الوقت الذي يكون في أشد الحاجة إليها.

وليست هذه المساوئ خطيرة عندما تكون الأفعال تكرارًا للألفاظ؛ فمثلًا يقول الممثل: «تفضل سيجارة»، ويمد يده في نفس الوقت بعلبة السجاير … والكلام صوب أعلى المسرح مفيد عمليًّا إذا لم يكن من المتوقع أن يفهم النظارة معنى الألفاظ، أو كانت مما لا يهمهم أمرها. ويحصل هذا في هتافات الجماهير، أو عندما يكون المتكلم في سَورة غضب، أو يتكلم بلغة أجنبية، أو يكرر عباراته عدة مرات.

(٥-١) التغطية – (أ) دافع الاستدارة إلى أعلى

في أغلب المواقف، تكون المشاكل التي تترتب على الكلام صوب أعلى المسرح عسيرة، لدرجة أنه يكون من الأوفق عمل الترتيب اللازم لكي يلقي الممثل كلامه صوب أسفل المسرح (على الأقل في وضع جانبي). وتنحصر الصعوبة هنا في إيجاد الدافع لاستدارة الممثل نحو أسفل المسرح، أو التغلب على باعث طبيعي لدى الشخصية للاتجاه نحو أعلى المسرح. ويكون هذا بإحدى الوسائل المذكورة بعد. ومثل هذه المشاكل شائعة الحدوث، فيجب على كلٍّ من الممثل والمخرج أن يعرف كيف يتصرف فيها.

إيجاد الدافع عن طريق التشكيل grouping for motivation

صمم تشكيلاتك، بقدر الإمكان، وأنت تفكر في الدوافع. ومعنى هذا أن يكون كل متكلم قريبًا من أعلى المسرح بالقدر الذي عليه محدثه. وإذا كان على شخص أن يقول أغلب كلمات المشهد، وجب أن يتاح له موضع في أعلى المسرح (انظر رقم ٣ شكل ٨-٢). وإذا تساوى شخصان في مقدار الحوار، وجب أن يكونا على نفس المحور المستعرض (انظر ب في شكل ١٦-١).

مخاطبة الشخصية السفلى على المسرح speaking to character farthest downstage

عندما يُوجَّه الكلام إلى فرد في مجموعة، أو إلى المجموعة بأسرها، ينبغي للمتحدث أن يواجه الشخصية التي تكون أكثر اقترابًا من أسفل المسرح. وعلى هذا الأساس، يجب أن تعتبر الأشياء المتخيَّلة التي تواجهها الشخصية خارج المسرح قريبة من المقدمة بالقدر الذي يسمح للمتحدث بالاستدارة صوب الجمهور (كما في رقم ٧ شكل ١٦-١).

الاستدارة بعيدًا turning away

يلجأ مَن يجرح شعوره، ومن يلحقه خزي أو خجل، إلى إدارة ظهره لمن يتحدث إليه. فإذا وُضع أمثال أولئك الأشخاص أسفل المسرح، استطاعت المجموعة كلها أن تستدير صوب المتفرجين (كما في رقم ٥ شكل ٥-١).

الدوافع المضادة counter motivation

إذا كان هناك ما يحفز شخصًا إلى الاتجاه نحو أعلى المسرح، فكثيرًا ما يعمل على إيجاد دافع آخر يتغلب على الدافع الأول ويسمح للممثل بالاتجاه صوب المتفرجين. ولذلك عدة طرق؛ منها أن يستلقي الشخص أو يجلس في وضع يجعل الاستدارة صوب أعلى المسرح أمرًا يتطلب مشقة لا تتناسب مع الموقف (انظر الفتاة الجالسة إلى المكتب في رقم ٥ شكل ١٤-٨)، أو تكليف المتحدث بعمل شيء يضطره إلى الاتجاه نحو المتفرجين، وأقل عمل تافه يفي بهذا الغرض، كأن تضع سيدة حقيبتها على الأرض في الجانب السفلي من مقعدها ثم تميل إليها وتعبث بمحتوياتها.
والعبارات الكوميدية أعظم أثرًا إذا أُلقيت في مواجهة النظارة مباشرةً. ويمكن أن تضفي على هذه صبغة طبيعية بإيجاد عاملين دافعين، واحد على كلٍّ من جانبَي المتكلم. ففي رقم ٤ شكل ٥-١ يمكن أن تدير الفتاة ظهرها للشخص ج وتواجه أ. وبالتمرين على ذلك جيدًا يمكنها أن تعمل ترتيبها في أن تواجه النظارة وهي تنطق بالعبارة المضحكة.

المراوغة steals

عندما يتحدث ممثل إلى آخر يقف أعلى المسرح ولو إلى مسافة قليلة، فإنه لا ينظر إلى المخاطب مباشرةً، بل يتجه قبالته في محور أفقي (كما في حالة القاضي الذي يخاطب الشاهدة في شكل ٨-٣). فالفرق في الزاوية طفيف جدًّا لدرجة أن النظارة لا يلحظون تلك المراوغة. ويكون الأثر أعظم لو أمال المتحدث رأسه نحو أعلى المسرح. فكثير من الناس في الحياة الحقيقية، يميلون برءوسهم فعلًا بدلًا من إدارتها (انظر رقم ٦ شكل ٨-٤).
fig26
شكل ٨-٢
fig27
شكل ٨-٣: ٥- طريقة تنسيق قاعة المحكمة (المنظر الأمامي في رقم ٤ شكل ١٦-١).
fig28
شكل ٨-٤

(٦) بعض مشاكل التشكيلات

للتشكيلات بضع مشاكل مستعصية كثيرة الحدوث لدرجة توجب على المخرج والممثل ومصمم المناظر الإلمام بوسائل حلها.

(٦-١) الجلوس إلى المناضد seating at tables

يوضح رقم ١ شكل ٨-٢ كيفية إجلاس أربعة أشخاص إلى مائدة مستديرة. وإذا كان جلوسهم إلى مائدة مربعة فغالبًا ما يكون من الضروري إمالتها في وضع منحرف كما في رقم ٢. والمائدة المستطيلة أكثر ملاءمة للمسرح من المربعة.
وعندما يجلس عدد من الناس إلى نضد مستطيل، كما في قاعة المحكمة، في مسرحية سيدات هيئة المحلفين (شكل ٨-٥)، لا يمكن الإفادة من وضع النضد منحرفًا، بل يلجأ إلى وسائل أخرى؛ منها:
  • (١)

    إذا كان عدد الأشخاص فرديًّا، فأجلسْه في الجانب القريب من أعلى المسرح.

  • (٢)

    أجلسْ أهم الأشخاص إلى الطرف الأيمن ومن يليه أهمية إلى الطرف الأيسر. أما بقية الأشخاص فيجلسون حسب أحجامهم وأهميتهم. فصغار الأحجام والقليلو الأهمية يجلسون في الناحية القريبة من أسفل المسرح، ويجلس ضخامهم والمهمون منهم في الناحية القريبة من أعلى المسرح، كما توضع وسائد على مقاعدهم لزيادة ارتفاعهم.

  • (٣)

    اترك مقاعد الجانب القريب من أسفل المسرح خالية بقدر الإمكان، ولا سيما المقعد الذي يواجه محدثًا أعلى المسرح. وعادةً يمكن إيجاد الدوافع لتأخير جلوس شخص في الجانب القريب من أسفل المسرح أو جعله يغادر مجلسه.

  • (٤)

    يجب على الأشخاص الجالسين في أعلى المسرح وأسفله أن ينهضوا للحديث كلما سمحت لهم الظروف. وعلى المتحدثين أسفل المسرح أن يوجهوا كلامهم إلى مَن في أسفل المسرح مثلهم، أو إلى الشخص الجالس في نهاية النضد.

  • (٥)

    عندما ينهض شخص في أعلى المسرح للكلام، يجب على الشخص الجالس أمامه أن ينحني ليكتب مذكرة أو ليلتقط شيئًا من الأرض.

(٦-٢) جلوس شخصين على أريكة two characters on sofa

عندما يجلس شخصان على أريكة تتجه بين أعلى المسرح وأسفله، فإن من يقوم بأكثر الحديث منهما يجلس في الطرف الواقع أعلى المسرح، ويكون جلوسه على طرف الأريكة أو حافتها، في حين يجلس الآخر إلى داخل الأريكة ويسند ظهره إليها (كما في رقم ٣ شكل ٨-٢).

(٦-٣) الشخصيات الهامة بدون كلام important character without lines

وقد يكون على شخص هام في مشهدٍ ما ألا يقول سوى بضعة أسطر قلائل، أو لا يتكلم إطلاقًا. وأبسط حل لهذا الموقف هو وضع ذلك الشخص في وسط المجموعة. فعندما ينتقل انتباه النظارة من أحد المتكلمين إلى الآخر، فإن بعض الانتباه يسقط عليه. وإذا كان من الضروري فصله عن المجموعة، وجب على الآخرين أن يركزوا الاهتمام عليه بين آونة وأخرى بالنظرات والإشارات.

fig29
شكل ٨-٥: «سيدات هيئة المحلفين»، المسرح الصغير بهاوستون، تكساس: من تصميم جاك هايز: هذه صورة المنظر الموضح برقم ٥ شكل ٨-٣، ورقم ٤ج شكل ١٦-١. ومشاهد المحاكم تنطوي على مشاكل صعبة في توزيع الشخصيات؛ لذلك يجب أن تُخطط التشكيلات أولًا ثم نصمم المنظر الذي يجعل تلك التشكيلات ممكنة.

(٦-٤) مَشاهد المحاكمات courtroom scenes

تكتنف هذه المشاهدَ كثيرٌ من الصعوبات بسبب ما يتوافر فيها من دوافع للاتجاه أعلى المسرح دون أسفله. ويتوقف تنسيق المنظر على وجود المحلفين أو عدم وجودهم، وكذلك على الأهمية النسبية للشخصيات. ويبين رقم ٥ بشكل ٨-٣ تنسيقًا للمنظر كما استُخدم في مسرحية «سيدات هيئة المحلفين»، ونرى فيه أن القاضي والشاهدة والمحلفين على نفس البُعد تقريبًا من خط الدروع، ويمكن أن يتحدث كلٌّ منهم إلى الآخر أو إلى المحامين دون أن يتجه صوب أعلى المسرح. أما المحامي الأقل أهميةً فعليه أن ينهض ويسير إلى أعلى المسرح كلما أراد أن يسأل الشاهدة. أما المرافعات فيجب أن تُلقى على مسامع المحلفين من النقط أ أو ب أو ﺟ.

(٦-٥) المجاميع crowds

عندما يقوم بطل الرواية بالتمثيل في مشهد به جماهير، فإنه يكون عادةً على أحد الجانبين، والجماهير على الجانب الآخر (كما في رقم ٤ شكل ٨-٢). وأنسب مكانين لأهم الشخصيات بين الجماهير هما: مقدمة الجماهير أو أسفل المسرح. وإذا كان على المجموعات أن تلتف حول البطل، وجب عليه أن يقف على كرسي أو نضد أو مصطبة. وإذا كان الغرض من المجاميع مجرد ملء المنظر الخلفي، أبعدت إلى أعلى المسرح، على أن تنزل أهم الشخصيات إلى أسفل المسرح.
والمقترحات الآتية تجعل المجموعات تبدو كبيرة فوق المسرح (انظر رقم ٤ شكل ٨-٢):
  • (١)

    تجنب مساحات الفراغ بوضع حواجز من الممثلين في أسفل المسرح، مع انتشار الباقين وتوزيعهم للإيحاء بالعمق.

  • (٢)

    ضع بعض الممثلين (أو عمال المسرح) في مداخل الأبواب لكي تبدو الجماهير ممتدة إلى خارج المسرح. وعلى المتحدث أن يُكثر من مخاطبة ذلك الحشد الخيالي، بقدر الإمكان.

  • (٣)

    يجب أن يبتعد كل ممثل عن الآخر قدر استطاعته، ويتحاشى التزاحم في كتلة واحدة.

  • (٤)

    ارتداء الممثلين للمعاطف أو الملابس السميكة يساعد كثيرًا في هذا الغرض.

(٧) تنويع التشكيلات

مِن ألزم الضروريات للتشكيلات أن تتنوع باستمرار. ويجب ألا تختلف أوضاع الشخصيات في التشكيل فحسب، بل ويجب أيضًا ألا يتكرر تنسيقها حتى ولو تغيرت الشخصيات إلا في الحالات التي يقصد المخرج فيها لفت النظر إلى أن أحد المشاهد يردد صدى مشهد آخر. وهذا يعني أن المسرحية تحتاج في المتوسط إلى ما بين مائة ومائتين تشكيل بخلاف التنوعات البسيطة.

(٧-١) التنوع بالمناطق variety in areas

من وسائل تنويع التشكيلات أن تغير المناطق؛ فمثلًا يُرتَّب التشكيل الأول في منطقة واحدة، ويشغل التشكيل الثاني المسرح كله، ويكون الثالث في ثلاث مناطق، والرابع في منطقة واحدة غير المنطقة التي رُتب فيها التشكيل الأول، وهكذا. ويمكن الحصول على ٦٣ احتمالًا لترتيب التشكيلات في مناطق المسرح الست (٦ عند شغل التشكيل لمنطقة واحدة، ١٥ لمنطقتين، ٢٠ لثلاث مناطق، ١٥ لأربع مناطق، ٦ لخمس مناطق، ١ لست مناطق). ولما كان ١٦ من هذه الاحتمالات ليست كثيرة الاستعمال من الوجهة العملية، فيتبقى لدينا ٤٧ احتمالًا. وعلى ذلك فلا عذر للمخرج في تكرار استخدام نفس المناطق عدة مرات في مسرحية واحدة.

ويجب أن يبدأ المخرج بمنطقة غير هامة ثم ينتقل إلى منطقة مهمة، فأهم منها، وهكذا. والتحفظ عادةً أصعب من البناء، وعلى ذلك يُحجز أسفل الوسط للمشاهد الهامة. ومع ذلك فلن تقلَّ أهمية هذه المنطقة إذا شغلتها شخصيات قليلة الأهمية، أو استُعملت في مشاهد الانتقال.

ويجدر في المسرحيات ذات المنظر الواحد، حجز منطقة — عادةً أعلى اليمين أو أسفل اليسار — للفصل الأخير، حتى يمكن تقديم شيء جديد للنظارة.

(٧-٢) التشكيلات الثلاثية three characters

يجب ألا تُرتَّب الشخصيات قَط في خط مستقيم. وهذا يعني أن تشكيلًا من ثلاث شخصيات يمكن تنسيقه على هيئة مثلث. فمثلًا نجد في مسرحية «أنَّا كريستي Anna Christie» كثيرًا من المراحل ذات الشخصيات الثلاث. فإذا لم يراعِ المخرج تنويع التشكيلات الثلاثية بشتى الطرق، أصبحت المسرحية على وتيرة واحدة. ويمكن تغيير التشكيلات الثلاثية بالطرق الآتية، وكلها موضَّحة بشكل ٥-١، ما عدا الطريقتين الأولى والخامسة:
  • (١)

    انقل المثلث إلى منطقة أخرى من المسرح.

  • (٢)

    غيِّر مساحة المثلث.

  • (٣)

    غيِّر من وضع رأس المثلث إلى أعلى المسرح أو أسفله.

  • (٤)

    غيِّر شكل المثلث (بتغيير زواياه ونِسب الأضلاع بعضها إلى بعض).

  • (٥)

    اقلب وضع المثلث.

  • (٦)

    غيِّر من اتجاه الشخصيات بالنسبة لاتجاه أضلاع المثلث.

  • (٧)

    استعملْ أوضاعًا تخفي الشكل المثلثي.

  • (٨)

    غيِّر مستوى أحد الأشخاص (أي ارتفاعه) حتى يكون المثلث المكون من رءوسهم مائلًا.

(٨) تخطيط التشكيلات

يجب أن يلم كل مخرج بطرق تخطيط التشكيلات على الورق، كما في شكلَي ٣-٢، ٣-٣. فبذلك يستطيع أن يعمل بدون وجود الممثلين، ويحتفظ بسجل دقيق لأفكاره. وعلاوةً على ذلك، فكثير من المسائل تكون أعظم وضوحًا على الورق منها في البروفات، ولا سيما أرض المسرح ومناطقه ومحاوره. والواقع أن التشكيل الذي يبدو مناسبًا على الورق يبدون كذلك على المسرح.

عند تخطيط التشكيلات، يبدأ المخرج بتلك التي تستلزم آلية الفعل فيها وجود شخصية معينة في نقطة بعينها، كأن تكون قريبة من الباب قُبيل اللحظة التي عليها أن تغادر فيها المسرح. بعد ذلك يخطط المشاهد الهامة ومشاهد الذرى حتى يمكن تمثيلها في المناطق المناسبة لها، ثم يملأ الأمكنة الباقية بالمشاهد الأقل أهمية. على أنه يجب على المخرج أن يلاحظ سهولة تدفُّق الحركة، فلا يصمم تشكيلًا يقتضي أن يقفز ممثل من جانب إلى آخر ثم يعود إلى مكانه السابق ثانيةً بدون مسوغ.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤